311 مشاهدة
2 محاضرة
سيرة النبي محمد ﷺ
شرح ( قراءة كاملة لكتاب كنوز السيرة تأليف الشيخ عثمان الخميس )
الصوت
2 - 2 قراءة كاملة لكتاب كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس (المقطع الثاني)
كنوز السيرة شروط صلح الحديبية أولا أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يدخلون مكة ثانيا أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يعتمرون من السنة القادمة في الوقت نفسه ويقيمون في مكة ثلاثة
أيام فقط ثالثا لا يدخلون مكة إلا بسلاح الراكب رابعا من جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه يرده عليه إن طلبه ومن جاء قريشا من المسلمين لا يردوه إليهم خامسا من أراد
أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه وله مثل شرطه ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه وله مثل شرطها فدخلت بنو بكر مع قريش ودخلت خزاعة مع النبي صلى الله
عليه وسلم سادسا أن بين النبي صلى الله عليه وسلم ومكة عيبة مكفوفة أي ذمة معقودة سابعا أنه لا إسلال ولا إغلال ومعنى الشرطين السادس والسابع أي بيننا وبينهم في هذا الصلح نقيا من الغل
والغدر والخداع ثامنا توضع الحرب بينهم عشر سنين كنوز السيرة الحكم التي تضمنتها الهدنة هذه الهدنة في ظاهرها إجحاف للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ولكن ليس الأمر كذلك يقول ابن القيم
رحمه الله في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنها هذه الهدنة هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله جل وعلا الذي أحكم أسبابها ووقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته سبحانه وتعالى منها
أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجا فكانت هذه الهدنة بابا له ومفتاحا ومؤذنا بين يديه ومنها أن هذه الهدنة كانت من أعظم
الفتوح فإن الناس أمن بعضهم بعضا واختلط المسلمون بالكفار وبادأوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين وظهر من كان مختفيا بالإسلام ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء
الله أن يدخل ومن أشهر الهدنة من دخل في الإسلام في هذه المدة خالد بن الوليد وعمر بن العاص وغيرهما من الصحابة ومنها ما سببه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان
والانقياد على ما أحبوا وكرهوا وما حصل لهم في ذلك من الرضا بقضاء الله تبارك وتعالى وتصديق موعوده ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تفرغ للدعوة إلى دين الله تبارك وتعالى فصار صلى
الله عليه وسلم يرسل رسله فأرسل إله رقل وقيصر وأرسل إلى النجاشي والمقوقس وإلى غيرهم من رؤوس القبائل كلهم يدعوهم إلى الإسلام كنوز السيرة عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا
رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفع النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير إلى الرجلين
لأنه لا يغدر صلى الله عليه وسلم فخرج بأبي بصير حتى بلغوا ذا الحليفة فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك يا فلان لا يخيب فاستله وقال أجل والله إنه كذلك لقد جربت به ثم
جربت به ثم جربت فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأاه لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى النبي
صلى الله عليه وسلم قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير ومعه السيف فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني عليهم ثم أنجاني الله منهم فقال النبي صلى الله عليه
وسلم مسعر حرب فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج من المدينة حتى أتى سيف البحر وانفلت أبو جندل مرة ثانية فذهب إلى أبي بصير عند سيف البحر فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق
بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعضهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم من أتاه فهو آمن فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم موافقته قال
الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ببطن مكة من بعد أن أوفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا لم تعلموهم
أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته
على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة أي كف القتال بالصلح الذي كان بينهم من بعد أن
أظفركم عليهم أي كان الله تبارك وتعالى سيظفر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة كما أظفرهم الله في الخندق وفي بدر قال هم الذين كفروا أي أهل مكة وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي
معكوفا أي منع الهدي أن يبلغ محله وأن ينحر عند البيت يقول ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطأوهم أي الضعفاء كأبي جندل وأبي بصير وغيرهم من المؤمنين الذين كانوا في مكة
ولا يستطيعون الهجرة يقول لم تعلموهم أن تطأوهم أي قد تقتلون من المؤمنين وأنتم لا تعلمون يقول فتصيبكم منهم معرة بغير علم أي تعيرون بعد ذلك بهذا ويقال قتلتم أصحابكم وقتلتم المؤمنين
بغير علم منكم أن هؤلاء من المؤمنين قال قال وذلك في قولهم إنه من خرج من عندنا مؤمنا تعيده لنا مرة ثانية قال فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق
بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما كنوز السيرة أحداث في الحديبية حادثة كعب بن عجرة رضي الله عنه قال وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي يتهافت منه قمل فقال النبي
صلى الله عليه وسلم أيؤذيك هوامك وكان محرما قلت نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاحلق رأسك وقال وفي نزلت هذه الآية فأتم الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا
رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلة فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في
الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام والتقوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف أقبل على الناس وقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله
ورسوله أعلم قال قال الله أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب لأنه
نسب إنزال المطر إلى شيء ليس بسبب أصلى وهو الكوكب فالأمر كله لله ويفرق أهل العلم بين مطرنا بنوء كذا أو مطرنا في نوء كذا فإذا قال مطرنا بنوء كذا بالباء السببية فهذا هو الشرك والعياذ
بالله وأما إذا قال مطرنا في نوء كذا فهذا ليس بشرك إن كان يقصد أنه مطرنا في نوء كذا في الظرفية أي في الوقت الذي كان فيه النجم الفلاني في المكان الفلاني نزل المطر فهذا لا بأس به فهنا
ثلاثة أحوال أولا إذا اعتقد أن النجم هو الذي أنزل المطر فهذا شرك أكبر ثانيا إذا اعتقد أن النجم هو الذي أنزل المطر فهذا شرك أصغر لأن السبب إما أن يكون شرعيا أو طبيعيا وهو هنا ليس
كذلك ثالثا إذا اعتقد أن المطر نزل في الوقت الذي كان فيه النجم في هذا المكان فهذا جائز لا بأس به الحادثة الثالثة قال أبو المليح قد رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية
وقال لنا سماء لم تبل أسافل نعالنا فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا في رحالكم فمن سنة الصلاة إذا نزل المطر أن المنادي ينادي الصلاة في الرحال أي البيوت وذلك بدل قوله حي
على الصلاة الحادثة الرابعة وقعت آيات للنبي صلى الله عليه وسلم فمنها ما ذكرناه منه وكذلك ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله
صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ما لكم قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك قال فوضع النبي
صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم كأمثال العيون قال جابر فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مئة ألف لكفانا كنا خمس
عشرة مئة يعني ألف وخمسمائة كنوز السيرة بيعة الرضوان مر بنا أن قريشا قبيل صلح الحديبية أرسلوا للنبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود ثم أرسلوا زعيم الأحابيش ثم جاء سهيل بن عمر وخلال
هذه اللقاءات كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قد أرسل إليهم رسولا عثمان بن عفان رضي الله عنه فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتي لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت
معظما لحرمته فخرج عثمان رضي الله عنه إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق عثمان
حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف قال ما كنت لأفعل
حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أدب رفيع ومحبة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فعثمان بن عفان كغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كله شوق إلى الطواف ببيت
الله العظيم ولكنه امتنع عن الطواف لا رغبة عنه ولكنه الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته قريش عندها وقال الله عليه وسلم والمسلمين إشاعة أن عثمان قد قتل وهذا الأمر وارد
لأن بينهم قتال بدر وأحد والخندق والرسول قد جاء بعدد كبير وقريش مستعدون للقتال وهم لا يتقون الله تبارك وتعالى فلا يستبعد أن يقع من أمثال هؤلاء الجرأة على قتل عثمان رضي الله عنه قال
ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة وكانت بيعة
الرضوان تحت الشجرة وكان الناس يقولون بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وقال جابر رضي الله عنه لم يبايعنا رسول الله على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر بعض الصحابة ذكر
أن هذه البيعة كانت بيعة للموت في سبيل الله وبعضهم ذكر أنه بايعهم على أن لا يفروا وهما متلازمان لأن من لا يفر متعرض للموت فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد
من المسلمين حضرها إلا رجل واحد وهو جد بن قيس أخو بني سلمة ولقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر وصاحب الجمل الأحمر هو
الجد بن قيس وبايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في هذا اليوم العظيم وبايع عن عثمان بيده صلى الله عليه وسلم وقال وهذه لعثمان فبايع عنه وكانت يده لعثمان أكرم من يد عثمان لنفسه
وكان بعد ذلك صلح الحديبية ورجع عثمان كنوز السيرة مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم للملوك بعد صلح الحديبية راسل النبي صلى الله عليه وسلم الملوك والأمراء يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى
وأرسل صلى الله عليه وسلم رسائل كثيرة نذكر منها رسالتين الأولى رسالته إلى كسرى جاء فيها بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله
ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شهد أن محمدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فإن أبيت فإن
إثم المجوس عليك واختار النبي صلى الله عليه وسلم لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمية رضي الله عنه فدفعه السهمي وقال وعندما وصل الكتاب إلى كسرى مزقه وقال في غطرسته عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مزق الله ملكه وقد كان كما قال وقد كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن فالذي بالحجاز
رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فاختار باذان رجلين من عنده وبعثهما بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى وهذا أمر عجيب من هذا الرجل وهو كسرى فهو
استهان بأمر العرب فلم يرسل جيشا بل ولا سرية صغيرة لتأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يرسل رجلين اثنين ليأتياه برسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نظرة فارس والروم إلى العرب
كانوا يحتقرونهم ولا يعدونهم شيئا فأعزهم الله جل وعلا بالإسلام فما هي إلا سنوات قليلة إلا وقد ظهر الإسلام وأنهى الله جل وعلا دولة فارس كلها فهذا فضل الله سبحانه وتعالى وقد جاء في
الحديث أن هذين الرجلين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحيتيهما وأطلقا شاربيهما فلما رآهما النبي صلى الله عليه وسلم صد عنهما وكره أن ينظر إليهما ثم قال من أمركما بهذا وهو
إطلاق الشارب وحلق اللحية قال ربنا أما ربي فأمرني أن أعفي لحيتي وأن أحف شاربي فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هديه الثانية رسالته إله رقل أخرج الإمام البخاري رحمه الله عن عبد
الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره قال أبو سفيان كنا تجارا بالشام وأنه أرسل إليه رقل وإلى من كان معه في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار
قريش فآتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان أنا أقرب الناس نسبا فقال أبو سفيان هو صخر بن
حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والنبي صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فوالد أبي سفيان الرابع عبد شمس ووالد النبي صلى الله عليه وسلم
الرابع هاشم وهاشم وعبد شمس أخوان توأم أبوهما عبد مناف فقال أدنو مناف قال وقربوا أصحابه واجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه قال أبو سفيان
فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت ثم كان أول ما سألني عنه قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب وقلت أنه قال هو من أوسطنا نسبا أي من أفضلنا نسبا وأوسط الشيء أفضله
فالجوهرة في العقد واسطة العقد وكذلك يقال عن صلاة العصر الصلاة الوسطى كما قال الله تبارك وتعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أي الفضل قال هرقل فهل قال هذا القول منكم أحد قط
قبله قلت لا قال هل كان من آبائه من ملك قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل
فيه قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال أبو سفيان ولم تمكنني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه
الكلمة قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قلت الحرب بيننا وبينهما قال فهل قاتلتموه سجال ينال منا وننال منه قال بماذا يأمركم قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به
شيئا وتركوا ما يقول آباؤكم وكذلك يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة قال هرقل للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تبعث فينا قال واسألتك هل قال هذا القول
منكم أحد قط قبله قلت لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت إنه رجل يتأسى بقول قيل قبله واسألتك هل كان من آبائه من ملك قلت لا قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه
فقلت فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع
الرسل وسألتك أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون وفي رواية وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته
القلوب وسألتك هل يغدر فذكرت ألا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بماذا يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق
والعفاف والصلة ثم قال فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم قال هرقل فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن
قدمه ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إله رقل فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إله رقل عظيم الروم سلام
على من اتبع الهدى
أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ثم قال قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فلما قال ما قال وفرغ من
قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا وقد أمر أمر بن أبي كبشة إنه يخافه ملك بن الأصفر يقول فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام
وكان ابن الناطور صاحب إيلياء سقفا على نصار الشام وهو صديق له رقل وكان ينظران في النجوم يحدث أنه رقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيثا نفسه فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن
الناطور وكانه رقل حزاء ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان ظهر فمن يختتن من هذه الأمة قالوا ليس يختتن إلا اليهود فلا يهم منك شأنهم واكتب
إلى مدائن ملكك يقول فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال اذهبوا وانظروا أمختتن هو أم لا فحدثوه أنه
مختتن واسأله عن العرب فقال هم يختتنون فقال هرقل وقال ملك هذه الأمة قد ظهر ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص فلم يرى حمصا حتى أتاه كتاب من صاحبه
يوافق رأيه يقول فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له في حمص والدسكرة بناء مثل القصر يكون للخدم والحواشي فيه بيوت كثيرة
ثم أمر بأبواب الدسكرة فغلقت ثم اطلع فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رآه رقل
نفرتهم وأيسى من الإيمان قال ردوهم علي ثم قال إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له فكان ذلك آخر شأن هرقل وهذا الرجل عزت عليه الدنيا وضن على ملكه وخاف
عليه ونسي الآخرة وهكذا الإنسان قد يضيع الخير العظيم ويضيع الآخرة التي هي دار القرار لدنيا تافهة قد يتنعم فيها وقد لا يتنعم غمس غمسة واحدة في نار جهنم ثم يقال له هل مر بك خير قط هل
مر بك نعيم قط هل رأيت نعيما قط فيقول لا لم أر نعيما قط وهنا قد يسأل سائل هل أسلم هرقل ظاهره هنا أنه أراد أن يسلم وأنه صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يكفي مجرد التصديق ولا بد من
الإقرار فالإيمان لا يكون بمجرد التصديق فإبليس مصدق أن الله خالقه وأن الله بارئه وأن الله مصوره وأن الله له الأمر وله النهي سبحانه وتعالى ومع هذا لم يستجب وجاء أنه كتب من تبوك أي
هرقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول إني مسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب بل هو على نصرانيته وقال الحافظ بن حجر في كتاب الأموال لأبي عبيد بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله
المزني أنه قال أي النبي صلى الله عليه وسلم عن هرقل كذب عدو الله ليس بمسلم كنوز السيرة أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال إن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تخرجون مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم فتصيبون من أبوالها وألبانها فقالوا بلى فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا ولكن كيف كان جزاء هذا المعروف فقتلوا الراعي وطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه
وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم فأمر بهم صلى الله عليه وسلم وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص
إنما سمل أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعا فهم بدأوا بهذا فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بجنس عملهم وذلك أنهم اعتدوا فاعتدى عليهم بمثل ما اعتدوا وإن كان الاعتداء الثاني ليس
اعتداء في حقيقته وإنما هو قصاص كنوز السيرة غزوة خيبر وقد أنزل الله تبارك وتعالى في تلك السورة قوله وعدكم الله مظالم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم وهذه التي عجلها
هي خيبر قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجيع قال سلمة بن الأكوع خرجنا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول سمع الرسول صلى الله عليه وسلم كما سمع غيره هذا النشيد فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم من هذا السائق قالوا هذا عامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا رسول الله لولا أم تعتنا به أي علموا من قول النبي صلى الله عليه
وسلم رحمه الله أنه سيموت في هذه المعركة قال فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة أي جوع شديد فلما أمسوا أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه
النيران وعلى أي شيء توقدون قالوا على لحم قال على أي لحم قالوا على لحم حمر إنسية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهريقوها وكسروها فقال رجل يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها قال أو
ذاك فلما تصاف القوم من الغد للقتال خرج مرحب اليهودي وهو يخطر بسيفه يقول شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فنزل إليه عامر المنشد قريبا وهو يقول قد علمت خيبر أني عامر شاك
السلاح بطل مغامر وهذه كانت عادتهم في السابق قبل المعركة تبدأ المبارزة كما ذكرنا في بدر لما تبارز حمزة وعلي وأبو عبيدة بن الحارث مع الوليد بن عتبة وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وكما
تبارز علي بن أبي طالب مع عمر بن عبدود والزبير مع كبش الكتيبة فكذلك هنا خرج هذا الرجل للمبارزة فاختلف ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب عامر يسفل عليه أن يريد أن يضربه بالسيف من
الأسفل فرجع عليه ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه فقال سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم زعموا أن عامرا حبط عمله وذلك لأنه قتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب من قال ذلك إن له
أجرين وجمع صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه وقال إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم صلى بها الصبح وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم
أي أدوات الزراعة لا يشعرون بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليهم فلما رأوا الجيش قالوا محمد والله محمد والخميس
ثم رجعوا هاربين إلى حصونهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فلما دن النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف
على خيبر قال قفوا فوقف الجيش ثم قال أقدموا بسم الله ولما كانت ليلة دخول خيبر وبعد مقتل عامر بن الأكوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطينا الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه
الله ورسوله يفتح الله على يديه فباتوا يدوكون أيهم يعطاها أن يتكلمون في هذا الأمر كل واحد يتمنى أن يكون هو ذاك الرجل فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به
وجع فأعطاه الراية فقال علي بن أبي طالب أقاتلهم حتى يتكلمون في عينيه قال أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي
الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر نعم فخرج مرحب وهو يقول أي كعادته لما خرج في المرة الأولى قد علمت خيبر أني مرحب شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز إليه علي وهو
يقول أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة فضرب مرحبا ففلق هامته ثم كان الفتح وجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقال محمد بن مسلمة
هو الذي قتل مرحبا قال جابر في حديثه خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول من يبارز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لهذا فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول
الله أنا والله الموتور الثائر قتلوا أخي بالأمس فقال صلى الله عليه وسلم قم إليه اللهم أعنه عليه فلما دنى أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة أي صار كل واحد خلف هذه الشجرة فجعل كل واحد
منهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه من دونه منها حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت الشجرة بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن أي الأغصان كلها قطعت ثم حمل مرحب
على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة أي الدرع الذي يمسكه بيده فوقع سيفه فيها وضربه محمد بن مسلمة فقتله ولا يهم من قتل مرحبا اليهودي المهم أنه قتل ولكن رواية مسلم أصح في صحيح مسلم فإنها
تقدم وفي هذه الغزوة جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه فقال للرسول صلى الله عليه وسلم أهاجر معك فأوصى به بعض أصحابه فلما انتهت غزوة خيبر غنم رسول الله
صلى الله عليه وسلم أموالا كثيرة فقسمها بين أصحابه وللأعرابي لأنه شارك قال أعطوه لفلان كان يرعى الإبل فلما جاء الرجل أعطوه وقالوا له هذا حقك فقال الرجل ما هذا قالوا قسم قسمه لك رسول
الله صلى الله عليه وسلم فأخذه الأعرابي وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا رسول الله قال قال يا رسول الله ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرماها هنا وأشار إلى
حلقه بسهم فأموت وأدخل الجنة فقال صلى الله عليه وسلم إن تصدق الله يصدقك ثم نهض صلى الله عليه وسلم إلى قتال العدو فأتي بالأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال صلى الله
عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم أهوه قالوا نعم يا رسول الله قال صدق الله فصدقه فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته ثم قدمه فصلى عليه وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم أنه قال
اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد فهذه شهادة عظيمة من نبي عظيم صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر
حتى ألجاهم إلى قصرهم فغلب على الزرع والنخل والأرض فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء ورط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا
شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد قال عبد الله بن عمر فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت بن النظير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي
بن أخطب ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النظير قال أذهبته النفقات والحروب يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم العهد قريب والمال أكثر من ذلك فشك النبي صلى الله عليه وسلم في أنهم قد
غيبوا شيئا فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير فمسه بعذاب حتى يعترف وهذا يدل على أنه إذا كانت ريبة وشك سارق أو قاتل فلا بأس أن يمس بعذاب حتى يعترف فمسه بعذاب فقال إنه كان
قبل ذلك قد دخل خريبة فقال قد رأيت حييا يطوف بخريبة فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخريبة فقتل رسول الله بن أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسب الرسول صلى الله عليه وسلم
نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا لأنهم نكثوا العهد وأراد أن يجليهم منها فقالوا يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم ولم يكن لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمر ما بدى لرسول الله أن يقرهم على ذلك وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة
صفية بنت حيي بن أخطب سبيا ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها مهرها فصارت من أمهات المؤمنين كنوز السيرة وأمرها إلى الله أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من القوم أنا صاحبه فخرج معه فكلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه لأنه يعلم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى فجرح الرجل
جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل الذي تابعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنك رسول الله قال وماذاك قال
الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك فقلت أنا لكم به فخرجت في طلبه ثم جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة وفي بعض طرق
هذا الحديث أن هذه القصة وقعت في خيبر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام هذا من أهل النار فوجد الرجل أشد القتال حتى
كثرت به الجراح فكاد بعض الناس يرتاب فوجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه فاشتد رجال من المسلمين فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك انتحر
فلان قتل نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا فلان فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر فعلى الإنسان أن لا يحكم على الناس من ظاهرهم وقد بوب
الإمام البخاري بابا في صحيحه لا يقال فلان شهيد لأن هذا الإنسان ظاهره شهيد ومع هذا أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن باطنه خلاف ظاهره وجاء ببعض طرق الحديث أنه قيل له قاتلت وفعلت
قال إنما قاتلت دفاعا عن قومي فلا يشهد لشخص معين أنه في الجنة أو في النار أو أنه شهيد أو غير ذلك وإنما يقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل
أحسب فلانا والله يحفظه ولا أزكي على الله أحدا كنوز السيرة عودة المهاجرين من الحمشة وفي هذه الغزوة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء بنت
عميس وأصحابه ومعهم الأشعريون عبد الله بن قيس أبو موسى وأصحابه قال أبو موسى بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين أنا وأخوان لي وأنا أصغرهم أحدهما أبورهم
والآخر أبو بردا في بضع وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة وألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده وقال جعفر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا
وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا أصحاب سفينتنا وكان ناس
يقولون لنا سبقناكم بالهبرة قال ودخلت أسماء بنت عميس رضي الله عنها على حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها فدخل عليها عمر فقال من هذه يا حفصة قالت هذه أسماء فقال عمر سبقناكم بالهجرة نحن
أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم وكنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في أرض البعداء البغضاء وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله لا أطعم طعاما ولا
أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكنا نؤذى ونخاف سأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا أكذب ولا أزيد على ذلك فلما جاء النبي صلى الله عليه
وسلم قالت يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا قال ما قلت له قالت قلت له كذا وكذا فقال صلى الله عليه وسلم ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة وكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتون
أرسالا يسألون عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قدم جعفر بن أبي طالب على الرسول صلى الله عليه وسلم تلقاه
وقبل جبهته وقال والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر كنوز السيرة محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذه الغزوة سمى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أهدت له زينب
بنت الحارث اليهودية وهي امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية قد سمتها أي اللحم أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا الذراع فأكثرت من السم في الذراع فلما انتهش النبي صلى الله عليه
وسلم أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة ثم قال اجمعوا لي من هاهنا من اليهود فجمعوا له فقال لهم إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقية فيه قالوا نعم يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم من أبوكم قالوا أبونا فلان قال كذبتم أبوكم فلان قالوا صدقت قال هل أنتم صادقية عن شيء إن سألتكم عنه قالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا
قالوا الله عليه وسلم من أهل النار قالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها فقال صلى الله عليه وسلم اخسأوا فيها فوالله لا نخلفكم فيها أبدا ثم قال هل أنتم صادقية عن شيء إن سألتكم عنه
قالوا نعم قال أجعلتم في هذه الشاة ثم قالوا نعم قالوا نعم قالوا نعم قالوا نعم قالوا نعم قالوا نعم قالوا نعم قال الزهري فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا كنوز السيرة غزوة ذات
الرقاع سنة سبع للهجرة بعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود في خيبر بلغه صلى الله عليه وسلم اجتماع بعض قبائل العرب منها قبيلة أنمار وبني ثعلبة وبني محارب وكلهم من غطفان
فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج إليهم في أربعمائة من أصحابه صلى الله عليه وسلم وهذه الغزوة تسمى بذات الرقاع وأكثر أهل العلم يذكرون هذه الغزوة في السنة الرابعة والذي يظهر
والله أعلم أنها في السنة السابعة وذلك أن أبا موسى الأشعرية رضي الله عنه وذكر أنه كان موجودا في هذه المعركة وهو لم يأتي إلا زمن خيبر مع الأشعريين وكذلك الأمر بالنسبة لأبي هريرة عن
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال كنوز السيرة الله يحميه وعن جابر رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع فأتينا على شجرة ضليلة تركناها للنبي صلى الله عليه
وسلم فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم فتفرق الناس في العضات يستظلون بالشجر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق فيها سيفه قال جابر فنمنا نومه فجاء رجل من المشركين فاخترط
سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أتخافني فقال صلى الله عليه وسلم وهو الذي سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قول الله سبحانه وتعالى والله يعصمك من الناس لا قال فمن يمنعك
مني قال الله قال جابر فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئنا فإذا عنده أعرابي جالس فقال صلى الله عليه وسلم إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال فمن
يمنعك مني قلت الله فإذا هو ذا جالس ثم لم يعاتبه صلى الله عليه وسلم وفي رواية أخرى عند أبي عوانه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له الله يمنعني منك سقط السيف من يد الأعرابي
فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له من يمنعك مني فقال الأعرابي كن خير آخذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال الأعرابي أعاهدك ألا أقاتلك
ولا أكون مع قوم يقاتلونك قال فخلى سبيله فجاء الأعرابي إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس صلى الله عليه وسلم إيمانا بالله وتوكلا وثقة ثم بعد ذلك كله العفو عند المقدرة وهذا
الأعرابي اسمه غورث بن الحارث كنوز السيرة سمحا إذا اشترا وفي هذه الغزوة روى لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قصة أخرى فقال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات
الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لك يا جابر قلت يا
رسول الله أبطأ بي جملي هذا قال أنخه قال فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أعطني هذه العصى من يدك أو اقطع عصا من شجرة قال ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فنخسه بها نخسات ثم قال اركب قال فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة قال وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتبيعني جملك هذا يا جابر قال بل أهبه لك قال لا ولكن
بعنيه قال قلت فسمنيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذته بدرهم قال جابر لا إذن تغبنني يا رسول الله قال فبدرهمين قال قلت لا فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع لي حتى
بلغ أوقية فقلت قد رضيت هو لك يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم أخذته قال جابر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر هل تزوجت قال قلت نعم يا رسول الله قال قال قال قال قال
قال قال فقلت والله يا رسول الله ما لنا نمارق قال قال فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا فحدثت المرأة الحديثة وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فدونك فسمع
وطاعة فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال ما هذا قالوا
يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر قال فأين جابر فدعيت له فقال لي يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك ثم دعا بلالا فقال قال فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا قال فوالله ما زال
ينمي عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا يعني يوم الحرة سنة 63 للهجرة وفي رواية أن جابر اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن يركبه إلى المدينة هذا الحديث فيه فوائد
كثيرة فمنها أولا أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى الجمل من جابر فساومه وأرضاه بالسعر وفيه جواز المساومة ثانيا أن النبي صلى الله عليه وسلم من أرفق الناس بأصحابه وذلك أنه تأخر حتى
أدركه جابر بن عبد الله ثانيا أن النبي صلى الله عليه وسلم ثالثا فيه حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بعنيه فقال جابر بل أهبه لك
رابعا استحباب الزواج من البكر كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم جابرا بذلك خامسا فيه جواز الزواج بالثيب كذلك وذلك أنه بعدما اشترى البعير رده إلى جابر رضي الله عنه هبه سابعا أن جابر
بن عبد الله اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترى منه الجمل أن يركبه إلى أن يصل به إلى المدينة واستدل أهل العلم بهذا على جواز الاشتراط أي بيع وشرط والله أعلم كنوز السيرة
مواقف وعبر أرصد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئة للمسلمين وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر فنام عمار وجلس عباد يصلي فجاء رجل من المشركين ورمى عبادا وهو يصلي فنزعه واستمر في
صلاته فرشقه بسهم آخر فنزعه واستمر في صلاته فرماه بالثارث فلم ينصرف حتى سلم رضي الله عنه فأيقظ صاحبه فلما رآه قال سبحان الله هل لا نبهتني قال إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها وفي هذه
السنة استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه فأغضبوا أميرهم فقال لهم اجمعوا لي حطبا فجمعوا له فقال أوقدوا نارا فأوقدوا ثم
قال ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها وهذا أمر عجيب جدا قال لهم أنه طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسمع والطاعة له إذن
يطيعونه في كل شيء حتى لو كان في معصية الله تبارك وتعالى فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هربا من النار لا لكي نسقط فيها قال فسكن غضبه فلما
قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف كنوز السيرة عمرة القضاء سنة سبع للهجرة مر بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
صدوا عن المسجد الحرام حتى تم صلح الحديبية قال أبو عبد الله الحاكم تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وأن لا يتخلف منهم أحد شهد
الحديبية فخرجوا إلا من استشهد وخرج معه آخرون معتمرين فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان وساق معه صلى الله عليه وسلم ستين بدنه وخرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش
الغدر فلما بلغ يأجج وضع الأدوات كلها والحجف والمجان والنبل والرماح وخلف عليها أوس بن خولة الأنصارية في مئتي رجل ودخل صلى الله عليه وسلم بسلاح الراكب والسيوف في القرب وكانت قريش قد
بعثت مكرز بن حفص في نثر من قريش فقال له يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر فقال النبي صلى الله عليه وسلم
إني لا أدخل عليهم السلاح فقال مكرز هذا الذي تعرف به البر والوفاء وقال لأعداء النبي صلى الله عليه وسلم له وهي شهادات تترى وهي كثيرة شهدوا له بالصدق والأمانة والبر والوفاء وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم عند الدخول راكبا على ناقته القصوى فخيله ونوقه والحمير والبغال كلها كان يسميها فمن خيل النبي صلى الله عليه وسلم ما جمع في بيت شعر وخيل سكب لحيف سبحة ضرب لزاز
مرتجز ورد لها أسرار أما من البغال فكان عند النبي صلى الله عليه وسلم بغلة سماها دلدل وله من الحمير عفير وله من الإبل القصواء والعضباء وهذه الناقة لها قصة مشهورة وذلك أنها كانت سريعة
لا تسبق فسابقها بناقته فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حقا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئا إلا وضعه دخل النبي صلى الله عليه وسلم راكبا على ناقته
القصوى والمسلمون متوشح السيوف محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون من مكة إلى جبل في شمال مكة يقال له قعيقعان وقال بعضهم لبعض يقدم عليكم وفد وهنتهم حما يثرب فالنبي صلى الله
عليه وسلم كأنه بلغه هذا أو استشعره فأمر أصحابه أن يرمل الأشواط الثلاثة الأولى وأن يمشوا ما بين الركنين لأن أهل مكة يرونهم إذا طافوا من الحجر إلى الركن الأولى أما بين الركن اليماني
والحجر فلا يرونهم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب مكايدة قريش وصار الرمل بعد ذلك سنة ليس فقط في عمرة القضاء بل سنة دائمة لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما حج
رمل ولكن في البيت كله دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاعره وشعراء النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة هم حسان بن ثابت كعب بن مالك
وعبد الله بن رواحة فكان عبد الله بن رواحة متوشحا سيفه يقول خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله وأنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله يا رب إني مؤمن بقيله إني
رأيت الحق في قبوله بأن خير القتل في سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله وجاء عمر فقال بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله
تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خل عنه يا عمر فله وأسرع فيهم من نضح النبل أي هذا الشعر أشد عليهم من النبال فلما رمل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة الأشواط الأولى ومن
معه ورآهم المشركون قالوا هؤلاء قد زعمتم أن الحمى قد وهنتهم فهؤلاء أجلد من كذا وكذا فلما فرغ من السعي وكان قد جعل الهدي الذي ساقه صلى الله عليه وسلم عند المروة قال هذا المنحر وكل
فجاج مكة منحر فنحر صلى الله عليه وسلم عند المروة وحلق هناك وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثانية ثلاثة فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا عليا فقالوا قل لصاحبك اخرج عنا فقد
مضى الأجل وذلك لأنهم اتفقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعتمر لمدة ثلاثة أيام فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونزل في سرف وأقام فيها كنوز السيرة ولم أراد النبي صلى الله عليه وسلم
الخروج من مكة تبعته ابنة حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم واسمها عمارة وتناديه يا عم يا عم وفي قولها لنبي الله صلى الله عليه وسلم يا عم وهي ابنة عمه لأنه عمها من
الرضاعة حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أرضعته فهيرة مولاة أبي لهب وكذلك أرضعت حمزة وإما نادته كذلك لفارق السن بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان حمزة هاجر من مكة وترك
ابنته مع أمها فتناولها علي رضي الله عنه ثم اختصم فيها مع جعفر وزيد بن حارثة كل منهم يريد أن يربيها وقال النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وقال لعلي أنت مني وأنا منك وقال لجعفر أشبهت
خلقي وخلقي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها لجعفر بن أبي طالب فعلي طالب بها لأنه ابن عمها وزوجته فاطمة بنت عمها لأنه آخى النبي صلى الله عليه وسلم
بينه وبين حمزة في المدينة وهما يتوارثان قبل أن تنزل أحكام المواريث أما جعفر فهو ابن عمها وزوجته أسماء بنت عميس خالتها لأن أمها سلمى بنت عميس أخت أسماء فقال الرسول صلى الله عليه
وسلم الخالة بمنزلة الأم وقال أن الرجل لا يجوز له أن يجمع بين البنت وخالتها فحكم بها لجعفر وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تتزوجها أي بنت حمزة فقال لا إنها ابنة أخي من الرضاعة
كنوز السيرة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة رضي الله عنها وفي هذه العمرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث العامرية رضي الله عنها وهي خالة عبد الله بن عباس
وخالد بن الوليد فبنى بها النبي صلى الله عليه وسلم بسرف وهذا هو الصحيح ولم يتزوجها وهو محرم كما جاء في بعض الروايات وقدر الله تبارك وتعالى أن تموت ميمونة أم المؤمنين بسرف في المكان
الذي تزوجها فيه النبي صلى الله عليه وسلم وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء لأنها عبارة عن مقايضة أي مصالحة بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم فلما اتفقت قريش على أن يأتي النبي صلى
الله عليه وسلم في السنة القادمة صارت هذه العمرة تسمى بعمرة القضاء وقالت كذلك لأنها كانت بدلا أو قضاء عن عمرة الحديبية وبعد هذه العمرة أسلم رجلان كان لهما أثر في الإسلام بعد ذلك ألا
وهما عمر بن العاص وخالد بن الوليد كنوز السيرة إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال
خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي
الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن
الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال خالد بن الوليد رضي الله عنه قال فما بلغني أنه أرسل إليهم من الريح إلا بقدر ما يجري بخاتمي هذا حتى هلكوا أي إن هذا الرجل بدل
من أن يطلب لهم المطر طلب لهم العذاب وهو لا يشعر كنوز السيرة فتح مكة سنة ثمان للهجرة قال ابن القيم رحمه الله عن فتح مكة هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه
الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار المشركين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودين الله أفواجا وأشرق به وجه
الأرض ضياء وابتهاجا هذا هو فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة وكان سبب ذلك الفتح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد صلح الحديبية مع كفار مكة وكان من شروط ذلك الصلح أنه من أراد من
قبائل العرب أن يدخل في حلف وعهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل فدخلت بنو بكر مع قريش في عهدها ودخلت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم في عهده
وكان بين خزاعة وبني بكر ثأر في الجاهلية قبل أن يدخلوا في ذلك الحلف وقصته أن رجلا يقال له مالك بن عباد وكان حليفا لآل الأسود بن رزين من بني بكر خرج فلما توسط أرض خزاعة عدا عليه أهل
خزاعة فقتلوه وأخذوا ماله وذلك قبل الإسلام بمدة عند ذلك عدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه فقامت خزاعة وعدت على ثلاثة من بني بكر فقتلوهم فلما جاء الإسلام حجر بين الفريقين وانشغلوا
به عن أنفسهم وثأرهم وقال إن بني بكر ما زال لهم ثأر عند خزاعة فلما تم الصلح ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبنو بكر في عهد قريش اغتنمت بنو بكر فرصة أن خزاعة آمنة منهم
وأرادوا أن يصيبوا ثأرهم القديم فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر وكان لخزاعة ماء يقال له الوتير فأصابوا منهم رجالا وتناوشوا واقتتلوا فقامت قريش وأعانت بني بكر بالسلاح
وقاتل رجال من قريش كذلك في ظلمة الليل مع بني بكر ضد خزاعة حتى اضطروا خزاعة إلى الحرم وذلك أن خزاعة ما كانت متأهبة لحرب فلما انتهوا لهذا المكان الحرام قالت بنو بكر لقائدهم يا نوفل
إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك أي يحرم عليك أن تقاتلهم في الحرم فقال نوفل قبحه الله لا إله اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه ولجأوا إلى
دار بديل بن ورقاء الخزاعي وإلى دار مولى لهم يقال له رافع وأسرع عمر بن سالم الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد قال يا رب
إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا
ثم تأسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن
قريشا أخلفوك الموعدا ونقضو ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي فيك داء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا عندها قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم نصرت يا عمر بن سالم وهذه القصة في إسنادها ضعف ولكن أهل السير اتفقوا على ذكرها وقال كل شيء في السيرة يوجد له إسناد صحيح ولذلك ذكر أهل العلم أن السيرة مما يتسامح فيه بشرط
أن لا يبنى عليه أحكام ولا اعتقادات أحست قريش بسوء فعلها وبغدرها فاضطرت أن تبعث أبا سفيان قائدها ممثلا لها ليقوم بتجديد العقد مع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ليعيد للعقد المهدر
حرمتا كنوز السيرة موقف إيماني قدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال يا ابني أرغبت بي عن هذا الفراش أم
رغبت به عني أي هل أبعدت الفراش إكراما لي أم أبعدته إكراما لي فقالت بل هو فراش الرسول صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس فقال والله لقد أصابك بعده شر وهذه القصة إسنادها ضعيف ولكن
لا يبعد أن تكون قد وقعت ثم خرج أبو سفيان من عند ابنته حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئا فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال ما أنا بفاعل ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أأنا أشفع لكم إلى رسول الله والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ثم جاء أبو سفيان ودخل على علي بن أبي طالب
وعنده فاطمة فقال يا علي إنك أمس الناس بي رحما وإني قد جئت في حاجة فلا أرجع عنا كما جئت خائبا اشفع لي إلى محمد فقال علي ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على
أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه وهذا من أدب علي رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان إلى فاطمة وقال هل لك أن تأمر ابنك هذا أي الحسن رضي الله عنه فيجير بين الناس
فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر فقالت والله ما يبلغ ابني ذلك أن يجير بين الناس ثم تأتي الكلمة الطيبة التي قالتها فاطمة رضي الله عنها وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما يئس أبو سفيان قال يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال أو ترى ذلك
مغنيا عني شيئا قال لا والله ما أظن ولكني لا أجد غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وانطلق ولما قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت
محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أجده
ثم جئت عليا فوجدته ألينا القوم قد أشار علي شيئا فصنعته فوالله ما أدري هل يغني عني شيئا أم لا قالوا وبما أمرك قال أمرني أن أجير بين الناس ففعلت فقالوا هل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا
ويلك إن زاد الرجل أن لعب بك فوالله ما وجدت غير هذا عند ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأعلمهم أنه سائر إلى مكة صلى الله عليه وسلم وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن
قريش حتى نبغتها في بلادها كنوز السيرة كل ابن آدم خطاء حاطب بن أبي بلتعة وقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه خطأ كبير كتب إلى قريش كتابا يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه
وسلم إليهم ثم أعطاهم رأة يقال لها سارة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في قرون رأسها وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب وقال الرسول صلى الله
عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام والمقداد بن عمر خلف هذه المرأة وقال لهم انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ضعينة معها كتاب إلى قريش فانطلقوا حتى وجدوا المرأة بذلك
المكان الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فأوقفوها وقالوا لها أمعك كتاب؟
فقالت ما معي كتاب ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئا فقال لها علي رضي الله عنه أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك الثياب وهذا الفعل
جائز وذلك أن الأمر إذا كان بهذه الخطورة وعلموا يقينا كما هو الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم جاز لهم أن يجردوها من ملابسها إذا تحتم الأمر وإن كانت هذه مفسدة ولكن المفسدة التي تأتي
من أخذها الكتاب أعظم ومن القواعد الشرعية دفع أعظم المفسدتين إذا كان لابد من الوقوع في إحداهما فلما رأت الجدة من علي قالت أعرض فأعرض فحلت قرون رأسها وأخرجت الكتاب فدفعته إليه فأتى
به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال ما هذا يا حاطب فقال لا تعجل
علي يا رسول الله والله إني لمؤمن بالله ورسوله ولكني كنت امرأة ملصقا في قريش ولست من أنفسهم ولي فيهم أهل وعشيرة وولد وليس لي فيهم قرابة يحمونهم وكان من معك لهم قرابات يحمونهم فأحببت
إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي اعتذر حاطب قال لي أولاد وأقارب في مكة وأنا لست من أهلهم فأخشى على أولادي وقرابة الذين هم هناك فإذا علمت قريش أني أرسلت هذا الكتاب قد
لا يضرون قرابتي ولا يؤذونهم وفي رواية قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره أي إن هذا الكتاب لا يقدم ولا يؤخر عند ذلك قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال أضرب عنقه فإنه قد خان
الله ورسوله وفي رواية قال يا رسول الله إن حاطبا قد نافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت
لكم فذرفت عينا عمر رضي الله عنه فقال الله ورسوله أعلم فحاطب بن أبي بلتعة شفع له ماضيه لأنه كان ذا سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شهد بدرا وأحدا والخندق وغيرها من المشاهد
مع النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر وترك الأهل والأولاد في سبيل الله فهذه الغلطة مما غفر الله له وفي قول عمر رضي الله عنه إنه قد نافق يقول ابن القيم رحمه الله إن الرجل إذا نسب المسلم
إلى النفاق والكفر متأولا وغضبا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه فإنه لا يكفر وفي حاطب نزل قول الله تبارك وتعالى وكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كثروا بما جاءكم من الحق يخرجون
الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يسطفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء
وودوا لو تكفرون إن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير بيّن الله تبارك وتعالى الحق الذي يجب أن يلتزمه المسلمون في حياتهم كنوز السيرة انطلاقة
الجيش تحرك جيش النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بعد عشرة أيام منه من المدينة إلى مكة شرفها الله تبارك وتعالى وذلك في عشرة آلاف من أصحابه رضي الله عنهم وكان من بني سليم ألف ومن
مزينة ألف ومن غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة وطوائف كثيرة من قيس وأسد وتميم وغيرهم والمهاجرون والأنسان ومن الأوس والخزرج فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم الجحفة لقيه عمه العباس
بن عبد المطلب وكان قد خرج مسلما مهاجرا إلى الله ورسوله فسار مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ الأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبي
أمية أخو هند بنت أبي أمية أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وعبد الله بن أبي أمية هو الذي كان مع أبي جهل حين منع أبا طالب أن يقول كلمة الإسلام قائلين أتترك ملة عبد المطلب جاء
مسلمين فأعرض عنهما لما كان يلقاه منهما من شدة وأذى في شعره فقالت له أم سلمة يا رسول الله لا يكون ابن عمك وابن عمتك أشق الناس بك وذهب أبو سفيان بن الحارث إلى علي بن أبي طالب وقال له
يا علي إني قد جئت مسلما مهاجرا إلى الله ورسوله فما بال رسول الله يفعل بي هكذا فقال علي أما علمت ما فعلت برسول الله تهجوه وتؤذيه فقال فما أصنع هنا تنبه علي رضي الله عنه إلى قضية
مهمة وهذا يدل على ذكائه واستحضاره فقال له ايت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين أي كما قال إخوة يوسف ليوسف فجاء أبو سفيان
إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبله في وجهه فقال تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أخوه يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم
وهو أرحم الراحمين فقال أبو سفيان لعمرك إني حين أحمل راية لتغلب خيل الله خيل محمدي لك المدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدا فأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طردته
كل مطردي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال أنت طردتني كل مطرد وكان حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم قد رد على أبي سفيان حين هجى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لحسان إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله وهذه قصيدة حسان التي رد فيها على أبي سفيان حين هجى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدمنا
خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء ينازعنا الأعنة مصعدات على أكتافها الأسل الضماء تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء فإما تعرضوا عننا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا وروح القدس وقال الله قد أرسلت عبدا يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه وقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله
قد سيرت جندا هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوانين وقال الله في منهجانا ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح
الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا وعبد الدار سادتها الإماء هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء فشرك ما لخفاء أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء هذا شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ينافح عنه فكان الرسول صلى الله عليه
وسلم يقول والذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل كنوز السيرة ليس من البر الصيام في السفر دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة صائما حتى بلغ مكانا يقال له الكديس فأفطر وأفطر
الناس معه قال ابن عباس صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر وهكذا هي السنة أن الإنسان إذا سافر فهو مخير بين الصيام وبين الفطر وإن كان هناك مشقة
فالصيام محرم ولا يجوز ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قد اجتمع عليه الناس وقد ظلل عليه قال ما له قالوا رجل صائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس من البر أن تصوموا في
السفر كنوز السيرة إسلام أبي سفيان صخر بن حرب قال العباس والله إني لأسير على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمعت كلام أبي سفيان وابو ديل بن ورقاء وكانا خرجا من مكة يتحسسان
فلقد توقعا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعلما متى فقال أبو سفيان ما رأيتك الليلة نيرانا قط ولا عسكرا فقال أبو ديل هذه والله خزاعة خمشتها الحرب فقال أبو سفيان خزاعة أقل
وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها فعرفت الصوت فقلت أبا حنظلة فقال أبو سفيان أبو الفضل قلت نعم قال ما لك قال العباس فداك أبي وأمي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وصباح
قريش والله فقال أبو سفيان فما الحيلة فداك أبي وأمي قال العباس والله لئن ظفر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربن عنقك فإن سأل سائل لماذا لم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقه
في المدينة عندما قدم إليه الجواب لأنه كان رسولا والرسل لا تقتل قال فاركب معي حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك فركب أبو سفيان ورجع صاحبه بديل بن ورقا قال العباس
فجئت به فكلما مررت على نار من نيران المسلمين قالوا من هذا فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته حتى مررت بنار عمر
فقال من هذا وقام إلي فلما رأى أبا سفيان معي قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب العباس البغلة قال
وسبقت عمر فاقتحمت عن البغل فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال عمر يا رسول الله هذا أبو سفيان دعني أضرب عنقه فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي ما قلت مثله فقال عمر مهلا يا عباس فوالله
لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب به يا
عباس أي خذ أبا سفيان فإذا أصبحت فأتني به
فذهب به فلما أصبح غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأني لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال أبو سفيان بأبي أنت
وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا أبا سفيان ألم يأني لك أن تعلم أني رسول الله قال بأبي أنت
وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه فإن في النفس منها شيئا فقال العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله قبل أن تضرب عنقك فأسلم أبو سفيان وشهد شهادة الحق قال العباس يا رسول الله
إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن كنوز السيرة دخول
مكة في صباح السابع عشر من رمضان تحرك النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان في مضيق الوادي حتى يرى الجيش وهو يمر ففعل فمرت القبائل فكل قبيلة معها رايتها
فكلما مرت به قبيلة فيقول يا عباس من هذه فيقول سليم فيقول أبو سفيان ما لي ولي سليم ثم تمر به القبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء فيقول مزينة فيقول ما لي ولي مزينة حتى نفذت القبائل فما
تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها فإذا أخبره قال ما لي ولي بني فلان ما لنا طاقة أن نقاتل كل هؤلاء حتى مر به الرسول صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا
يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار قال أبو سفيان ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ثم قال والله يا أبا
الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما قال العباس يا أبا سفيان إنها النبوة قال فنعم إذن إنها النبوة وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنه فمر سعد بأبي سفيان فقال له
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أما تسمع ما قال سعد قال
وما قال قال قال كذا وكذا فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف قال رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة اليوم يوم أعز
الله فيه قريشا ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس وقيل إن اللواء لم يخرج عن سعد وقيل دفع إلى الزبير فدخل أبو سفيان وقال لقريش قد جاءكم ما لا قبل لكم به فمن دخل دار
أبي سفيان فهو آمن قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد وقد قيد الرعب حركاتها واختفى الرجال
وراء الأبواب الموصدة يرتقبون مصيرهم وهم واجمون وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كنوز السيرة يوم الخندمة وخرجت مجموعة تريد الدفاع منهم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمر
وحماس بن قيس ومعهم آخرون واجتمعوا في مكان يقال له الخندمة وحماس بن قيس كان يجهز سلاحا له فقالت له امرأته لماذا تعد هذا السلاح قال لمحمد وأصحابه قالت والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء
قال إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم يقبل اليوم فما لي علة هذا سلاح كامل وألة وذو غرارين سريع السلة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى
ومعه أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينه وقبائل من قبائل العرب فأمره أن يدخل مكة من أسفلها وكانت معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شعار المسلمين على ثلاث أما المهاجرون فكان
شعارهم يا بني عبد الرحمن وأما الأوس فكان شعارهم يا بني عبيد الله وأما الخزرج فكان شعارهم يا بني عبد الرحمن فكان شعارهم يا بني عبد الله دخل الجيش وما واجهوا أي صعوبة للدخول إلى مكة
أما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه وممن قتل مع خالد كرز بن جابر وخنيس بن خالد كان شذا عن الجيش ولقي خالد أهل الخندمة عكرمة وصفوان وسهيل وحماس وغيرهم فناوشوهم
شيئا من القتال فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلا وانهزم البقية كمن هزم حماس بن قيس فدخل على امرأته وقال أغلق الباب فقالت أينما كنت تقول إن يقبل اليوم فما لي علة هذا سلاح كامل وألة
وذو غرارين سريع السلة وشهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة واستقبلتنا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا فلا يسمع إلا غمغمة لهم نهيت خلفنا وهمهمة لم تنطقي باللوم أدنى
كلمة فأقبل خالد حتى وصل الصفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الزبير وقدم حتى نصب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المسجد كنوز السيرة دخوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد
الحرام ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله ودخل المسجد الحرام وأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه وقف بالبيت وفي يده قوس وحول البيت وعليه
ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بالقوس ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد هذه كانت قبل قليل آلهة مقدسة تعبد وتدعى ويستغاث بها أما الآن
كما قال نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم لقومه قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون فدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت الله الحرام ثم دخل الكعبة وصلى هناك وكبر في
نواحي البيت ووحد الله سبحانه وتعالى ورأى داخل الكعبة صورا لإبراهيم وإسمه وقال لهم الله والله ما استقسما بهما قط ثم أمر بالصور فمحيت ولم يصل في البيت حتى محيت فلما محيت صلى داخل
البيت ركعتين وفي هذا دليل على كراهية الصلاة في المكان الذي فيه صور ثم جلس في المسجد صلى الله عليه وسلم وقام إليه علي بن أبي طالب ومعه مفتاح الكعبة فقال له يا رسول الله اجمع لنا
الحجابة مع السقاية صلى الله عليك وكانت المفاتيح قبل ذلك عند عثمان بن طلحة من بني شيبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة فدعي له فقال له هاك مفتاحك يا عثمان
ثم أعطاه المفتاح وقال له خذها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم واستمرت مفاتيح الكعبة مع بني شيبة يقول ابن حزم رحمه الله فهي اليوم في ولده وكلام ابن حزم كان سنة ست وخمسين
وأربعمائة من الهجرة واليوم في يومنا هذا سنة ست وعشرين وأربعمائة من الهجرة والمفتاح ما زال مع بني شيبة وجاء في الهامش واليوم نحن في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة وقيل إن
أهل مكة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم فقالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قالوا أهل مكة فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب
عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء ولكنه ضعيف لا يصح سندا ولكن ثبت أنه عفى عنهم صلى الله عليه وسلم ثم لما جاء وقت الصلاة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد فيؤذن على الكعبة
وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن حرب والحارث بن هشام جلوس في فناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا أي إن والدي مات ولم يسمع الأذان فيسمع منه ما يغيظه فقال الحارث أما
والله لو أعلم أنه حق لاتبعته فقال أبو سفيان أما والله ما أقول شيئا فأخبرت عني هذه الحصباء فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم فالنبي صلى الله
عليه وسلم لا يعلم الغيب ولكنه الوحي من الله تبارك وتعالى فقال الحارث وعتاب نشهد إنك لرسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك وخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار
أم هانئ أخت علي بن أبي طالب فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها فقال بعضهم هي سنة الفتح فاتخذها بعض القادة إذا فتحوا بلادا سنة وقال بعضهم هي صلاة الضحى قالت أم هانئ لرسول الله زعم ابن
أمي علي أنه قاتل رجلا أجرته فلان ابن هبيرة فقال رسول الله قد أجرنا من أجرتي يا أم هانئ وفي رواية قالت كنت أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم
المسجد جاء أبو بكر بأبيه يقوده وكان أعمى فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال فقال هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه فأجلسه ثم مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على صدره فقال
أسلم تسلم فأسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غيروا الشيب ولا تقربوه السواد وهذه العائلة عائلة أبي بكر أسلم الجد وهو أبو قحافة والد أبي بكر فيكون صحابيا وأبو بكر صحابي وعبد
الرحمن بن أبي بكر صحابي ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر أيضا صحابي وهذه العائلة الوحيدة التي فيها أربعة أجيال كلهم صحابة ويصدق هذا على أربعة آخرين وهم عبد الله بن الزبير صحابي أمه
أسماء صحابية جده أبو بكر صحابي وجد أمه وهو والد أبي بكر الصديق صحابي كذلك كنوز السيرة إهدار دم بعض المجرمين دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة وأهدر دماء تسعة نفر كانوا من أكثر
المجرمين إجراما وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم عبد العز بن خطل عبد الله بن أبي سرح عكرمة بن أبي جهل الحارث بن نفيل بن وهب مقياس بن صبابة هبار بن الأسود قينتان كانتا
تغنيان وتهجيان النبي صلى الله عليه وسلم وسارة وهي مولات لبعض بني عبد المطلب أرسله حاطب بن أبي بلتعة أما بن أبي سرح فجاء إلى عثمان واستجار به فذهب به عثمان إلى النبي صلى الله عليه
وسلم وشفع له فشفعه به النبي صلى الله عليه وسلم وأما عبد العز بن خطل فوجد متعلقا بأستار الكعبة فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقتله وأما مقياس بن صبابة فكذلك قتل قتله
نميلة بن عبد الله ومقياس كان قد أسلم ثم ارتد بعد ذلك وقتل رجلا من الأنصار ولحق بالمشركين وأما الحارث بن نفيل بن وهب فكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقتله علي بن
أبي طالب وأما هبار بن الأسود وهو الذي كان قد آذى زينة بن نبى بنة النبي صلى الله عليه وسلم فر مع عكرمة ثم أسلم وأما القينتان فقتلت إحداهما والأخرى استؤمنت ثم أسلمت وأما سارة قيل
أسلمت وقيل قتلت كنوز السيرة إسلام عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه فر عكرمة إلى اليمن فأصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا سبحان الله في وقت السعة
يدعون الآلهة وفي وقت الشدائد لا يدعون إلا الله قال تعالى تدعونه تضرعا وخفية لإن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين أما في وقتنا هذا فإن المشركين ممن ينتسبون إلى الإسلام إذا اشتدت بهم
الأمور أشركوا بالله وسألوا غيره سبحانه وتعالى فلا شك أن المشركين في ذلك الزمان أحسن حالا منهم اليوم ولذلك قال بعض أهل العلم مشرك الزمان الأول أهون من مشرك زماننا فهنا عكرمة تنبه
لكلمة أصحاب السفينة وقال لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فما ينجيني في البر غيره اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أني آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا
كريما فنجاه الله فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فقبل منه صلى الله عليه وسلم إسلامه كنوز السيرة إسلام صفوان بن أمية رضي الله عنه صفوان بن أمية لم يكن ممن أهدر الرسول صلى
الله عليه وسلم دمه وكان زعيما كبيرا من زعماء قريش ففر واستأمن له عمير بن وهبن الجمحي فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة فلحقه عمير وهو يريد أن يركب
البحر من جدة إلى اليمن فرده فقال صفوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلني بالخيار شهرين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت بالخيار أربعة أشهر ثم جاء بعد ذلك فأسلم وكانت
امرأته قد أسلمت قبله فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على نكاحهم السابق كنوز السيرة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وفي اليوم الثاني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا
فقال أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لمرئ يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص
لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما حلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب وقال صلى الله عليه
وسلم عن الحرم لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط ساقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه فقال العباس إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر فقام
رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال اكتب لي يا رسول الله فقال اكتبوا لأبي شاه وفي دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة لفتحها لأنه لم يدخل محرما فمن أراد دخول مكة لحج أو عمره فلا
يجوز له الدخول إلا محرما أما من أراد دخولها من غير حج أو عمره فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه يجوز أن يدخلها بدون إحرام كسائق الأجرة أو من أراد تجارة أو زيارة مريض وذهب آخرون إلى
أنه لا بد أن يحرم وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين ويفطر كنوز السيرة تحريم نكاح المتعة وفي هذه الغزوة حرم الرسول صلى الله عليه وسلم متعة النساء ومن
زعم أن عمر رضي الله عنه هو الذي حرم نكاح المتعة فهو إما أن يكون كاذبا وإما أن يكون جاهلا وذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم نكاح المتعة عن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وعن سبرة بن معبد رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا وعن سلمة بن
الأكوع رضي الله عنه قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أولياء في المتعة ثلاثة ثم نهى عنها وأحاديث أخرى عن زواج المتعة ليس هذا مجال ذكرها كنوز السيرة هدم الأصنام فهذه أصنام
الجاهلية أما خالد بن الوليد فخرج إلى العزة وكانت بنخله وكانت لقريش وجميع كنانه قال أبو سفيان في غزوة أحد بعد أن انتهت المعركة لنا العزة ولا عزة لكم فالعزة هي صنم قريش وهي أعظم
أصنامهم وكان بنو شيبان سدنتها فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسا حتى انتهى إليها فهدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت شيئا قال لا
قال فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها فرجع خالد وقد جرد سيفه فخرجت إليه امرأة سوداء وهذه جنية كانت مع العزة فجعل السادن المسؤول عن الصنم يصيح بها فضربها خالد فجزلها اثنتين ثم رجع
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال تلك العزة قد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا أما عمر بن العاص فقد أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بهدم سواع وهو صنم له ذيل على ثلاثة أميال
من مكة فلما جاءه عمر قابله السادن وقال له ماذا تريد قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه قال لا تقدر على ذلك قال لما قال تمنع قال حتى الآن أنت على الباطل ويحك فهل يسمع
أو يبصر
ثم دنى عمر إليه فكسر وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئا ثم قال عمر للسادن كيف رأيت منعت قال أسلمت لله وخرج سعد بن زيد الأشهلي إلى مناه وكانت للأوس والخزرج فلما انتهى
إليها سعد قال له سدنتها ما تريد هدم مناه قالوا أنت وذاك فأقبل فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فقال لها السادن مناه دونك بعض عصاتك أن يطلب منها أن
تفعل شيئا لمن عصاها فضربها سعد فقتلها وأقبل إلى الصنم فهدمه وكانت السدنة تقول للعزة ومنات وغيرها دافعي وادفعي ولكنها لا تستطيع عمل شيء كما قيل يا عز شدي شدة لا سواكها على خالد ألقي
الخمار وشمري فإنك إلا تقتل المرأة خالدا تبوئي بذنب عاجل وتقصري إنها أصنام لا تغني شيئا قال تعالى هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون وهكذا فتح الله تبارك وتعالى مكة لنبيه صلى
الله عليه وسلم وعاد إليها بعد أن أخرجه قومه منها وكان فتح مكة فتحا من جميع الوجوه هو فتح عسكري وفتح اجتماعي وفتح ديني وفتح من جميع الوجوه قال الله تبارك وتعالى بعده دخل العرب
أفواجا في دين الله تبارك وتعالى وكانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره والعرب في ذلك تبع لقريش وهو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش في الخير والشر ولذلك صار من
القواعد المؤصلة والثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمامة في قريش لكونهم قادة يقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش كنوز السيرة غزوة حنين سنة ثمان للهجرة في السنة
الثامنة كانت غزوة حنين وتسمى أوطاس وتسمى هوازن لأن الغالبية ممن قاتل النبي صلى الله عليه وسلم هم من هوازن وهذه الغزوة كانت بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم أن بطون هوازن وثقيف
اجتمعت إليهم نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال اجتمعوا كلهم على رجل يقال له مالك بن عوف النصري وقررت هذه القبائل أن تقاتل النبي صلى الله عليه وسلم سمع النبي صلى الله عليه وسلم
بخروجهم وكان قد أرسل رجلا فقال إن انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيها بضعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم
وقال تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله أمر مالك بن عوف النصري الناس أن يسوقوا معهم أموالهم وأن يخرجوا معهم أبناءهم ونساءهم وقال رجل منهم وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه فلا يفر
عنها ولما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وكان معهم رجل معروف بالحرب في زمنه ولكنه قد شاخ ويبقى له الرأي يقال له دريد بن الصمة وكان شجاعا مجربا فقال دريد للناس بأي واد أنتم قالوا أو
يبقى له الرأي قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس أي ليس هو بالوعر ولا بالناعم الذي لا تستطيع أن تجري فيه الخيل ثم قال ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصبي وثغاء
الشاه قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم لماذا فعلت ذلك فقال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم فقال له دريد إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه
ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك فقال له مالك والله ما أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيع عني هواءك أو لأتك أن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري وكره مالك أن يكون لدريد رأي
في هذه الحرب فقالوا لمالك أطعناك فقال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتني ثم قال يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع أقود وضفاء الدمع كأنها شات صدع ولم يتمنى أن لو كان شابا قويا جلدا حتى
يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم نقلت الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع بخروج هؤلاء لقتاله فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم
حتى يعلم علمهم فخرج الرجل وأتاه بالخبر وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن صفوان بن أمية عنده أدراع وسلاح فأرسل إليه فلما جاءه قال له يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى به عدونا غدا
فقال صفوان أغصبا يا محمد قال لا بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك فأعطاه إياها كنوز السيرة حكم الاستعانة بالكفار ذكر أهل العلم قولين بخصوص ذلك الأول أنه يجوز الاستعانة بالمشركين
الثاني لا يجوز وهو الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في إحدى غزواته فجاءه رجل وقال أجاهد معك قال تؤمن بالله ورسوله قال الرجل لا قال النبي صلى الله عليه وسلم فارجع فلن
أستعين بمشرك وقد فصلنا القول في هذه المسألة في كلامنا على غزوة أحد وقلنا يجوز عند الحاجة فقط وإلا فعند عدم الحاجة لا يجوز أن يستعين المسلم بالمشركين وهذا الذي يدل عليه فعل النبي
صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين خرج النبي صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الثامنة من الهجرة من مكة في 12 ألفا من المسلمين وكتا عتاب بن
أسيد والذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من أصحابه وألفان من أهل مكة كنوز السيرة وقفة تربوية وفي طريقهم إلى حنين وقعت حادثة مهمة لا بد من التنبيه عليها ألا وهي أن
الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حدثاء عهد بجاهلية وفي الطريق مروا على سدرة عظيمة يقال لها ذات أنواط وكانت العرب تعلق عليها أسلحتها تبركا لينتصروا فلما وصل الجيش إلى
السدرة قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر هذا الحديث العظيم يبين لنا قضية مهمة ألا وهي إنه لا بد من تطهير الصف مما قد
يؤثر فيه مستقبلا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إننا الآن ذاهبون إلى قتال لا بأس نعطيكم ذات أنواط بعد ذلك أو سكت على مضب ولم يرد عليهم إلى أن تنتهي المعركة أبدا بل وقف صلى الله
عليه وسلم وقفة القائد الناصح أوقف الجيش وقال لهم ما ذكرنا سابقا فلا يجوز أن يقال المهم أنه مسلم في ظاهره بغض النظر عن معتقده أو فكره فهذا كلام باطل بل لا بد من تصفية الصفوف
وتنقيتها وتركيز الإيمان والاعتقاد الصحيح في قلوب الناس ثم بعد ذلك يكون القتال ومن ثم يأتي النصر من عند الله تبارك وتعالى كنوز السيرة المفاجأة وقال لهم ما ذكرنا سابقا فالسلام الكبير
للمسلمين قال لن نغلب اليوم من قلة وما لكم نعوف سبق المسلمين إلى حنين فأدخل جيشه بالليل في الوادي وفرق كمناءه وهم جماعة من الجيش مختبئة بالطرق والمداخل وأصدر إليهم أمره بأن يرشق
المسلمين بالسهام أول ما يطلعون عليهم ثم يشدوا شدة رجل واحد وفي دخول المسلمين كان المسلمون قد دخلوا وادي حنين وشرعوا ينحدرون فيه وهم لا يشعرون بوجود الكمناء فبينما هم ينحطون وإذا
النبال تمطر عليهم السهام في كل مكان ثم جاءت خيل العدو وشدت على المسلمين شدة رجل واحد يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفي الوادي من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا
وفي الصبح كان القوم قد سبقونا وكمنوا في شعابه ومضايقه بعد ذلك انتشرت موجة من الفزع بين المسلمين فتبعثرت الصفوف واستغل رجال مالك هذا الارتباك فهجمت كتائبهم وحملت الخيل على من أمامها
وعزومين لا يلوي أحد على أحد وركبت الإبل بعضها على بعض لا يدرون ماذا يفعلون وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض المهاجرين والأنصار قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كنت مع النبي
صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار قال ابن عمر لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لم ولينا وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة رجل
كنوز السيرة المحاولة الثانية لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قال أسير مع قريش إلى هوازن بحنين
فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة وأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا وكنت مرصدا لما خرجت لا يزداد الأمر
في نفسي إلا قوة فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته فأصلت السيف فدنوت منه أريد ما أريد ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه أي كدت أن أقتله فرفع لي شواظ من نار
كالبرق كاد يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه وقال إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ناداني وقال يا شيبة أدن مني فدنوت منه فمسح صدري ثم قال اللهم أعذه من الشيطان فقال شيبة
فوالله لهو كان ساعة إذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي وأذهب الله ما كان في نفسي ثم قال لي أدن وقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفي والله يعلم إني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء ولو لقيت أبي تلك
الساعة لو كان حيا لأوقعت به السيف فجعلت ألزمه في من لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد فقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فثوى عليها حتى تفرقوا من كل جهة ورجع إلى
معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه وما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به فقال يا شيبة الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قط
قال فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم قلت استغفر لي فقال غفر الله لك ولا أجد تعليقا على هذه الحادثة إلا أن أقول أعد قراءتها ثانية وثالثة ورابعة وخامسة كنوز السيرة
لماذا وقع العجب في قلوب بعض المسلمين أولا أحس جمهور المسلمين أن الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة فوقع في قلوب بعضهم عجب ثانيا اعتمد كثير منهم على كثرة الجيش دون النظر إلى أن النصر من
الله ثالثا رأوا وهم قلة ينتصرون فكيف وهم بهذا العدد كنوز السيرة بعد أن باغت المشركون بقيادة مالك بن عوفن المسلمين وجاءتهم السهام من كل مكان وصارت الإبل يركب بعضها بعضا والخيل تنفر
انهزم بعض المسلمين ولا يدرون أين يذهبون وبقي النبي صلى الله عليه وسلم لم يفر ومن معه ولن يفر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل العجب المسلمون يفرون والمشركون يهاجمون وهو يهجم على
المشركين صلى الله عليه وسلم ويقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وأبو سفيان ابن الحارث ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم كان آخذا بلجام بغلته والعباس بركابه يمنعون بغلة النبي
صلى الله عليه وسلم أن تتقدم النبي يكرر ويقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فهذه الشجاعة لا يمكن أن تكون لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال البراء بن عازب رضي الله عنه
كنا والله إذا حمر البأس نتقي به وإن الشجاعة منا من يحاذيه قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس نادي المهاجرين والأنصار نادي أصحاب السمرة أي الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم
بيعة العقبة عند الشجرة وكانت شجرة سمر فقام العباس ينادي يا أصحاب السمرة يا للأنصار يا للخزرج وقد نادى الخزرج دون غيرهم وكانوا صبرا في الحرب فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حصيات ورمى
بها في وجوه الكفار ثم قال إن هزموا ورب محمد فما هو إلا أن رماهم فكان حدهم كليلا وأمرهم مدبرا قال العباس فوالله لك أن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها يقولون يا لبيك يا
لبيك وكان الرجل منهم يثني بعيره ليرجع معه فكان البعير إذا لم يطاوع فينزل عن البعير فيأخذ درعه ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان الذين بقوا عند النبي صلى الله عليه وسلم
مجاورين له لم يتحركوا عشرة أبو بكر وعمر وعلي والعباس والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأبو سفيان بن الحارث وأوسامة بن زيد وابن مسعود وأيمن ابن أم أيمن أخو أسامة لأمه وهذا هو
الوحيد الذي قتل من هؤلاء العشرة قال العباس نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا وعاشرنا وافى الحمام بنفسه وذكر أيضا ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم قثم بن
العباس وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث وعتبة ومعتب ابن أبي لهب فلما رجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين فروا إليه تجالد الفريقان مجالدة شديدة ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الحرب وقال هذا حين حمي الوطيس كنوز السيرة من قتل قتيلا فله سلبه قال أبو قتادة خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين
قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل عليه فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني أي إن هذا الرجل ضخم كبير عظيم شجاع جريء
فلحقت عمر وقلت ما بال الناس قال أمر الله عز وجل ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتصر من المعركة وقال من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه
فقلت من يشهد لي لا أحد فجلست فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله فقلت من يشهد لي ثم جلست فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما لك يا أبا قتادة
فأخبرته فقال رجل صدق وسلبه عندي فأرضه عني فقال أبو بكر لا هالله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ويعطيك سلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق فأعطه فقال النبي
صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم وفيها قال الله جل وعلا الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم
فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين كنوز السيرة هزيمة
ثقيف انتهت المعركة وانتصر المسلمون في نهايتها وكان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سينتصرون وهرب أكثر ثقيف وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثم
قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس فقال أبو موسى ولي فاستغفر فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وادخله يوم القيامة مدخلا كريما قال أبو بردة بن أبي موسى
إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثالثا يدل على أن السنة في الدعاء رفع اليدين رابعا جواز طلب الدعاء من الغير هذه
الطائفة الأولى طاردت المشركين إلى أوطاس والطائفة الثانية طاردت الذين سلكوا نخله فأدركت من أدركت وقتها كنوز السيرة جمع الغنائم وحصار الطائف أما الغنائم فكانت شيئا عجيبا بلغت ستة
آلاف من السبي وأربعة وعشرين ألفا من الإبل وأربعين ألفا من الغنم وأربعة آلاف أوقية فضة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها ثم حبسه ولم يقسمها حتى ذهب إلى الطائف صلى الله عليه وسلم
وكان من ضمن السبي الشيماء أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة دخل المشركون الطائفة بقيادة مالك بن عوف وتحصنوا بها ولحق بهم النبي صلى الله عليه وسلم وحاصرهم واستمر الحصار أربعين
يوما ونصب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مشهور المنجنيق على أهل الطائف ورماهم به ثم نادى مناد النبي صلى الله عليه وسلم أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر فخرج إليه ثلاثة
وعشرون عبد منهم أبو بكرة الثقفي وكان أهل الحصن استعدوا بذلك وكان عندهم ما يكفيهم سنة كما قيل فقالتها أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالناس إنا قافلون غدا إن شاء الله فثقل ذلك عليهم
فقالوا يا رسول الله نذهب ولا نفتح الحصن فكيف ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم أغدوا إلى القتال فغدوا إلى القتال فأصابهم جراح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قافلون غدا فسروا
بذلك فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يا رسول الله أدعو على ثقيف فقال اللهم اهد ثقيفا وأتي بهم كنوز السيرة إسلام عروة بن مسعود رضي الله عنه ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الطائف فاتبعه وأسلم وعروة هذا هو الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم معه قبيل صلح الحديبية والذي قال بعد أن رجع إلى أهل مكة دخلت على ملوك فارس والروم ودخلت على أصحاب
النجاشي في ملكه وغيرهم فما وجدت أحدا يعظم أحدا كما يعظم أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود
حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة فأسلم واسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتحدث قومك إنهم قاتلوك وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة
الامتناع فقال عروة يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه وذلك لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد
دعاهم إلى الإسلام وقد أظهر لهم دينه رموه إلى المدينة فقال عروة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتحدث قومه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فقيل لعروة ما ترى في دمك قال كرامة
أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله لي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوني معهم كنوز السيرة قسمة الغنائم رجع
النبي صلى الله عليه وسلم من حصار ثقيف بالطائف إلى الجعرانة ومكث فيها بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم ينتظر هوازن أن تأتي تائبة فيعطيهم أموالهم وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبا
سفيان بن حرب أربعين أموالهم وأعطى حكيم بن حزام مئة من الإبل وأعطى صفوان بن أمية مئة من الإبل ثم مئة ثم مئة وأعطى الحارث بن كلدة مئة من الإبل وأعطى آخرين على خمسين خمسين من الإبل
وكل هذا لتأليف قلوبهم فبعضهم من المسلمين الذين أسلموا بالفتح وبعضهم من الذين ما زالوا على الشرك فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم بهذه الأموال وأعطى بعضهم خمسين وبعضهم أربعين
بحسب مكانته من قومه فازدحمت عليه الأعراب يطالبون بالمال حتى اضطروه إلى الشجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس والذي نفسي بيده لو كان عندي شجر تهامة نعمة لقسمته عليكم ثم ما
ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا أيها الناس والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم وساق لنا البخاري فعل بعض الأعراب مع النبي صلى الله عليه وسلم فعن أبي
سعيد الخدري قال بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة من أديم مقروض لم تحصل من ترابها فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر والأقرع بن
حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة أو عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء فقال ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساءا فقام إليه
رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال يا رسول الله اتق الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله
ثم ول الرجل وقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لم أمر أن أنقب
عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ثم نظر إليه وهو مقف فقال إنه يخرج من ضئض أي هذا قوم يتلون كتاب الله رغبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم
قتل ثمود وقال أبو موسى الأشعري كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة ومعه بلال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال ألا تنجز لي ما وعدتني فقال له أبشر فقال الرجل
قد أكثرت علي من أبشر فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم علي وعلى بلال كهيئة الغضبان فقال رد البشر فقبل أنتما قالا قبلنا فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ثم قال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما
ونحوركما وأبشرا فأخذ القدح ففعلا فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما فأفضلا لها هكذا فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أما أولئك من المنافقين ما خالط الإيمان قلوبهم من
الغلظة والأدى الذي أوقعوه في النبي صلى الله عليه وسلم فأولئك من الخوارج الذين خرجوا على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبالون يضربون برهم وفاجرهم كنوز السيرة غنيمة الأنصار ثم
فرض النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم فقسمها فكانت سهامهم لكل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاه ولا شك أن هذه أعظم غنيمة حازها المسلمون في زمانهم فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم
الناس ما أعطاهم وترك الأنصار فلم يعطهم شيئا الأنصار وجدوا في قلوبهم فكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي هؤلاء مسلمة الفترة ونحن لا يعطينا شيئا وكثر فيهم القول حتى قال بعضهم لقي
والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ونسينا فدخل عليه سعد بن عبادة فقال يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي قسمت في قومك
وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يكن في حي الأنصار منها شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأين أنت من ذلك يا سعد قال يا رسول الله ما أنا إلا من قومي فقال النبي صلى الله عليه
وسلم فاجمع لي قومك في هذه الحضيرة وفي بعض الروايات قال فخرج سعد وجمع الأنصار فجاء رجال من المهاجرين فدخلوا وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال لقد اجتمع لك هذا الحي من
الأنصار فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وهذه عادته إذا أراد أن يتكلم يحمد الله ويثني عليه
ثم قال يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بلى الله ورسوله أمن وأفضل ثم
قال ألا تجيبونني يا معشر الأنصار قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله لله ولرسوله المن والفضل فقال صلى الله عليه وسلم أما والله لو شئتم لقلتم ولصدقتم ولصدقتم لو قلتم أتيتنا مكذبا فصدقناك
مخذولا فنصرناك طريدا فآويناك عائلا فآسيناك لو قلتم هذا لصدقتم ولصدقتم أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا
معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتم رأى من الأنصار لو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار
شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم من البكاء وقالوا رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا ثم انصرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا وهكذا طيب النبي صلى الله عليه وسلم خاطر الأنصار الذين نصروه في ساعة العسرة كنوز السيرة وفاء وصلة ورحم ممن أسر عند النبي صلى الله عليه وسلم أخته
الشيماء وهذه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزة أرضعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم حليمة السعدية وكانت مع السبي فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني أختك من الرضاعة فقال
وما علامة ذلك قالت عضة عضتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها فقال إن أحببت الإقامة فعندي محببة مكرمة وإن أحببت
أن أمتعك فترجعي إلى قومك فقالت بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل صلى الله عليه وسلم ثم أسلمت فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية ونعم وشاءا وسماها حذافة أما الشيماء
فهو لقب لها رضي الله عنها كنوز السيرة إسلام هوازن جاء وفد هوازن مسلمين وعددهم أربعة عشر رجلا وعلى رأسهم رجل يقال له زهير بن صرج فقالوا يا رسول الله من علينا بالسبي والأموال فقال إن
معي من ترون إلي أصدقه فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب أحدا فقال إذا صليت الغدا فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين
ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلينا سبينا فلما صلى الغداة صلى الله عليه وسلم قاموا وقالوا ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني عبد
المطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس فقال المهاجرون والأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقام الأقرع بن حابس فقال أما أنا وبن تميم فلا وقام عيينة بن حصن فقال أما أنا
وبن فزارة فلا وقام العباس بن مرداس فقال أما أنا وبن سليم فلا فقالت بن سليم ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال العباس وهنتموني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن
هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين وقد كنت استأنيت سبيهم وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم
وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا فقال الناس
طيبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرضى ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم أي أن يأتي رئيس من كل قبيلة أو فخب ويذكر من رضي ومن لم يرضى فردوا
عليهم نساءهم ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن فقط فذلك ردها بعد مدة ولما جاء هذا الوفد سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ما حال مالك بن عوف قالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال النبي صلى
الله عليه وسلم أخبروه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيه مئة من الإبل فلما بلغ ذلك الكلام مالكا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه فرد النبي صلى الله
عليه وسلم عليه ماله وأهله وأعطاه مئة من الإبل عند ذلك قال مالك بن عوف هذا ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم بمثل محمدي أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي وإذا الكتيبة عردت أنيابها
بالسمهري وضرب كل مهندي فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة خادر في مرصدي نعم لقد رأى هذا بعينه الناس فروا والجيش مقبل والنبي صلى الله عليه وسلم مقبل لوحده يواجه الجيش أي شجاعة هذه
إنها شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لم تكن مثلها شجاعة أبدا كنوز السيرة الدروس المستفادة من غزوة حنين أولا إن الله تبارك وتعالى من حكمته أنه أذاق المسلمين مرارة الهزيمة مع
كثرتهم وقوتهم ثانيا إن الله يبين لمن قال لن نغلب اليوم من قلة أن النصر إنما هو من عند الله تبارك وتعالى لا ناصر غيره جل وعلا ثالثا لما منع الله تبارك وتعالى المسلمين غنائم مكة
عوضهم غنائم حنين فكانت أعظم غنائم حصلوا عليها رابعا تأليف النبي صلى الله عليه وسلم لقلوب الكفار وحديث العهد بالإسلام وذلك من باب جلب أعظم المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين فإذا أعطى
الرسول صلى الله عليه وسلم السيد تبعه قومه فهذه مصلحة عظيمة دون المصلحة الأخرى التي فيها المساواة بين الناس في العطاء ودفع مفسدة عظيمة إذا كفر هذا كفر قومه فلذلك إذا أسلم السادة
أسلم قومهم فسعد بن معاذ رضي الله عنه لما أسلم أسلم قومه وكذلك سعد بن عبادة رضي الله عنه كنوز السيرة هدم صنم طيء عام تسع للهجرة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى صنم
الهجرة يقال له القلس ليهدمه وبعثه في مئة وخمسين على مئة بعير وخمسين فرسا ومعه راية سوداء ولواء أبيض فشن الغارة على محلة حاتم مع الفجر فهدم الصنم القلس ورجعوا ومعهم أخت عدي بن حاتم
الطائي وهرب عدي بن حاتم إلى الشام وجاءت أخته للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله غاب الوافد وانقطع الوالد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك فقال من وافدك
قالت عدي بن حاتم وفي رواية أنه قال الذي فر من الله ورسوله ثم مضى صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد قالت مثل ذلك فقال لها كما قال لها في الأولى فلما كان بعد غد قالت مثل ذلك فمن عليها
النبي صلى الله عليه وسلم فلما رجعت إلى أخيها بالشام لقيته فقالت لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها ائته راغبا أو راهبا فجاءه عدي بن حاتم إسلام عدي بن حاتم رضي الله عنه فلما قدمت قال
الناس عدي بن حاتم عدي بن حاتم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا عدي بن حاتم أسلم تسلم أسلم تسلم قال قلت إني على دين قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلم منك بدينك
منك فقلت أنت أعلم بديني مني قال نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك قلت بلى قال فإن هذا لا يحل لك في دينك قال فلم يعد أن قلت فقال لها فتواضعت لها فقال أما إني أعلم أن الذي
يمنعك من الإسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب أتعرف الحيرة قلت لم أرها وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمنى الله هذا الأمر حتى تخرج الضعينة من
الحيرة قال تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسر بن هرمز قال قلت كسر بن هرمز قال نعم كسر بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد قال عدي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
بمدة فهذه الضعينة تخرج من الحيرة تطوف في البيت من غير جوار فتح كنوز كسر بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها فقال عدي فإني حنيف مسلم
فانبسط وجه النبي صلى الله عليه وسلم فرحا وأمر له برجل من الأنصار أي ليضيفه فصار يأتي النبي صلى الله عليه وسلم طرفي النهار اعتنق الإسلام واتبع النبي صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة
غزوة تبوك سنة تسع للهجرة بلغت الأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة أن الروم تستعد لقتاله وأنهم وصلوا إلى مكان يقال له البلقاء فقرر صلى الله عليه وسلم القيام بغزوة فاصلة
يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم ولا يمهلهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة أن يتجهزوا للقتال وكان قل ما يريد غزوة إلا ورى بغيرها وفي هذه
الغزوة ما ورى صلى الله عليه وسلم لخطورة الموقف فأعلن أنه يريد غزو الروم فلما سمع المسلمون كلام النبي صلى الله عليه وسلم تسابقوا إلى امتثال أمره وتجهزوا للقتال وأخذت القبائل تدخل
إلى المدينة من كل صوب وناحية وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالاستعداد فقام رجل اسمه الجد بن قيس وهو من المنافقين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا جد هل لك في جلاد بني
الأصفر قال يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا من النساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم
وقال له قد أذنت لك فأنزل الله تبارك وتعالى ومنهم من يقول اذني ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين وقال قوم من المنافقين لبعضهم لا تنفروا في الحر فأنزل الله
تبارك وتعالى وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالتجهز وأمر بالنفقة فجاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار
في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في يده ويقول ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم أخرجه
الترمذي بإسناد حسن وقال عبد الرحمن بن خباب بن الأرت شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحث على تجهيز جيش العسرة فقال يا رسول الله علي مئة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم
حض النبي صلى الله عليه وسلم على تجهيز الجيش فقال عثمان يا رسول الله علي مئة بعير بأحلاسها وأقتابها فحض النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فقام عثمان فقال علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها
وأقتابها في سبيل الله يقول عبد الرحمن فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عن المنبر وهو يقول ما على عثمان ما عمل بعد هذه بعكس الجد بن قيس المنافق كان علبة بن زيد يصلي من
الليل ويبكي ويقول ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك صلى الله عليه وسلم ولم تجعل في يدي رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد
أو عرض وهذا الرجل من الفقراء الذين خرجوا للرسول صلى الله عليه وسلم يريدون القتال معه فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لا أجد ما أحملكم عليه فرجعوا أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا
يجدوا ما ينفقون ثم أصبح هذا الرجل مع الناس فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالناس فقال أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم إليه أحد أين المتصدق فليقم فقام إليه علبة بن زيد فأخبره بما حدث
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة قال الله تعالى وفي هذه الفترة استخلف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل سباع بن عرفطة وأمر النبي صلى
الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يبقى مع أهله أي مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وابنته فاطمة وأولاده الحسن والحسين ومن ترك من أهل بيته يرعاهم فتكلم بعض المنافقين في علي بن أبي
طالب رضي الله عنه وقالوا فأخذ علي رضي الله عنه سلاحه ثم خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف ينتظر من تأخر عن الجيش فقال يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني
لأنك استثقلتني فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخذني أهلي وأهلك أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وأخرجه البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه
أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أتخلفني في الصبيان والنساء فقال ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه لا نبي بعدي وهذه منزلة عظيمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه كنوز السيرة كن أبا خيثمة رجع أبو خيثمة إلى أهله في يوم حار بعد أن سار الرسول صلى الله عليه وسلم أياما فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط وهيأت له فيه طعاما فلما
دخل إلى عريشه ليجلس قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتاه له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله
مقيم ما هذا بالنصف والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا لي زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحل وخرج خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه في
تبوك ولقي في الطريق عمير بن وهبن الجمحي فقال أبو خيثمة إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلص فلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنى أبو خيثمة من النبي صلى الله عليه
وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة قالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ بعيرة مقبل فسلم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم أولى لك يا أبا خيثمة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير كنوز السيرة فضيلة
لأبي ذر رضي الله عنه وكان من المتأخرين عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو ذر الغفاري وذلك أن أبا ذر تلوم عليه بعيره فلما أبطأ أخذ متاعه على ظهره ثم خرج يمشي على رجليه يتبع أثر رسول
الله صلى الله عليه وسلم ماشيا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل في بعض المنازل فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق لوحده فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم كن أبا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده وهذا الحديث حسنه الحافظ وإن كان
في إسناده كلام ولكن في الواقع وقع جزء من هذه المسألة وهي من ثلاثة أجزاء الأول يمشي وحده وهذه الحادثة تبين لنا أنه مشى وحده رضي الله عنه الثاني يموت وحده وهذه أيضا وقعت لما خرج أبو
ذر إلى الربذة لم يكن أحد معه إلا امرأته وقعه وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط له من أهل العراق معتمرين مرورا بالمدينة فلم يرعهم إلا بالجنازة وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه فبكى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تمشي وحده وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروا
قالت زوجته لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال لي ما يبكيك قلت ما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا ولا يدان لي في تغييبك قال أبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم ليموتن الرجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المسلمين وليس أحد من أولئك النفر إلا مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل فوالله ما كذبت وما
كذبت فأبصر الطريق قال أبو ذر أنا وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق فقال اذهبي فتبصري قالت فكنت أستند إلى الكثيب أتبصر ثم أرجع فأمرضه فبينما أنا على ذلك إذ أنا برجال على رحالهم تخض بهم
رواحلهم فأشرت إليهم فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا يا أمة الله ما لك قالت امرء من المسلمين يموت تكفنونه قالوا ومن هو قالت أبو ذر قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت نعم
ففدوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر وأنا فيهم وليس من أولئك النثر رجل إلا وقد هلك في جماعة والله ما
كذبت وما كذبت إنه لو كان عندي ثوب يسعني كثنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها فإني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا وليس
من أولئك النثر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال أنا يا عم أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين من عيبتي من غزل أمي قال أنت فكفني فكفنه الأنصاري وقاموا عليه بعد أن مات
ودفنوه في نثر كلهم منه كنوز السيرة ديار ثمود لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك مر في الطريق على ديار ثمود وهي الحجر فقال لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة وما
كان من عجين عجنتموه فعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن منه وليس أحد منكم إلا ومعه صاحب له هذه الديار ديار معذبين فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن لا يدخلوا ديار
المعذبين إلا باكين أو متباكين وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقوا ما طبخوا وأن يأخذوا العجين ويعلفوه للإبل دليل على تحريم شرب الماء من ديار المعذبين وكثيرا من جهلة الناس
يذهبون إلى ديار ثمود يمرحون ويضحكون وهذا مما لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر استحث راحلته وقال لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا
باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم كنوز السيرة آيتان نبويتان ورسول الله تبارك وتعالى سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء الثانية ضلت ناقة النبي صلى الله
عليه وسلم فقال زيد بن الصيد وكان منافقا أليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلا يقول كذا ويقول كذا
ثم قال وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله أين الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب أين الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أحوالهم وما يحدث لهم إن هذا
والله من الباطل قال صلى الله عليه وسلم وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فانطلقوا وأتوه بها صلى الله عليه وسلم ولهذا
لا يجوز إذا سئل إنسان أن يقول الله ورسوله أعلم إلا في الأمور الشرعية أما في أمور الدنيا فيقول الله وحده أعلم كنوز السيرة وقلت لي كنت صاحب الحفرة في الطريق إلى هذه الغزوة مات عبد
الله ذو البجادين فعن عبد الله بن مسعود قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول أدنيا إلي
أخاكما فدلياه إليه فلما هيأه لشقه قال اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه يقول عبد الله بن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة وقال صلى الله عليه وسلم إن في المدينة لأقواما ما سرتم
مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال حبسهم العذر وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثنا عن ساعة العسرة وقال لعمر خرجنا
إلى تبوك في قيض شديد فنزلنا منزلا فأصابنا به عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا
رسول الله إن الله عودك في الدعاء خيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحب ذلك قال نعم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء فلم يرجعهما فقالت السماء فأطلت ثم سكبت
فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازة العسكر كنوز السيرة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وعسكر هناك وكان مستعدا للقاء العدو أما الرومان وحلفاؤهم الذين كانوا قد خرجوا
لقتال النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخذهم الرعب لما سمعوا بزحف النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فلم يجترئوا على التقدم واللقاء وقال النبي صلى الله عليه وسلم فهذا هو الرعب وتفرقوا في
البلاد فلم يكن هناك قتال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الروم وهكذا كانت غزوة تبوك غنيمة باردة بدون قتال كنوز السيرة أكيد ردومة رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وكان قد بعث
خالده وقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى أكيد ردومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كنده كان نصرانيا وكان ملكا على دومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد إنك ستجده يصيد البقر
فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صافية وهو على سطح له ومعه امرأته فقالت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن
يترك هذه قال لا أحد فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ لهم يقال له حسان فركبوا وخرجوا معه لمطاردتها فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت
فبعث به خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن الرسول صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع أوكيدر سالما إلى أهله كنوز السيرة محاولة ثالثة لاغتيال النبي
صلى الله عليه وسلم رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك مظفرا منصورا وكفاه الله جل وعلا القتال ولكن وقعت حادثة تحتاج إلى تأمل ووقفة ألا وهي أن بعض المنافقين الذين خرجوا مع النبي
صلى الله عليه وسلم حاولوا قتله إذ تآمروا أن يطرح النبي صلى الله عليه وسلم من رأس عقبة في الطريق فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فلما غشيهم الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر
خبرهم فقال صلى الله عليه وسلم من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا هؤلاء جاءوا خلف النبي صلى الله عليه
وسلم فلما رأوا الناس ابتعدوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تلثموا واستعدوا وهموا بهذا الأمر العظيم والعياذ بالله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا
معه وأمر عمارا أن يأخذ بزمام ناقة وأمر حذيفة أن يسوقها فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم منه ومن ورائهم قد غشوه فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم فأمر حذيفة أن يردهم قال قل
لهم أن يرجعوا إلى بطن الوادي وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجل فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها بها وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر بذلك إلا لفعل السفر
فأرعبهم الله سبحانه وتعالى حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر له فأسرعوا حتى خالطوا الناس حتى لا يعرفوا وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم اضرب الراحلة يا حذيفة وامشي أنت يا عمار وأسرعوا حتى استووا بأعلاها وانتظروا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة هل عرفت من هؤلاء الراهط أو
عرفت أحدا منهم فقال حذيفة عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة يا رسول الله وغشيتهم وهم متلثمون فقال صلى الله عليه وسلم هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا قالوا لا والله يا رسول الله
ما عرفنا قال فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا اطلعت في العقبة طرحوني منها قالوا أولا تأمر بهم يا رسول الله إذن فنضرب أعناقهم قال أكره أن يتحدث الناس ويقولوا إن محمدا قد وضع يده في
أصحابه وسماهم لحذيفة وقال أكتمهم وفي بعض طرق هذه القصة ما ذكره ابن إسحاق في سيرته ومغازيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال لحذيفة وقال ننتهي حتى نرمي محمدا من العقبة الليلة
وإن كان محمد وأصحابه خيرا منا إنا إذا لغنم وهو الراعي ولا عقل لنا وهو العاقل وأمره كذلك أن يدعو مجمع ابن حارثة ومليحن التيمي وهو الذي سرق
طيب الكعبة وارتد عن الإسلام بعد ذلك كما أمره أن يدعو حصن ابن نمير وطعيمة ابن أبير وعبد الله بن عيينة وهو الذي قال لأصحابه اسهروا هذه الليلة تسلموا الدهر كله فوالله ما لكم أمر دون
أن تقتلوا هذا الرجل فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت فقال عبد الله فوالله يا رسول الله لا نزال بخير ما أعطاك الله النبي فتركه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقال ادع لي مرة بن الربيع وهو الذي قال نقتل الواحد الفرد فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت
فقال يا رسول الله إن كنت قلت شيئا من ذلك إنك لعالم به وما قلت شيئا من ذلك فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنى عشر رجلا وأخبرهم بقولهم صلى الله عليه وسلم ومنطقهم وسرهم
وعلانيتهم وأطلع الله سبحانه وتعالى نبيه على ذلك وعلمه ما كان منهم يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله
ورسوله من فضله وعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير كنوز السيرة مسجد ضرار وقبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بنا بعض المنافقين مسجدا
وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يروج لهم ما أرادوا من الفساد والكفر
والعناد فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك قال الحافظ بن كثير رحمه الله فلما رجع منها أي من تبوك نزل بذي أوان فنزل عليه الوحي بشأن
هذا المسجد وهو قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا
تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم
حكيم فهذا المسجد اتخذ ضرارا أي للإضرار بالمسلمين وكفرا أي ما أرادوا به وجه الله وتفريقا بين المؤمنين أي عن طريق الجلوس بهذا المسجد وحياكة المؤامرات وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من
قبل أي يكون هذا المسجد مكانا لاجتماع من حارب الله ورسوله من قبل وهذا أبو عامر الرسول كان نصرانيا يسمى بأبي عامر الفاسق لأنه دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فذهب إلى أهل
مكة يستنفرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوا عام أحد لقتال النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب أبو عامر هذا إلى ملك الروم قيصر يستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان
يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وكان من شياطين الإنس فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة أنه مسجد وباطنه
دار لحرب وقتال النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقر لمن يفد من رسل أبي عامر ومجمع كذلك لمن هو على طريقتهم من المنافقين ولهذا قال الله تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ثم قال
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى أي إنما أردنا ببنائه الخير والله يشهد إنهم لكاذبون لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ثم قال لا تقم فيه أبدا فنهاه عن القيام
فيه لألا يقرر أمره ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ألا وهو مسجد قباء عندها أمر النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعنى بن عدي رضي الله عنهما
ليذهب إلى ذلك المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار وهذا الحكم ليس خاصا بهذا المسجد بل كل مسجد لم يبنى على التقوى فإن مصيره أن يهدم لأن الأصل في بناء المسجد أن يبنى على تقوى من الله
تبارك وتعالى وما لم يبنى على التقوى فإنه لا تجوز الصلاة فيه ويفرق بين البيت والكنيسة والمسجد الذي يبنى للضرار
وكذا الكنيسة يمكن أن تحول إلى مسجد لأنها ما بنيت أصلا كمسجد لكن أن يبنى على أنه مسجد وهو للضرار فلا يجوز أن يصلى فيه بل يجب أن يهدم ويبنى من جديد على تقوى من الله تبارك وتعالى كنوز
السيرة المتخلفون عن تبوك غزوة تبوك تخلف جماعة من المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على خمسة أقسام الأول تخلفوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأمره فهم مأمورون مأجورون
كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما وغيرهما الثاني متخلفون معذورون وهم المرضى والضعفاء ويدخل فيهم النساء والصبية والشيوخ الثالث مقلون فقراء وهم البكاءون كأمثال علبة بن
زيد وغيره الذين قال تعالى فيهم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل
والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون وهم المنافقون الذين تخلفوا عن الرسول صلى الله
عليه وسلم كجد بن قيس الذي قال إئذن لي ولا تفتني والذين قالوا لأصحابهم لا تنفروا في الحر الخامس عصات مذنبون أخطأوا وهم قسمان القسم الأول أبو لبابة وأصحابه فعن ابن عباس رضي الله
عنهما في قول الله وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم وقال لهم أنفسهم بسوار المسجد فلما مر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال من هؤلاء قالوا أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عني فلما بلغهم ذلك
قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي أطلقنا فأنزل الله تبارك وتعالى وهنا معناها أنه تاب عليهم فلما أنزلت هذه الآية أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم
فجاءوا بأموالهم وقالوا يا رسول الله هذه أموالنا تتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال ما أمرت أن آخذ أموالكم فأنزل الله تعالى القسم الثاني وهم الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم وهم الثلاثة
الذين لم يربطوا أنفسهم كنوز السيرة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه أخرج البخاري ومسلم عن ابن شهاب أنه قال ثم غزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك وهو يريد الروم ونصار العرب بالشام
قال ابن شهاب فأخبره قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب بن مالك لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك قال قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما
أحب أن لي بها مشهد بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما
جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم
فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ وكل يعرف صاحبه قال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من
الله سبحانه وتعالى وغزا الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر أي أميل إليها فتجهز الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو كي أتجهز
معهم فأرجع ولم أقضي شيئا وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقضي من جهازي شيئا ثم
غدوت أي لأتجهز فرجعت ولم أقضي شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارق الغزو وهذا يبين أن على الإنسان أن ينتبه إلى قضية مهمة فهذا التسويف يضعف الهمة حتى يترك الإنسان ما كان قد
عزم عليه إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تتردد قال فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم
أني لا أرى لي أسوة لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم في تبوك ما فعل
كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه وقال عليه معاذ بن جبل قائلا بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فبينما هو على ذلك رأى رجلا
مبيضا يزول به السراب أي قادم من بعيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فأيذا هو أبو خيثمة الأنصاري الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون فقال كعب بن مالك فلما بلغني
أن رسول الله قد توجه قافلا حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول بما أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح
عني الباطل فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من السفر بدأ في المسجد وركع فيه ركعتين ثم جلس إلى الناس فلما فعل ذلك وجلس جاءه المنافقون المخلفون فطفقوا
يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تبسم
تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر
ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني كما رضيت عن أولئك ليشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقب الله والله ما
كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت وثار رجال من بني سليمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما
علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في أن تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون قال فيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك قال كعب فوالله ما
زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا معي من أحد قالوا نعم معك رجلان قال مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك قلت من هما
قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا فاجتنبنا الناس وهنا يكمن الابتلاء مع
العلم أنه لم ينهى عن كلام المنافقين مع أن المنافقين جمعوا الشر من ثلاثة أوجه الأول فهؤلاء تخلفوا بدون عذر الثاني أنهم منافقون الثالث أنهم كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم قال أهل
العلم لأن الهجر علاج والعلاج ينفع مع المؤمن ولا ينفع مع المنافق فذنب المنافق أعظم من أن ينفع معه الهجر قال كعب وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفس الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا
على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان مما وقع وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأسلم عليه وهو في مجلسه فأقول هل حرك شفتيه ورد السلام ثم أوصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي مشيت
حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال فسكت فعدت فناشدته فسكت
فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال بينما أنا أمشي في سوق المدينة وما نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على
كعب ابن مالك قال فطفق الناس يشيرون إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بذلك فالحق بنا نواسك
قال وقلت حين قرأتها وهذه أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها وهذا فيه مبادرة إلى إتلاف ما يخشى منه الإفساد والمضرة في الدين فعلى من كان عنده أفلام خليعة أو صور أو مواقع على
الإنترنت أو غيرها أن يتخلص منها إذا تاب حتى لا يرجع إليها إذا راودته نفسه والشيطان قال كعب حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني
فقال لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها فلا تقربنها قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني
عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن
لا يقربنك فقالت فإنه والله ما به حركة إلى شيء ووالله ما زال يبكي منذ أن كان من أمره ما كان فقال كعب فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن
لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها فأنا رجل شاب فلبثت في ذلك عشر
ليال فتمت الخمسون فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا وعرفت أنه قد جاء الفرج وهذا فيه أن الإنسان إذا جاءه خبر
يفرحه فإنه يسجد لله شكرا فقال فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من
أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبيني فلبستهما وانطلقت أتأمم
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يبين لنا مدى حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يأمر بالعقوبة وهو أول من يأتيه قال يتلقان الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنك توبة
الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره فكان كعب لا
ينساها لطلحة فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبرق من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك فقلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال لا بل من عند الله وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله فقال من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال صلى
الله عليه وسلم أمسك بعض مالك فهو خير لك قال فإني أمسك سهم الذي بخيبر فقط قال قلت يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال فسلمت أن أحدا من
المسلمين أبلاه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلان الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي
هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي قال فأنزل الله تبارك وتعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب
عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب
الرحيم بعد إذ هدان الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي سيحلفون بالله
لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين وعن المنافقين
الذين كذبوا وكيف سلمه الله من الكذب بالله كيف يكون شعوره لا شك أنها سعادة لا توصف بل هو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال كعب كنا خلفنا أيها
الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم وأرجى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله عز وجل وعلى
الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا كنوز السيرة غزوات النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم
وقد ساق لنا شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه قصيدة تذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم يمدح فيها الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول حسان ألست خير
مع الد كلها نفرا ومعشرا إنهم عموا وإن حصلوا قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم مع الرسول فما آلوا وما خذلوا وبايعوه فلم ينكث به أحد منهم ولم يك في إيمانه دخلوا ويوم صبحهم في الشعب من أحد
ضرب رصين كحر النار مشتعلوا ويوم ذي قرد يوم استثار بهم على الجياد فما خانوا وما نكلوا وذا العشيرة جاسوها بخيلهم مع الرسول عليها البيض والأسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا بالخيل حتى
نهان الحزن والجبل وليلة طلبوا فيها عدوهم لله والله يجزيهم بما عملوا وفيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم مع الرسول بها الأسلاب والنفل وغزوة الرقاع فرقنا العدو به
كما يفرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته على الجلاد فآسوه وما عدلوا وغزوة الفتحة كانوا في سريته مرابطين فما طاشوا وما عجلوا فيوم خيبر كانوا في كتيبته يمشون كلهم مستبسل
بطل بالبيض ترعش في الأيمان عارية تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل فيوم سار رسول الله محتسبا إلى تبوك وهم راياته الأول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم حتى بدى لهم الإقبال والقفل أولئك القوم
أنصار النبي وهم قومي أصير إليهم حين أتصلوا ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا كنوز السيرة رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وبقي في طيبة المدينة النبوية
بقية رمضان وشوال وذي القعدة ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع من مهاجره فخرج أبو بكر حاجا بالناس ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوائل سورة
براءة في بيان أحكام العهود التي بينه وبين المشركين قال الله تبارك وتعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجز الله وأن
الله مخز الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أن الله مخز الكافرين وإنكم غير معجز الله
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم لما نزلت هذه الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمر علي بن أبي طالب أن يخرج خلف أبي بكر بهذه الآيات ليرد إلى المشركين عهودهم وكان من عادة العرب أنه إذا عاهد أحدهم عهدا لا ينقض عهده ولا يرده إلا هو أو رجل من أهل بيته فلما وصل علي
إلى أبي بكر قال أبو بكر أمير أو مأمور قال بل مأمور فدخل أبو بكر الصديق إلى مكة حاجا في الناس تلك السنة وقام علي رضي الله عنه ينادي في الناس أيها الناس لا يدخل الجنة كافر ولا يحج
بعد العام مشرك ولا يطوف في البيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله فهو إلى مدته وقسموا إلى ثلاثة أقسام الأول لهم عهد فهم إلى مدتهم كما قال علي رضي الله عنه وينتهي بانتهاء مدته
الثاني ليس لهم عهد فهؤلاء أمهلهم الله تبارك وتعالى أربعة أشهر الثالث لهم عهد ولكنه ينتهي قبل أربعة أشهر وهؤلاء اختلف فيهم أهل العلم وقسمهم إلى أربعة أشهر أم إلى مدتهم التي هم عليها
والظاهر أنه إلى أربعة أشهر والله أعلم وعن يزيد بن يثيع قال سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحجة قال بعثت بأربع لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مسلم وكافر في
المسجد الحرام بعد عامين ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فأمره أن يؤذن ببراءه قال فأذن معنا علي بأهل منا يوما نحر ببراءه وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت
عريان كنوز السيرة عام الوفود سنة تسعين للهجرة في هذا العام نزل قول الله تبارك وتعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان
توابا ومصداق هذه الآية أن الوفود صارت تأتير سنة تسعين يتبع كل فوج فوجا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام أو يصالحونه وفيهم كنانة بن
عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد قال المغيرة بن شعبة يا رسول الله أنزل قومي علي فأكرمهم فإني حديث الجرح فيهم أي أنه قبل أن يسلم عدا على بعض قومه
فقتلهم ثم أقبل بأموالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أمنعك أن تكرم
قومك ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن ثم أمره بعد أن أكرمهم أن ينزل وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب
لا يذكر نفسه أن يحمد الله فقط وفد ثقيف قالوا يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته فلما بلغه قولهم قال فإني أول من شهد أني رسول الله وكانوا يغدون إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه صغير فكان عثمان إذا رجع القوم في الهاجرة وناموا ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين وسمع منه القرآن
فاختلف إليه مرارا حتى فقها في الدين والعلم وكان إذا وجد رسول الله نائما ذهب إلى أبي بكر وكان يكتم ذلك عن أصحابه فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه فمكث الوفد يختلفون إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم مزاياه فأسلموا فقال كنانة بن عبد ياليل هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا قال نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم وإلا
فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم قال كنانة أرأيت الزنا فإنا قوم نغترب فلا بد لنا منه فقال صلى الله عليه وسلم هو عليكم حرام فإن الله عز وجل يقول ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء
سبيلا قالوا أفرأيت الربا فإن أموالنا كلها ربا قال صلى الله عليه وسلم لكم رؤوس أموالكم فإن الله يقول قالوا أفرأيت الخمر فإنها عصير أرضنا لا بد لنا منها قال إن الله قد حرمها فقرأ يا
أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فقام القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلى بعضهم ببعض قالوا ويحكم إنا نخاف إن
خالفناه يوما كيوم مكة انطلقوا نكاتبه عما سألناه فآتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نعم لك ما سألت أرأيت الربا أي صنمه ملات ما نصنع فيها قال اهدموها قالوا هيهات وتعلم الربة
أنك تريد هدمها لقتلت أهلها فقال عمر بن الخطاب ويحك يا ابن عبد ياليل ما أجهلك إنما الربة حجر فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تول أن تهدمها فأما
نحن فإنا لا نهدمها أبدا فقال صلى الله عليه وسلم سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها فكاتبوه على هذا فقال كنانة إذن لنا قبل رسولك ثم ابعث في آثارنا إنا أعلم بقومنا فأذن لهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأكرمهم وحباهم وقالوا يا رسول الله أمر علينا رجلا يأمنا من قومنا فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال كنانة أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموهم القضية وخوفوهم بالحرب والقتال وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه سألنا أن نهدم اللات والعزة وأن نحرم الخمر والزنا وأن نبطل
أموالنا في الربا فخرجت ثقيف وحين دنا منهم الوفد يتلقونهم سار العنق وقطر الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا فقال بعضهم لبعض ما جاء وفدكم بخير ولا رجعوا به فترجل الوفد
وذهبوا إلى اللات ونزلوا عندها فقال ناس من ثقيف إنهم لا عهد لهم برؤيتها فسألواهم ماذا جئتم به وماذا رجعتم به قالوا أتينا رجلا فضا غليظا يأخذ من أمره ما يشاء قد ظهر بالسيف وداخله
العرب ودان له الناس فعرض علينا أمورا شدادا هدم اللات والعزة وترك الأموال في الربا إلا رؤوس أمواله وحرم الخمر والزنا فقال الثقيف والله لا نقبل هذا أبدا فقال الوفد أصلحوا السلاح إذن
وتهيأوا للقتال وتعبؤوا له ورموا حصنكم فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة يتجهزون للقتال ثم ألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وقالوا والله ما لنا به طالبا وقد داخله العرب كلهم فارجعوا
إليه وأعطوه ما سأل فلما رأى الوفد أنهم رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب قال الوفد فإنا قد قاضيناه وأعطيناه ما أحببنا وشرطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم
وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه فقبلوا عافية الله فقالت ثقيف فلمكتمتمون هذا الحديث وغممتمون أشد الغم قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا
مكانكم فأسلموا ثم مكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المؤمنين فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين أي الفأس وقال لأصحابه والله
لأضحكنكم من ثقيف فقام وضرب بالفأس ثم سقط يركض كأنه أصيب بسبب ضربه للصنم فصاح أهل الطائف كلهم ضجة واحدة فقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا من شاء منكم
فليقرب منها فوالله لا تستطع عندها قام المغيرة وقال قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر فاقبلوا عافية الله واعبدوه ثم ضرب الباب فكسره ثم على سورها وعلى الرجال معه فما
زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى ساووها بالأرض فكان صاحب المفتاح يقول ليغضبن عليكم الأساس وليخسفن بكم فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد دعني أحفر أساسها فحفروا حتى أخرجوا ترابها فبهتت
ثقيف وقالت عجوز منهم أسلمها الرباع وتركوا المصاع ثم أقبل الوفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطوه الكسوة والحلية والذهب الذي كان وجدوه عند هذا الصنم فحمد رسول الله صلى الله
عليه وسلم الله عز وجل على نصره وإعزاز دينه من فوائد هذه القصة أولا أن الكافر إن سرق من قومه ثم قدم مسلما فإنه يقبل منه الإسلام ولا يقبل منه المال الذي جاء به ولا يضمن هذا المال
لقومه إذا أسلم ثانيا جواز إنزال الكافر المسجد ليرى الصلاة وليتعرف على الإسلام أما لغير ذلك فلا يجوز خاصة المسجد الحرام قال تعالى إنما المشركون نجس فلا يقرب المسجد الحرام بعد عامهم
هذا ثالثا هدم مواضع الشرك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهدمها أعظم من هدم الحانات ومحلات الفديو وغيرها مما يتسارع كثير من الجهال إلى تفجيرها وهدمها فالشرك يجب إزالته ومنع الناس
من الوصول إليه بالدعوة بالحسنى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فما هدم صنما ولكن لما صار وليا للأمر وصار حاكما صار يهدمها فلا يجوز لأحد أن يهدم مثل هذه الأشياء كنوز السيرة
إن من البيان لسحرى ومن عباس رضي الله عنهما قال جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمر بن الأهتم التميميون ففخر الزبرقان فقال يا رسول الله أنا سيد
تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وأخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك يقصد عمر بن عباس فقال عمر بن الأهتم إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أدنيه فقال الزبرقان والله يا رسول
الله لقد علم مني غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد فقال عمر بن الأهتم أنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال حديث المال أحمق الوالد والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما
كذبت فيما قلت آخرا ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا فقال صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا كنوز السيرة وفد بني
عامر ومحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمة وكان هؤلاء رؤساء القوم وشياطينهم فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو يريد الغدر به فقال له قومه يا عامر إن الناس قد أسلموا فقال والله قد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لأربد إذا قدمنا على
الرجل فإني شاغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فعله بالسيف فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر يا محمد خالني أي أريد منك خلوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا والله حتى
تؤمن بالله وحده قال يا محمد خالني قال حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا فلما خرج وولا قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم اللهم اكفني عامر ابن الطفيل فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لأربد ويحك يا أربد أينما كنت أمرتك به والله ما كان على وجه الأرض أخوف
عندي على نفسي منك وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا فقال له أربد لا أبالك لا تعجل علي فوالله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل أفأضربك بالسيف ثم خرجوا راجعين إلى
بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر ابن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله تبارك وتعالى في بيت امرأة من بني سلول وهم من أذل العرب وأضعفهم فقال عامر ابن الطفيل أغدة
كغدة الإبل وموت في بيت سلولية ثم خرج فمات في الطريق وفي صحيح البخاري أن عامر ابن الطفيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أخيرك بين ثلاث خصال يكون لك أهل
السهل ويكون لي أهل المدر أو أكون خليفتك من بعده أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء فطعن في بيت امرأة فقال أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان ايتوني بفرسي فركب ومات على ظهر
فرسه كنوز السيرة وفد عبد القيس في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عبد القيس وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم ممن القوم قالوا من ربيعة فقال مرحبا بالوفد غير
خزايا ولا نداما فقالوا يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام مرنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا فقال صلى الله عليه وسلم والنقير
والمزفت فاحفظوهن وادعو إليهن من وراءكم وفي رواية لمسلم أنهم قالوا يا رسول الله ما علمك بالنقير قال بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من التمر ثم تصبون عليه من الماء حتى يغلي فإذا سكن
شربتموه فعسى أحدكم أن يضرب ابن عمه في السيف وكنت أخبئها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ففيما نشرب يا رسول الله قال في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها قالوا يا رسول
الله إن أرضنا كثيرة الجرذان لا تبقي في أسقية الأدم قال وإن أكلها الجرذان أعادها مرتين أو ثلاثا
ثم قال لأشج عبد القيس وكان أحد الوفد إن فيك خصلتين يحبهم الله الحلم والأناة كنوز السيرة وفد بني حنيفة قدم وفد بني حنيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيهم مسيلمة الكذاب قال
مسيلمة إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته مع بشر كثير من قومه فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس ومع النبي صلى الله عليه وسلم قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة
فقال لمسيلمة إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت أي عن الإسلام ليعقرنك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله إنك الذي أريت فيه ما أريت فماذا تريد
بهذا القول فأخبرني أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما أنا نائم رأيت في يومي ووضع في يدي سواران من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما
فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما أنا نائم إذ أتيت بخزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فأوحي
إلي أن انفخهما فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة أي الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب ومع ما قال مسيلمة للنبي صلى الله عليه وسلم وما قاله عامر
بن الطفيل إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قتلهما من الوفود والرسل والرسل لا تقتل كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدر كنوز السيرة وفد طي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفد طي وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلمهم وعرض عليهم الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما
يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه ثم سماه الرسول صلى الله عليه وسلم زيد الخير وقطع له فيدا وأرضين معه وكتب له بذلك وخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى
قومه فقال صلى الله عليه وسلم إن ينج زيد من حمى المدينة وإن هنا بمعنى لا النافية أي لن ينجو فلما انتهى إلى ماء من ماء نجد يقال له فردة أصابته الحمى فمات فلما أحس بالموت قال أمر تحل
قوم المشارق غدوة وأترك في بيت بفردة منجدي ألا رب يوم لو مرضت لعادني عوائد من لم يبر منهن يجهدي كنوز السيرة وفد كندة قدم الأشعث بن قيس في وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
في ثمانين أو ستين راكبا فدخلوا على نبي الله صلى الله عليه وسلم في مسجده وتسلحوا فلما دخلوا عليه قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أولم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا الحرير في
أعناقكم فشقوه فشقوه ونزعوه وألقوه قال أشعث قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد كندة لا يرون إلا أني أفضلهم فقلت يا رسول الله قال لا نحن بن النظر بن كنانة لا نقف أمنا ولا
ننتفي من أبينا وذلك أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم جدة من كندة كنوز السيرة وفد الأشعريين وهم أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبا فقدم
الأشعريون فجعلوا يرتجزون غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا والإيمان يمان
والحكمة يمانية والسكينة في أهل الغنم والفخر والخيلاء في الغنم وفي صحيح البخاري أن نفرا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم أبشروا يا بني تميم قالوا بشرتنا
فأعطنا فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء نفر من أهل اليمن فقال لهم اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بني تميم قالوا قد قبلنا ثم قالوا يا رسول الله جئنا لنتفقها في
الدين ونسألك عن أول هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء كنوز السيرة وفد همدان روى البيهقي بإسناد صحيح كما يقول ابن القيم رحمه الله من
حديث أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فقال البراء فكنت في من خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر
يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب رضي الله عنه فأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا ممن كان مع خالد أحب أن يعقب مع علي أي أن يرجع خالد ومن أراد ممن معه
ومن أراد أن يبقى معك فليبقى قال البراء فكنت في من عقب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي رضي الله عنه ثم صفنا صفا واحدا
ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا فكتب علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال السلام على همدان السلام على همدان وفيها السجود عند سماع خبر طيب كنوز السيرة وفد نجران قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران وهم
ستون راكبا منهم أربعة وعشرون من أشرافهم فمنهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم ومعه آخر وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل وهو أسقفهم
وحبرهم وأيمامهم وصاحب مدراسهم وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم ومن أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم جلس أبو حارثة على بغلة له متوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز تعيس الأبعد فقال له أبو حارثة
بل أنت تعست فقال له لما يا أخي فقال أبو حارثة والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز فما يمنعك وأنت تعلم هذا قال ما صنع بنا هؤلاء القوم ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى قصة أبي
محمد الميورقي وهي قصة عجيبة مشابهة لهذه القصة يرويها لنا أبو محمد عبد الله الميورقي نسبة إلى ميوركا في أسبانيا وقد كان نصرانيا ثم أسلم وذكر قصة إسلامه قال لما بلغت ست سنين من عمري
أسلمني والدي إلى معلم من القسيسين وحفظت أكثر من شطره مدة سنتين ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين ثم رحلت من بلدي إلى مدينة لاردا من أرض القسطلان وهي مدينة العلم
عند النصارى فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم كبير القدر اسمه نقلاو مارتين وكانت منزلته فيهم في العلم والدين والزواج وكانت منزلته في الدهد رفيعة جدا انفرد بها في زمنه عن جميع
أهل دين نصرانية فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم ويصحب هذه الأسئلة كثير من الهدايا الضخمة ويرغبون جميعا بالتبرك به وفي قبوله لهداياهم ويتشرفون بذلك
فقرأت على هذا القسيس علم الأصول وأحكامهم ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أخص خواصه وانتهيت في خدمتي له وتقربي إليه إلى أن دفع إلي مفاتيح مسكنه وخزائن
مأكله ومشربه جميع ذلك كله على يدي ولم يستثني من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخله مسكنه كان يخلو فيه بنفسه وقال له على ما ذكرت من القراءة عليه والخدمة له عشر سنين ثم أصابه مرض يوما من
الدهر فتخلف عن حضور مجلس أقرانه وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله عز وجل على لسان عيسى إنه يأتي من بعده نبي اسمه البارق ليط فبحثوا
في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه فعظم بينهم في ذلك مقالهم وكثر جدالهم ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة في تلك المسألة فأتيت مسكن الشيخ صاحب الدرس
المذكور فقال لي ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم فأخبرته باختلاف القوم في اسم البارق ليط فقال لي ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في اسم البارق ليط فقال لي من جميل
إحسانكم أن تمنوا علي بمعرفة هذا الاسم فبكى الشيخ وقال لي يا ولدي والله أنت لتعز علي كثيرا من أجل خدمتك لي وانقطاعك إلي وفي معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة لكني أخاف عليك إن يظهر
ذلك عليك تقتلك عامة النصارى قلت له يا سيدي والله العظيم وحق الإنجيل ومن جاء به لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك فقال لي يا ولدي إني سألتك في أول قدومك علي عن بلدك وهل هو قريب
من المسلمين وهل يغزونكم أو تغزونهم لأختبر ما عندك من منافرة للإسلام فاعلم يا ولدي أن البارق ليط وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال عليه السلام فقلت له يا سيدي وما تقول
في دين هؤلاء النصارى قال لي يا ولدي لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول لكانوا على دين الله لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله ولكن بدلوا وكفروا فقلت له يا سيدي كيف الخلاص
من هذا الأمر قال يا ولدي بالدخول في دين الإسلام فقلت له هل ينجو الداخل فيه قال لي نعم ينجو في الدنيا والآخرة فقلت يا سيدي إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم فإذا علمت فضل
دين الإسلام فما يمنعك منه فقال لي يا ولدي إن الله لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني ووهني جسمي ولا عذر لنا بل هو حجة علينا قائمة
ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق وحب الدنيا رأس كل خطيئة وعند النصارى من رفعة الجاه والعز والترف وكثرة عرض الدنيا ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين
الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت وهب أني نجوت وخلصت إلى المسلمين فأقول لهم إني جئتكم مسلما فيقولون لي قد نفعت نفسك بنفسك في الدخول بدين الحق فلا تمن علينا بدخولك في دين الحق وفي
دين خلصت به نفسك من عذاب الله فأبقى بينهم شيخا كبيرا فقيرا ابن تسعين سنة لا أفقه لسانهم ولا يعرفون حقي فأموت بينهم جوعا وأنا والحمد لله على دين عيسى وعلى ما جاء به يعلم الله ذلك
مني فقلت له يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم فقال لي إن كنت عاقلا طالبا للنجاة فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة وهنا في قوله وأنا والحمد لله على دين
عيسى يكذب فيه على نفسه لأنه قال أيضا إنهم بدلوا وكفروا إلا إن كان مسلما يكتم إسلامه ويقول بالتوحيد ويكفر بالتثليث ويكتم إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم
ثم قال لي ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا فاكتمه في غاية جهدك وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة بحينك ولا أقدر على نفعك ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني فإني أجحده وقولي مصدق عليك
وقولك غير مصدق علي ثم أخذت أسباب الرحلة إلى أن رحلت بعد ذلك إلى تونس ودخلت في دين الله تبارك وتعالى وكلمة بارق ليطة هذه يقول عنها الأستاذ عبد الوهاب النجار جلست مع الدكتور كارلو
نيلنو فقلت له يا دكتور ما معنى بارق ليتوس فأجابني بقوله إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها المعزي فقلت له يا دكتور ما معنى بارق ليتوس فأجابني بقوله يا أهل الكتاب لم تحافظوا كثيرا
وسكت يقول ابن عباس عن وفد نجران اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهودية وقالت النصارى ما كان إلا نصرانية
فأنزل الله تبارك وتعالى يا أهل الكتاب لم تحافظوا كثيرا وسكت فلما تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلما
تحاجون فيما ليس لكم به علم فالله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي
والذين آمنوا ولي المؤمنين رد الله تبارك وتعالى عليهم قولهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عيسى صلى الله عليه وسلم ما يكون وما يقول فيه المسلمون فأنزل الله تبارك وتعالى قوله
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم
ثم نبتهل ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمباهلة فوافقوا على المباهلة في أول الأمر فطلب النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين
رضي الله عنهم ليباهل بهم فلما رأوا صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يريد أن يباهل قالوا له بل أرسل معنا من يعلمنا هذا الدين وقال شرحبيل لصاحبيه لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع
أعلاه وأسفله لم يرد ولم يصدر إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا مقبلا وأرى والله إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد إليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور
قومه حتى يصيبنا بجائحة وأنا أدنى العرب منهم جوارا وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك فقال له صاحباه فمن رأيي فهات رأيك فقال رأيي
أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقال له أنت وذاك فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال ما هو قال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما
حكمت فينا فهو جائز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل وراءك أحد يثرب عليك فقال سل صاحبي فسألهما فقال ما يرد الوادي وما يصدر إلا على رأي شرحبيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
كافر موفق فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وكتب لهم كتابا طويلا وكان قد قال لهم لأرسلن معكم أمينا حق أمين وأرسل أبا عبيدة وقال هذا أمين هذه الأمة كنوز السيرة وفد بني سعد
بن بكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد بين أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب وهذا من
جفاء الأعراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ابن عبد المطلب فقال محمد قال نعم فقال يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال صلى الله عليه وسلم
لا أجد في نفسي فسل عما بدالك فقال أنشدك الله إلهك وإله أهلك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك قال اللهم نعم فقال أنشدك الله إلهك وإله أهلك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك
آه الله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون قال صلى الله عليه وسلم اللهم نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة
وفي رواية أن هذا الرجل قال والله لا أزيد عليها ولا أنقص فقال صلى الله عليه وسلم أفلح والله إن صدق ثم قدم ضمام على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما قال بئسة اللات والعزة فقالوا مه يا
ضمام اتق البرص والجنون والجذام قال ويلكم إنهما لا يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضرته رجل ولا امرأة إلا مسلما وهذه من بركات بعض الناس على أقوامهم أنهم يسلمون بفضل دعائهم لهم أو محبة
القوم لهم أو نصيحتهم لهم أو غير ذلك من الأسباب كنوز السيرة وفد صداء وعقد له قيس بن سعد بن عبادة وعقد له لواء أبيض ودفع إليه راية سوداء وعسكر معه أربعمائة من المسلمين وأمره النبي
صلى الله عليه وسلم أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء وهم بطن من كهلان من قحطان فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم يقال له زياد بن الحارث فعلم أن الجيش سيغزو قومه فقال
لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي فرد الرسول صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد وخرج الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله صلى
الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم فقال سعد بن عبادة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعهم ينزلوا عليه فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فبايعوه على الإسلام فقالوا نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشى فيهم الإسلام فوافى الرسول صلى الله عليه وسلم منهم مئة رجل في حجة الوداع وهناك وفود أخرى وفدت على
الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما ذكرناه في هذه الوفود كفاية كنوز السيرة حجة الوداع سنة عشر للهجرة في يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة من هجرة الرسول تهيأ صلى الله
عليه وسلم للحج عن جعفر الصادق وقالت ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال قلت لجابر بن عبد الله أخبرني عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال بيده فعقد تسعا ثم قال
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين في المدينة لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله
صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع قال اغتسلي واستثفري بثوب
وأحرمي سنة بالنسبة للحائض والنفساء إذا جاءها الحيض أو النفاس قبل إحرامها فإنها تحرم وتغتسل للإحرام وتلبي قال جابر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم ركب القصوى حتى إذا
استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك وعن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن
وهو يعرف تأويله وما عمل من شيء عملنا به فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وقال الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله صلى
الله عليه وسلم شيئا منه أي من الناس من يلبي تلبية الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهم من يلبي غير تلبيته كقول بعضهم لبيك وسعديك والخير كله في يديك وقول بعضهم لبيك حقا حقا تعبدا ورقا
وبعضهم يكبر وبعضهم يحمد وبعضهم يهلل وهكذا قال ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته قال جابر لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة أي مع الحج حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن
فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام ثم قرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه
وسلم إنه كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون
ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فقال الله عليه وسلم من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية ثم قال أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى
البيت فاستقبله ووحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك
قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة وهذه السنة تركها اليوم كثير من الناس فهم لا يعدون أن يصلوا إلى المروة فينزلون إلى الصفا وهكذا من الصفا إلى المروة سبع مرات وهذا قلاف هدي
النبي صلى الله عليه وسلم فسنة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى بنا والأحرى أن نتبعها قدر المستطاع قال ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدت مشى حتى
أتى على المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال لو أن استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمره فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل
وليجعلها عمره والحج ثلاثة أنواع المفرد الذي يفرد الحج وحده القارن الذي يقرن الحج والعمرة معه المتمتع الذي يعتمر في أشهر الحج ثم يتحلل والصحيح من أقوال أهل العلم أن النبي صلى الله
عليه وسلم حج قارنا واختلف أهل العلم في أي الأنساك أفضل الإفراد أو القران أو التمتع وقد جمع شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله بين هذه الأقوال فقال ومن ساق الهدي فالأفضل أن يحج قارنا
ومن لم يسق الهدي فالأفضل له أن يحج متمتعا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفعلوا ذلك عود إلى حديث جابر فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله ألي عامنا هذا أم
للأبد أي العمرة مع الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة في الأخرى وقال دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد وقدم علي رضي الله عنه من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم
فوجد علي فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت إن أبيه أمرني بهذا قال فكان علي يقول بالعراق بعد ذلك أيام خلافته فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا
على فاطمة بالذي صنعت مستفتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه قال فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها قال صدقت صدقت قال فردت الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك يستحب
للمسلم أن يحدد النسك ويسميه وليس هذا من باب الجهر بالنية لأن النية محلها القلب ويجوز أن لا يحدد النسك إن كان ينتظر رفقة أو أحد العلماء فيقول لبيك بما لبى به فلان فعلي رضي الله عنه
لم يحدد النسك وإنما قال لبيك بما لبى به رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فإن معي الهدي فلا تحل قال جابر فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى
الله عليه وسلم مئة ناقة أقل السنة أن يقدم المسلم هديا عبارة عن شاه فإن كانت ناقة فهذا أفضل وكلما زاد العدد كان أفضل قال جابر فأحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن
كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى ميناء فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بميناء الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرا من دون جمع ثم مكث ليلا حتى
طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمره فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية وذلك أن قريشا لا تخرج من
الحرم ويسمون أنفسهم الحمس أي المتحمسون للدين ولا يدخلون عرفة أبدا قال فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمره فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر
بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس فقال إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ثم قال صلى الله عليه وسلم
ودماء الجاهلية موضوعه وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر أن أمور الجاهلية انتهت دماء الجاهلية انتهت
وأول دم أضعه دم ابن عمي وهو ابن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب فبدأ بنفسه صلى الله عليه وسلم ثم قال صلى الله عليه وسلم ورب الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس ابن عبد المطلب
فإنه موضوع كله فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس
اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثم أذن أي بلال ثم أقام فصل الظهر ثم أقام فصل العصر ولم يصل بينهما شيء أي سنة الظهر الراتبة ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل
بطن ناقته القصوى إلى الصخرات وهي عند جبل الرحمة في عرفة وجعل حبل المشات بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وقد شنق للقصوى الزمام
حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها حتى أتى المزدلفة صلى الله عليه وسلم فصلى بها المغرب والعشاء بآذان واحد وأيقامتين
وصلىها جمعة أخير وقصر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بآذان وأيقامة ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن
تطلع الشمس مخالفة لقريش فهو خالفهم صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى عرفة لأنهم لا يذهبون إلى عرفة كما ذكرنا آنفا وظنوا أنه سيقف في المزدلفة كغيره فدفع إلى عرفة ودفعوا معه ثم بعد
ذلك لما رجع إلى المزدلفة ظنوا أنه سيبقى حتى تطلع الشمس كما كانت تفعل قريش بأنها كانت تبقى في المزدلفة حتى تطلع الشمس فخرج من المزدلفة قبل طلوع الشمس قال وأردف الفضل بن العباس وكان
رجلا حسن الشعر أبيض وسيما ولما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ضعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول وجهه إلى الشق الآخر
ينظر فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الشق الآخر حتى أتى بطن محسر تحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع
حصيات يكبر مع كل حصات منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر ونحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى علي فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت
فأكل من لحمها وشرب من مراقها ثم ركب صلى الله عليه وسلم فآفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن
يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوى فشرب منه صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر حين ارتفع الضحى وهو على بغلة شهباء وكان الناس بين
قائم وقاعد فتكلم بما تكلم به بالأمس قال أبو بكر خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم
ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر جمادا وشعبان وقال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة قلنا بلى قال أي بلد هذا
قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس البلدة قلنا بلى فقال أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس يوم النحر قلنا
بلى قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهر هذا وستلقون ربكم ويسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت
قالوا نعم قال ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه وفي رواية قال ألا لا يجني جان إلا على نفسه ولا يجني جان على ولده ولا مولود على والده ألا إن
الشيطان قد يأس أن يعبد في بلدكم هذا ولكن ستكون له طاعة فيما تحقرون من أعمالكم فسيرضى به وأقام صلى الله عليه وسلم أيام التشريق في منا يؤدي المناسك ويعلم الشرائع ويذكر الله ويقيم سنن
الهدى من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويمحو آثار الشرك ومعالمه وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضا كما أخرج أبو داود عن سراء بنت نبهان قالت خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
الرؤوس فقال أليس أوسط أيام التشريق فكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر وهي قول الله تبارك وتعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس
يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا نزلت عليه هذه السورة في ذلك المكان صلى الله عليه وسلم نفر صلى الله عليه وسلم من منا فنزل بخيف بني كنانة من الأبطح
وأقام هناك بقية يومه وليلته وصل الظهر والعصر والمغرب والعشاء ونام ثم ركب إلى البيت فطاف به طواف الوداع ولما قضى مناسكه حثى الركاب إلى المدينة النبوية ليستأنف صلى الله عليه وسلم
بقية حياته كنوز السيرة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة للهجرة وذلك في أمور من أبرزها أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما بينما كان لا
يعتكف إلا عشرة أيام تدارسه جبريل القرآن مرتين وكان يتدارسه معه مرة واحدة في كل عام وقال في حجة الوداع لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا وقال صلى الله عليه وسلم لتأخذوا عني
مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه وأنزلت عليه صلى الله عليه وسلم سورة النصر في أواسط أيام التشريق ونعيت له فيها نفسه كما أخرج ذلك البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله
عنهما قال كان عمر يجلسني مع الشيوخ فقال له عبد الرحمن بن عوف إنك تقدم عبد الله بن عباس وفي أولادنا من هو في سنه أو أكبر فأراد عمر أن يظهر لهم فضل عبد الله بن عباس فقال لجمعهم ما
تقولون في قول الله تبارك وتعالى فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قالوا إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أتم الله الفتح أن يستغفر ربه ويتوب إليه فالتفت عمر إلى عبد الله
بن عباس فقال وما تقول أنت فقال عبد الله لا قال عمر فما تقول قال عبد الله هذه نفس النبي نعيت إليه فقال عمر والله ما أعلم منها إلا ما قال عبد الله بن عباس في صفر من السنة الحادية
عشرة من الهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات وقال شهداء أحد كما ذكرنا في أول هذه السيرة المباركة لم يصل عليهم وقال بعض أهل العلم إن
الصلاة عليهم هنا بمعنى الدعاء ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما صعد المنبر إني فرطكم وإني شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوض الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض
وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها وخرج في ليلة ما في منتصفها إلى البقيع وهي مقبرة المدينة فاستغفر لأهل البقيع وقال السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن
لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس لو تعلمون ما نجاكم الله منه وفي آخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة في يوم الاثنين شهد الرسول صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع فلما رجع أخذه
صداع في رأسه واتقدت الحرارة من فوق العصابة واشتد به المرض قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا قال أجل إني أوعك كما يوعك
رجلان منكم قلت أذلك لأن لك الأجر مرتين قال أجل ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء
الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتل الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء وأخرج الإمام أحمد عن أسامة بن زيد أنه قال قال فدخلت على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه ويقول
ثم يصوبها على وجهي أعرف أنه يدعو لي كنوز السيرة اشتداد المرض اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدا ابتلاه وأحب الناس إلى الله الأنبياء
فلذلك يشجد عليهم بالبلاء ليرفع جل وعلا من درجاتهم وأما غير الأنبياء فإنه يشدد في البلاء على الصالحين ليكفر من سيئاتهم ولترفع كذلك درجاتهم والمسلم لا يتمنى البلاء ولا يتمنى أن يفتن
لعله أن لا يصبر ولكنه يسأل الله تبارك وتعالى العافية وإذا ابتلاه أن يعينه على الصبر ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا عن عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما قال إن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أصبح بحمد
الله بارئا فقام العباس بن عبد المطلب فأخذ بيد علي فقال إني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت وهذا من العباس فراسة وهي قوة
الحدس بدأ مرض النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند زوجه ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها ولما ثقل جعل يسأل أين أنا غدا أين أنا غدا ففهمنا مراده فأذن له حيث يشاء فانتقل إلى بيت عائشة
لأنها كانت أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمر بن العاص رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك قال عائشة وقال لنفسه وأمسح بيده على
نفسه رجاء البركة وفي يوم الوصول إلى بيت عائشة وفي يوم الأربعاء قبل موته بخمسة أيام زادت عليه الحرارة واشتد به الوجع وغمي عليه صلى الله عليه وسلم فقال هريقوا علي سبع قراب من آبار
شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم وهنا هذا العدد له خصوصية فقد جاءت فيه نصوص كثيرة مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ومثل قراءة
الفاتحة على المصاب سبع مرات وقال الحافظ بن حجر عنه وسنده صحيح ومثل الرقية المشهورة أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأوحاذر سبع مرات ومثل حديث من قال عند مريض لم يحضره أجله وقال
النبي صلى الله عليه وسلم فقال هريقوا علي سبع قراب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم فأقعدوه في مخضب وصبوا علي سبع مرات حتى طفق يقول حسبكم حسبكم كنوز السيرة العقيدة قبل كل
شيء ولما أحس بخفة دخل المسجد وهو معصوب الرأس حتى جلس على المنبر وخطب الناس وهم مجتمعون حوله قال لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفي رواية أنه قال قاتل الله
اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا لا تتخذوا قبري وثنا يعبد وهذا دليل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأسيس العقيدة من أول الدعوة إلى آخرها فالعبادة لا تتمثل فقط في السجود
لغير الله تبارك وتعالى العبادة حياه الذبح النذر الطواف السعي الدعاء الاستغاثة الإخبات الخوف الرجاء التقوى التوكل فالعبادة الحياة كلها فيجب على المسلم أن يصرف كل العبادة لله سبحانه
وتعالى قال تعالى آمرا رسوله
والآن لا أقول مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم بل مع غيره ممن هم دونه بكثير ماذا يفعل بقبورهم يطاف حولها ويذبح لهذه القبور وتدفع الأموال لأصحابها وتدعى من دون الله تبارك وتعالى
ويتوسل بها ويخاف من أهلها فأي دين هذا إن العبادة لا تجوز أن تكون إلا لله قال الله تبارك وتعالى إلا في ضلال ثم نزل صلى الله عليه وسلم فصل الظهر ثم رجع فجلس على المنبر وقال أوصيكم
بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم وقال إن الناس يكثرون وتقل الأنصار كالملح في الطعام فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا
أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم كنوز السيرة النبي صلى الله عليه وسلم يخير بين الموت والحياة ثم قال صلى الله عليه وسلم مبينا أن الأمر قد أزف الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا
ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده قال أبو سعيد فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال أبو سعيد فعجبنا له وقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده وأبو بكر يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال أبو سعيد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا
ثم قال صلى الله عليه وسلم إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر وفي يوم
الخميس قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام قال هل أمه أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال عمر رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع عندكم القرآن حسبكم
كتاب الله فاختلف أهل البيت فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثر اللغط والاختلاف قال الرسول صلى الله عليه وسلم قوموا عني لأنه
لا ينبغي أن يكون عند النبي صلى الله عليه وسلم خصام كيف منع عمر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يكتب ذلك الكتاب أولا إن عمر لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أشفق عليه صلى الله
عليه وسلم من التعب الذي ألم به وقد أخبر الله بقوله تبارك وتعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر قبل ذلك إنه
ليس شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه وعمر رضي الله عنه يعلم أن الدين قد كمل وأن الأمر قد تم فأراد
أن يرتاح النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا الكتاب واجبا ولم يكتبه لكان قد كتم شيئا من الدين وهو لم يكتم شيئا كيف وقد قال الله تبارك وتعالى
ثم هذا الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبه بلغه شفاهية كما في حديث علي رضي الله عنه قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده
قال فخشيت أن تفوتني نفسه قال فقلت إني أحفظ وأعي قال وما ملكت أيمانكم قالت عائشة رضي الله عنها لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي توفي فيه حضرت الصلاة فأذن بلال وقال النبي
صلى الله عليه وسلم مروا أبا بكر فليصلي بالناس فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس وأعاد فأعادوا وأعاد الثالثة وقال إن كن صواحب يوسف مروا أبا بكر
فليصلي بالناس ومعنى قوله إن كن صواحب يوسف أي أن كن تقولن شيئا وفي أنفس كن شيء آخر فعائشة قالت إنه رجل أسيف وهو كذلك ولكنها قصدت منع أبي بكر من الصلاة وقالت إنه رجل أبا بكر فليصلي
بالناس مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يكره الناس أبا بكر محبة في النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت صواحب يوسف امرأة العزيز تراود فتاها وهن يردن رؤية يوسف لا مجرد الطعن في
امرأة العزيز وخرج أبو بكر ليصلي بالناس ثم وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه
النبي صلى الله عليه وسلم مكانك ثم أتى وجلس إلى جنبه قيل للأعمش أما كان النبي صلى الله عليه وسلم إماما وأبو بكر يصلي بصلاته والناس تصلي بصلات أبي بكر كنوز السيرة واقترب الأجل وقبل
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيومين وقعت حادثة فعن عائشة رضي الله عنها قالت تقول برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله فقال ضعوا ماء
في المخضب ففعلنا قالت فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم آفاق وقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم آفاق
فقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا قالت فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم آفاق وقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت
والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر ليصلي بالناس فكان أبو بكر رجلا رقيقا فصلى بهم أبو بكر تلك
الأيام وفي مرضه صلى الله عليه وسلم أنفق ما بقي عنده من مال كما روى ذلك المطلب ابن عبد الله ابن حنطب قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وهي مسندته إلى صدرها يا عائشة
فلما فعلت تلك الذهب قالت هي عندي قال فأنفقيها ثم غشي عليه وهو على صدرها فلما آفاق قال أنفقت تلك الذهب يا عائشة قالت لا والله يا رسول الله قالت فدعا بها فوضعها في كفي فعدها فإذا هي
ستة دنانير من الذهب قال محمد بالله عز وجل لو لقيه وهذه عنده أنفقيها فأنفقها كلها ومات في ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة اليوم الأخير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن
المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم فأجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة رضي الله عنها فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم فرحا
بهم صلى الله عليه وسلم فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة فقال أنس وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاة الفجر فأشار إليهم بيده
أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر ثم لم يصل بعد هذا حتى توفي بأبي هو وأمي كنوز السيرة كرامة لفاطمة رضي الله عنها ولما ارتفع الضحى دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي
الله عنها فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت قالت عائشة فسألنا عن ذلك فيما بعد فقالت فاطمة سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني
فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت وفي بعض الروايات عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة بقيامها وقعودها وكانت إذا
دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك فلما مرض صلى الله عليه وسلم دخلت عليه فأكبت عليه تقبله
ثم بكت فاطمة وضحكت لما سارها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عن ذلك قالت فاطمة ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفي
النبي صلى الله عليه وسلم سألتها عائشة وأنه عارضني القرآن كل سنة مرة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وأنك أول أهل بيتي لحوقا بي قالت فاطمة فبكيت فقال أما ترضين أن
تكوني سيدة نساء أهل الجنة قالت فاطمة فضحكت ولما رأت فاطمة رضي الله عنها الكرب الشديد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكت وقالت وكرب أباه قال لها ليس على أبيك كرب بعد اليوم ثم اشتد
الوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم وظهر أثر السم الذي أكله في خيبر في أول السنة السابعة حتى كان يقول لعائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم
وأوصى صلى الله عليه وسلم الناس وقال الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم وبدأ الاحتضار برسول الله صلى الله عليه وسلم وأسندته عائشة رضي الله عنها إليها وكانت تقول إن من نعم الله علي أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وكانت تقول إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين ريقي وريقه عند موته قالت
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك وأنا مسندته على صدري بين السحر والنحر فرأيته ينظر إليه وإلى سواكه وعرفت أنه يحب السواك قلت آخذه لك فأشار برأسه النعم فتناولته فلينته وقضمته
وطيبته وأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنى بالسواك كأحسن ما كان مستنى صلى الله عليه وسلم وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه ويمسح بهما على وجهه ويقول لا إله إلا الله إن
للموت سكرات وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع إصبعه وشخص بصره نحو السماء وتحركت شفتان فأصغيت إليه فإذا هو يقول مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم
اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى كرر الكلمة ثلاثا ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى إنا لله وإنا إليه راجعون وقالت عائشة رضي الله عنها قالت كنت أسمع أنه لا
يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحة مع الذين أنعم الله عليهم قالت فظننت أنه يخير وقالت عائشة رضي الله عنها
وقالت رأسه بين سحري ونحري فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها قال ابن كثير هذا إسناد صحيح وهذا كان يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول في الضحى سنة إحدى عشرة من مهاجره صلى
الله عليه وسلم وكانت قد تمت له ثلاث وستون سنة كنوز السيرة غسله ودفنه صلى الله عليه وسلم وفي يوم الثلاثاء غسلوا الرسول صلى الله عليه وسلم من غير أن يجردوه من ثيابه وتولى غسل النبي
صلى الله عليه وسلم العباس وعلي وقثم والفضل بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوسامة بن زيد وأوس بن خولي فكان العباس والفضل وقثم يقلبون النبي صلى الله عليه وسلم
وأوسامة وشقران يصبان الماء وعلي يغسله وأوس أسنده إلى صدره صلى الله عليه وسلم ثم كفنوه بثلاثة أثواب بيض من قطن ليس فيها قميص ولا عمامة وأدرجوه فيها إدراجا فقال أبو بكر إني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض فرفع طلحة فراشه الذي توفي عليه صلى الله عليه وسلم فحفر تحته وجعل القبر لحدا قالت عائشة رضي الله عنها رأيت ثلاثة أقمار وقعن
في حجري أي رؤيا منام فسألت والدها أبا بكر فقال إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة وقد دفن خير أهل الأرض وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر ثم عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما ودخل الناس الحجرة أرسالا ليسوا جميعا بل متفرقين لصغر الحجرة وقال صلى الله عليه وسلم لا يأمهم أحد وصلى عليه أولا أهل عشيرته ثم المهاجرون ثم الأنصار وصلت عليه النساء
بعد الرجال ثم صلى عليه الصبيان ولم يصل عليه جماعة قيل لأمرين اثنين الأول ليباشر كل واحد منهم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم لأن أحلف تسعا أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل وذلك أن الله اتخذه نبيا وجعله شهيدا كما قال تعالى أفإن مات أو قتل كنوز السيرة وأظلمت المدينة وما رأيت يوما كان أقبح ولا
أظلم من يوم مات فيه صلى الله عليه وسلم وما نفضنا عن رسول الله الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا قال ابن كثير وإسناده على شرط الصحيحين ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة رضي الله
عنه يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه في جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه وهذا ليس من النياحة المنهي عنها بل النعي المباح أما النياحة التي يكون فيها رفع الصوت وتقطيع الثياب
وشد الشعر فهذه هي المحرمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة فلما دفن صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة رضي الله عنها يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا
على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب تريد أن ندفن النبي صلى الله عليه وسلم وحثوا التراب عليه خلاف ما عرفته منهم من رقة قلوبهم عليه وشدة محبتهم له وسكت أنس رضي الله عنه ولم يجبها
رعاية لها ولسان حاله يقول لم تطب أنفسنا إلا أنا فعلناه امتثالا لأمره ووقف عمر رضي الله عنه وقد أخرجه الخبر عن وعيه غير مصدق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات وقال إن رجالا من
المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران إلى لقاء ربه فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع
إليهم بعد أن قيل قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات ونوز السيرة الثبات عند المصيبة وقال إن بلغه خبر وفاة النبي صلى الله عليه
وسلم رجع رضي الله عنه فدخل المسجد ولم يكلم الناس ثم دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله
بين عينيه وبكى ثم قال بأبي أنت وأمتي ما أطيبك حيا وميتا لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد ميتها ثم خرج أبو بكر وإذا عمر يكلم الناس فقال اجلس يا عمر فأبا عمر أن
يجلس فتركه وأقبل على الناس وأقبل الناس عليه فقال أبو بكر رضي الله عنه أما بعد ومنكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال
الله تبارك وتعالى فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين قال ابن عباس رضي الله عنه والله لك أن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس كلهم فما أسمع
بشرا من الناس إلا يتلوها قال عمر رضي الله عنه والله ما هو إلا أنسى وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات قال ابن عمر لما قرأ أبو بكر الآية وكأنما على وجوهنا أغطية فكشفت كنوز
السيرة صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنه والله لك أن تبارك وتعالى فإن الله حي لا يموت قال الله تبارك وتعالى فكشفت كنوز السيرة صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله
عنه والله مطلق والموت آت والنفوس نفائس والمستغر بما لديه الأحمق إن الله تبارك وتعالى نقل نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الدار الفانية إلى النعيم الأبدي في محلة رفيعة ودرجة عالية في
الجنة لا أعلى منها ولا أسمى كما قال تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى بعدما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم وحذرهم ونهاهم عما فيه
مضرة عليهم في دنياهم وآخرتهم قال تبارك وتعالى كل نفس ذائقة الموت وقال إنك ميت وإنهم ميتون وقال وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب
على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وقال تبارك وتعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن ميت فهم الخالدون وقال تعالى كل شيء هالك إلا وجهه وقال كل من عليها فان ويبقى وجه
ربك ذو الجلال والإكرام كنوز السيرة رثاء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما قيل وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقدوا وقال أبو
سفيان بن الحارث ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخ المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل فقد عظمت مصيبتنا وجلت عشية قيل قد قبض
الرسول وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه نفوس الناس أو قرب التسيل نبي كان يجل الشك عنا بما يوحى إليه
وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول وكذلك مما رثي به صلى الله عليه وسلم
تطاول ليلي واعترتني القوارع وخطب جليل للبلية جامع غداتنا عن ناعي إلينا محمدا وتلك التي تستك منها المسامع فلو رد ميتا قتل نفسي قتلتها ولكنه لا يدفع الموت دافع فآليت لا أثني على هلك
هالك وإنما أوفى ثبير وقارع ولكنني باك عليه ومتبع مصيبته إني إلى الله راجع بهذا أمرنا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون وهذا شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه
يرثي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول بطيبة رسم للرسول ومعهده منير وقد تعف الرسوم وتهمد ولا تمتح الآيات من دار حرمة بها منبر الهاد الذي كان يصعد وواضح آيات وباقي معالم وربع له فيه
مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف رسوم ولم تطمس على العهد آيها أتاها البلا فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده وقبرا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت عيون ومثلاها من الجفن تسعد يذكرن آلاء الرسول ولا أرى لها محصيا نفسي فنفسي تبلد وقال حسان كذلك يا بكر آمنة المبارك ذكره ولدته محصنة بسعد الأسعدي وقال كعب
بن مالك يا عين فابكي بدمع ذرا لخير البرية والمصطفى وبكي الرسول وحق البكاء عليه لدى الحرب عند اللقاء على خير من حملت ناقة وأتقى البرية عند التقى على سيد ماجد جحفل وخير الأنام وخير
اللها له حسب فوق كل الأنام من هاشم ذلك المرتجى نخص بما كان من فضله وكان سراجا لنا في الدجا وكان بشيرا لنا منذرا ونورا لنا ضوءه قد أضى فأنقذنا الله في نوره وغير ذلك من الأشعار كثير
مما قيل في رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت بعدما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي فجر الخميس أذن بلال في الفجر فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
بكى وانتحب فزادنا حزنا وكان رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم ولما سقط حائط بيت عائشة رضي الله عنها في زمن الوليد بن عبد الملك أخذوا في بناء فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة بن الزبير بن العوام ما هي إلا قدم عمر كنوز السيرة القبور والمساجد كانت توسعة المسجد في زمن الوليد بن عبد الملك
فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد كما هو الحال الآن فهنا ننبه على هذه المسألة ألا وهي حكم وجود القبر في المسجد لا بد لنا أن نعلم أنه لا يجوز أن يبنى مسجد على قبر ولا يجوز
أن يدفن ميت في مسجد فإذا بني المسجد على القبر فإن المسجد لم يبنى على التقوى فيجب أن يهدم المسجد وإذا دفن ميت في مسجد فإنه لا يجوز ويجب أن ينبش القبر ويخرج الميت من المسجد وأما قبر
النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم ما بنى مسجده على قبره بل مسجده قائم قبل أن يموت صلى الله عليه وسلم كيف وهو الذي بناه ثم كذلك ما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في
المسجد في بيت عائشة رضي الله عنها وجاء في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بين بيتي ومن بري روضة من رياض الجنة ويرويه بعضهم بلفظ ما بين قبري ومن بري وهذه الرواية
غير صحيحة وإنما رواها البعض بالمعنى فلا يقول أن قائل يجب أن يهدم المسجد أو يجب أن ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم فهذا من الضلال العظيم والذي وقع أن المسجد وسع فدخل القبر في
المسجد وما حدث الآن من عزل القبر وجعله في جانب من المسجد هو عين الصواب حيث صار القبر الآن في جانب من جوانب المسجد وليس في داخله كما كان الأمر سابقا ونسأل الله جل وعلا أن يجمع بيننا
وبيننا وعين نبيه صلى الله عليه وسلم في مستقر رحمته وأن يحجبنا ببركة متابعته عن النار وأن يغفر لنا ولأمته أجمعين آمين آمين آمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد عدد ما ذكره
الذاكرون وما غفل عنه الغافلون وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين كنوز السيرة الفصل الرابع شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم كما بينها أهل العلم
أسماؤه صلى الله عليه وسلم محمد أحمد الماحي الحاشر والعاقب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أسماء النبي الكريم ليست أسماء مجردة بل كلها تدل على معاني فمن أسماء الله جل وعلا
الله الملك القدوس الجبار العزيز الرحمن وغيرها كثير وهذه الأسماء مشتقة من صفات قائمة بالله تبارك وتعالى توجب له المدح والكمال فاسمه الله وهو المألوه أي المعبود حبا وخوفا ورجاء واسمه
الملك وهو الملك واسمه القدوس وهو القدوس المنزه عن كل نقص وعيب وهو الجبار أي القوي سبحانه وتعالى والعزيز الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع منه شيء ولا يغلبه شيء وهو الرحمن الذي وسعت رحمته
كل شيء وكذلك اسمه النور المبين الشفاء الكتاب والفرقان وغير ذلك وكلها أسماء تدل على معاني هذا الكتاب وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم اسمه محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب وكل هذه
الأسماء تدل على معاني وهو أن ما جاء في بعض الكتب أو عن بعض الناس أنه ذكر أن من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم طاها وياسين ليس بصحيح وذلك أن طاها وياسين على الصحيح من الحروف التي
بدئت بها بعض السور كقوله تعالى في بعض السور وكذلك الأمر بالنسبة لياسين وطاها ولذلك تكتب طاها بحرفين فقط ولو كانت اسما لكتبت طاها كما كتبت نون في قوله تعالى وهي غير نون في أول سورة
القلم ولذلك ذكر بعدها القرآن الكريم فهذه الأحرف على الصحيح من أقوال أهل العلم ليس لها معنى في ذاتها وإنما لها دلالة وهي أن هذا القرآن الكريم مكون من هذه الأحرف التي يتكلمون بها وأن
الله يتحداهم بأن يأتوا بقرآن مكون من هذه الأحرف وكذلك الأمر بالنسبة لياسين لما جاء قول الله تبارك وتعالى فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين وتركنا عليه في الآخرين سلام على
إلياس وكتبت ياسين وهي تختلف عن التي كتبت في بداية سورة ياسين ولذلك قال ياسين والقرآن الحكيم فنوه بذكر القرآن الكريم ومما يزيد هذا كله دلالة ألا وهو أن طاها ليس لها معنا ولا وصفا
ولا مدحا للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن أكثر ما قيل في معنى طاها أي الرجل أو طاها طأ الأرض وهذا ليس مدحا للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ياسين ليس مدحا كنوز السيرة نسبه صلى الله عليه
وسلم قال ابن القيم هو خير أهل الأرض على الإطلاق فلنسبه من الشرف أعلى ذروة ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك بين يدي ملك الروم لما جاءه وقال ما نسبه فيكم قال أبو سفيان إنه من أوسطنا نسبا
فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته وأشرف الأفخاذ فخذه فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن خلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن
النظر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهذا النسب متفق عليه بين أهل الأنساب ولا خلاف بينهم وعدنان من ولد إسماعيل عليه السلام وإسماعيل هو ولد
إبراهيم عليهم السلام وكان الأشعث يقول لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش من النظر بن كنانة إلا ضربته الحد كنوز السيرة أولاده صلى الله عليه وسلم ولكنهن توفين في حياته عدا فاطمة رضي الله
عنها فإنها توفيت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بستة أشهر على الصحيح وولد له كذلك صلى الله عليه وسلم إبراهيم من سريته مارية القبطية التي أهداها له المقوقس سنة ثمان من الهجرة ومات
طفلا قبل الفطام هي أفضل بنات النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها سيدة نساء أهل الجنة كنوز السيرة أزواجه صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد
القرشية الأسدية تزوجها قبل النبوة ولها أربعون سنة وقيل ثمان وعشرون سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت وهي التي آزرت النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة وجاهدت معه وواسته بنفسها
ومالها وأرسل الله إليها السلام مع جبريل وماتت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين وبشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة سودة بنت زمعة القرشية وتزوجها بعد خديجة
عائشة بنت أبي بكر الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات وهي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضها عليه الملك قبل نكاحها في سرقة من حرير وقال هذه امرأتك ولم يتزوج بكرا
غيرها ونزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها وكانت أحب الخلق إليه صلى الله عليه وسلم ونزل عذرها من السماء واتفقت الأمة على كفر قاذفها وهي أفقه نسائه وأعلمهن بل أفقه نساء الأمة وأعلمهن
على الإطلاق وكان الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرجعون إلى قولها ويستفتونها حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية طلقها النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل وقال لا
تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية ويقال لها أم المساكين أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية وهي آخر نسائه موتى وهي التي لما تقدم
لها النبي صلى الله عليه وسلم اعتذرت بأنها غيرة ومصبية وكبيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الغيرة فيذهبها الله وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل ما أصابك وأما ما ذكرت من
العيال فإنما عيالك عيالي وكانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات جويرية بنت الحارث المصطلحة وهي أبرك امرأة على قومها حيث
اعتقوا بسببها أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية الأموية تزوجها وهي في الحبشة ودفع مهرها النجاشي أربعمائة دينار صفية بنت حيي بن أخطب سيد بن النظير وهي من ذرية نبي الله هارون صلى
الله عليه وسلم بنت نبي وزوجة نبي ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة كنوز السيرة الحكمة من تعدد أزواجه أولا
إن النبي صلى الله عليه وسلم ما تزوج بكرا قط بل إن خديجة رضي الله عنها أم المؤمنين كانت ثيبا كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تزوج عليها حتى توفيت وكان النبي إذ ذاك قد بلغ الخمسين
من عمره ولا شك أن الإنسان إذا بلغ الخمسين من عمره فإن الشهوة عنده تضعف ثانيا كل النساء التي تزوج بهن إنما كن مطلقات أو أرامل ما عدا عائشة رضي الله عنهن فزواجه منهن كانت له حكمة
عظيمة ألا وهي أن ينشرن عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث في البيت مما تقتدي به الأمة بعده وهناك حكم أخرى ليس هذا مجال تفصيلها كنوز السيرة خاتم نبوته صلى الله عليه وسلم خاتم
النبوة كما قد ذكره السائب بن يزيد رضي الله عنه قال ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وجع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه
ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه مستديرا مثل الشمس والقمر ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده وعن
سلمان الفارسي رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فألقى إلي رداءه وقال انظر إلى ما أمرت به قال فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمام كنوز السيرة دلائل نبوته صلى الله
عليه وسلم وهي كثيرة جدا نذكر منها قال الله تبارك وتعالى وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر فتولى عنهم وقد اتفق
العلماء على أن القمر انشق للنبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث بهذا كثيرة جدا منها ما أخرجه الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق
القمر بمكة فلقتين قال اقتربت الساعة وانشق القمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وتقطعت السبل فادعوا الله لنا يغيثنا قال أنس فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا
قال أنس والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت في السماء انتشرت ثم أمطرت قال والله ما رأينا
الشمس ستة أي ستة أيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما وقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل ادعوا الله يمسكها قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك فسألت أنس أهو الرجل الذي سأل أولا قال لا أدري وعنه رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الماء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع
من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا عن آخرهم وعنه رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء فأتي بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه أن يتوضأوا فوضع كفه في الماء فجعل
الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم فقلت لأنس كم كنتم قال كنا ثلاثمئة وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كنا يوم الحديبية أربع عشرة مئة والحديبية بئر فنزحناها
حتى لم نترك فيها قطرة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير البئر فدعا بماء فتمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركابنا عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما
سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل فمر عمر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل فمر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ومن أين لكم هذا اللبن فقالوا أهداه لنا فلان
أو آل فلان قال أبا هريرة قلت لبيك يا رسول الله فقالوا أهداه لنا فلان أو آل فلان قالوا أهداه لنا فلان قالوا أهداه لنا فلان قالوا أهداه لنا وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها
بقية يومي وليلتي وقلت أنا الرسول فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم وقلت ما يبقى لي من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد فانطلقت فدعوتهم
فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال أبا هريرة خذ فأعطهم قال فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم ودفعت
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ القدح فوضعه في يده
ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال أبا هريرة قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال فاقعد واشرب قال أبو هريرة فاقعدت وشربت ثم قال اشرب فشربت فما زال يقول لي
اشرب فأشرب
ثم قلت لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا قال ناولني القدح فرددت إليه القدح فشرب منه الفضلة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء قالت نعم فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يديه ولافتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت به ووجدت رسول الله صلى
الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس فقمت عليه فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك أبو طلحة قلت نعم قال بطعام قلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا فانطلق
وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليس عندنا ما نطعمهم فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أم يا أم سليم ما عندك فآتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت أم
سليم عكا فآدمت
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء أن يقول ثم قال إئذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا
ثم قال إئذن لهم فأكلوا حتى شبعوا
ثم قال خذوا في أوعيتكم فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء حتى ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا وفضل فضله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله
لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته
فاتبعته بإداوة من ماء فنظر فلم ير شيئا يستثر به وإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى
فأخذ بغصن من أغصانها وقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأم بينهما وقال التأيما علي بإذن الله فالتأيما علي بإذن
الله قال جابر قال جابر فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي فيبعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفته فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما
على ساق فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف وقفه قال برأسه هكذا يمينا وشمالا أن ينظر حوله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل أعرابي
فلما دنا منه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير قال ما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال هل من شاهد
على ما تقول قال هذه الشجرة فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه صلى الله عليه وسلم فاستشهدها ثلاثا ورجع الأعرابي إلى قومه
فقال إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار
يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال إن شئتم فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي
يسكن قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها عن أنس رضي الله عنه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم
إلى جذع منها فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكنت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه وأنه مستصعب عليهم فمنعهم ظهره وأن الأنصار
جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنه كان لنا جمل نسني عليه وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فدخل
الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه فقالت الأنصار يا رسول الله إنه قد صار مثلنا وإنا نخاف عليك صولته فقال ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كان قط حتى أدخله في العمل فقال له أصحابه يا رسول الله هذه البهيمة لا تعقل تسجد لك
ونحن أحق أن نسجد لك فقال لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس
بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال عدا ذئب على شات فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعد الذئب على ذنبه فقال ألا تتق الله تنزع مني
رزقا ساقه الله إلي فقال الراعي يا عجبي ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق قال فأقبل الراعي يسوق
غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي
ثم خرج فقال للراعي أخبرهم فأخبرهم الراعي بما سمع من الذئب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك
نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده رضي الله عنه قال إن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال له صلى الله عليه وسلم كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت ما يمنعه
إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عز فينا
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي عليه غفورا رحيما فيكتب الرجل عليما حكيما فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم أكتب كذا وكذا قال أكتب كيف شئت ويملي عليه عليه عليما حكيما فيكتب
سميعا بصيرا فيقول أكتب كيف شئت قال فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين وقال للمشركين أنا أعلمكم بمحمد وإني كنت لا أكتب إلا ما شئت فمات ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم
إن الأرض لا تقبله قال أنه فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا فقال أبو طلحة ما شأن هذا الرجل قالوا قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض كذلك من دلائل نبوته
ما وقع له عند أم معبد لما سألها ما هذه الشات يا أم معبد قالت فهل جهد عن الغنم قال هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال أتأذنين أن أحلبها قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا
فاحلبها فدعا بها فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت ودعا بإناه فحلب ثجا حتى علاه البها ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم صلى
الله عليه وسلم فهذه بعض معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص الإمام النووي بشرحه على صحيح الإمام مسلم على أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومئتين كنوز السيرة صفته
الخلقية صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها يوما مسرورا وأسارير وجهه تبرق عن امرأة من همدان قالت حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعنه
يطوف في الكعبة بيده محجا قال أبو إسحاق السبيعي شبهيه قالت القمر ليلة البدر لم أرى قبله ولا بعده مثله وعن الربيع بنت معوذ قيل لها صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لو رأيته
قلت الشمس طالعة وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا آدم وليس بجعد قطط
ولا بالسبط بعث على رأس أربعين سنة وتوفي وهو ابن ستين سنة وليس في رأسه ولا لحيته عشرون شعرة بيضاء وعنه توفي عن ثلاث وستين سنة وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله
عليه وسلم ضليع الفم أشكل العينين منهوس العقبين وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وقد سئل عن شعر النبي صلى الله عليه وسلم قال كان لا سبط ولا جعد بين أذنيه وعاتقه وقال كذلك كان شعر رسول
الله صلى الله عليه وسلم يضرب منكبيه وفي رواية أنه كان إلى أنصاف أذنيه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا بعيد ما بين المنكبين يبلغ شعره شحمة
أذنيه عليه حلة حمراء ما رأيت شيئا أحسن منه لكن رضي الله عنه قال ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ولا شيئا ألينا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت رائحة قط أطيب من ريح رسول
الله صلى الله عليه وسلم لما قيل لأم معبد صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت رجل ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه فجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي
أشفاره وطف وفي صوته صحل وفي عنقه سطع وفي لحيته كثافة أزج أقرا إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سمى وعلاه البها أجمل الناس وأبهاهم من بعيد حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات
نظمن يتحدر ربعة لا يائس من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به وإن قال أنصتوا لقوله وإن قال أنصتوا لقوله فإن أمر تبادروا
لأمره محمود محشود لا عابس ولا مفند وهنا يأتي حديث من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي فرؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لا يترتب عليها شيء من الأحكام إلا أن
المسلم يفرح بذلك قال الإمام أحمد رؤية المؤمن تسره ولا تغر ولكن الذي يجب أن نتنبه إليه ألا وهو قوله فإن الشيطان لا يتمثل بي أي بصفته المعروفة فلا يمكن لأحد أن يجزم أنه رأى النبي صلى
الله عليه وسلم وهو لا يعرف صفته الخلقية صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة أخلاقه صلى الله عليه وسلم ورأينا الواحد منا يتشرف بواحدة منها أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر إما من نسب أو
جمال أو قوة أو علم أو حلم أو شجاعة أو سماحة حتى يعظم قدره ويضرب باسمه الأمثال ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة وعظمة ومنذ عصور خوال رمم بوال فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل
هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد ولا يعبر عنه مقال ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوة والرسالة والخلة والمحبة والاستفاء كان صلى الله عليه وسلم خلقه
القرآن فعن عائشة رضي الله عنها قالت كان خلقه القرآن وقال جل وعلا عنه وإنك لعلى خلق عظيم وقال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم صالح الأخلاق وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم أحسنهم خلقا وهذا عبد الله بن سلام رضي الله عنه يقول فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت بأن وجهه ليس بوجه كذاب
وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه ومن تقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله
فينتقم لله بها وقالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لم رأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك من محارم الله
فينتقم منه وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إنه صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله ما قال لي أف قط ولا قال لي فيما فعلته لما فعلت هذا ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا وعن أنس قال كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأشجع الناس وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا وأنه كان يقول خياركم أحسنكم
أخلاقا وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه وعن أنس رضي الله عنه قال كنت أمشي مع النبي
صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذا شديدا حتى نظرت إلى صفحة عاتقه قد أثرت به حاشية البرد ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك قال فالتفت
إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء وعنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع وإن استقبله بوجهه لا يصرفه عنه
حتى يكون الرجل ينصرف ولم ير مقدما ركبته بين يدي جليس له وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهوات إنما كان يتبسم وقال سماك
قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلى حتى تطلع الشمس وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم وعن جابر بن عبد الله
رضي الله عنهما قال لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان وعن عائشة
رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في بيته يخصف نعله ويخيط ثوبه فهذه بعض أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه كنوز السيرة عبادته صلى الله عليه وسلم عن المغيرة بن
شعبة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه فقيل يا رسول الله أليس قد غفرتك ورأى الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا وعن عائشة رضي
الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وكان لا تشاء تراه من الليل قائما إلا رأيته ولا تشاء تراه نائما إلا رأيته وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى أصبح يقرأوا هذه الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تعفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وقال صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين
مرة وفي رواية وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة كنوز السيرة جوده وكرمه صلى الله عليه وسلم حدث عن البحر ولا حرج قال جابر رضي الله عنه ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قال لا
وعن ابن عباس رضي الله عنه ما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وعن أنس رضي الله عنه قال إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى بلده
وقال أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وأعطى مئة من الإبل لأكثر من واحد وقد قالت خديجة رضي الله عنها تصفه إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم ورد على هوازن سباياها وكانوا ستة
آلاف وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله ما قال لا قط إلا في تشهده لو لا التشهد كانت لاءه نعم كنوز السيرة شجاعته وهيبته صلى الله عليه وسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال إني
لأضرب غلاما لي إذ سمعت صوتا من خلفي اعلم أبا مسعود قال فجعلت لا ألتفت إليه من الغضب حتى غشيني فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيته فقلت من يدي من هيبته فقال لي والله لله
أقدر عليك منك على هذا فقلت يا رسول الله لا أضرب غلاما لي أبدا وعن البراء رضي الله عنه قال كان إذا حمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به فقد ثبت صلى الله عليه وسلم يوم أحد
ويوم حنين كما مر ذكر ذلك في غزواته وعن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وجها وأجودهم كفا وأشجعهم قلبا وخرج يوما وقد فزع أهل المدينة فركب فرسا لأبي
طلحة عريا ثم رجع وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا لما أوذي من أهل مكة قيل له لو دعوت عليهم قال إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة قال القاضي عياض رحمه الله انظر في هذا القول من جماع
الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنه حتى عفى عنهم ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم صلى الله عليه وسلم ولما
جاءه غورث بن الحارث ليفتك به ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم تحت الشجرة وحده فلم ينتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلا وغورث معه السيف صلتا يقول لنبي الله صلى الله عليه وسلم من
يمنعك مني فقال صلى الله عليه وسلم الله فسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له من يمنعك مني قال كن خير آخذ فتركه صلى الله عليه وسلم وعفى عنه فرجع الرجل إلى قومه
فقال جئتكم من عند خير الناس وجيء إليه برجل فقيل هذا أراد أن يقتلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لم ترع لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله عليه ولما جاءه أبو سفيان بن الحارث وكان
قد أغضب النبي صلى الله عليه وسلم لما هجاه فقال أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فقال له صلى الله عليه وسلم لا تثريب عليكم اليوم يغفر
الله لكم وهو أرحم الراحمين وشهد له أبو سفيان بن حرب لما قال له ما أحلمك وأوصلك وأكرمك كنوز السيرة حياؤه صلى الله عليه وسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ورسول الله صلى الله
عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول
ولكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا ينهى عنه ولا يسمي فاعله وقالت عائشة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا بالأسواق ولا يجزي بالسيئات السيئة ولكن يعفو ويصفح
كنوز السيرة زهده صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متجع على حصير فأدنى إليه إزاره وجلس وإذا الحصير قد
أثر بجنبه فقلبت عيني في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين من شعير وقبضة من قرض نحو الصاعين فدمعت عيناي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما
يبكيك يا ابن الخطاب قلت يا رسول الله وما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته وهذه خزانتك وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت هكذا فقال يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة
ولهم الدنيا قلت بلى يا رسول الله قال فاحمدني وعن أنس رضي الله عنه قال فأثر بجلده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أمسحه عنه وأقول بأبي وأمي ألا آذنتنا فنبسط لك فقال ما لي
وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام انتباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله وعن عروسة رضي الله عنها قال وعن
عائشة رضي الله عنها قال كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أنقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار قال عروة فما كان عيشكم قالت الأسودان التمر
والماء إلا أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جزءا من الهلال وكان لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقيناه وقالت ما شبع رسول الله صلى الله
عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض وقالت كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم حشوه ليف هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في زهده وماذا نقول نحن عن حياتنا ما
نأكل وما نشرب وما نلبس وما ننام عليه ما نقول إلا الله المستعان كنوز السيرة مزاحه صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إني لا أقول إلا حقا وعن أنس رضي الله عنه قال
استحمل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أحملك على ولد ناقة فقال الأعرابي وما أصنع بولد ناقة يا رسول الله فقال وهل تلد الإبل إلا النوق ظن
الأعرابي أنه محب سيعطيه ولد ناقة الحوار الصغير وعن عائشة رضي الله عنها قالت سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته ما شاء الله حتى إذا رهقني اللحم سابقني فسبقني فقال هذه بتلك وعن
أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسين وعن أبي حمرة لسانه فيهش إليه فقال له عيينة بن بدر ألا أراك تصنع هذا فوالله إني ليكون لي ولد قد خرج
وجهه ما قبلته قط فقال النبي صلى الله عليه وسلم من لا يرحم لا يرحم وعن أم سلمة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه خرج تاجرا إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه نعيمان
وسويبط بن حرملة وهما بدريان وكان سويبط على زادهم فجاء نعيمان فقال أطعمني قال لا حتى يأتي أبو بكر وكان نعيمان مزاحا فقال لأبي عنك ثم أتى ناسا فقال لهم ابتاعوا مني غلاما ولكنه رأيه
رجل ذو لسان لعله يقول أنا حر فإن كنتم تاركيه إذا قال ذلك فدعوني ولا تفسدوا علي غلامي قالوا لا بل نبتاعه فباعه بعشر قلايص ثم جاءهم فقال هو ذا فقال سويبط هو كاذب أنا رجل حر قالوا قد
أخبرنا بخبرك وطرحوا الحبل عليه وربطوه وأخذوه فجاء أبو بكر فأخبروه فذهب وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوا سويبطا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعن أنس رضي الله عنه قال إن رجلا من أهل
البادية كان اسمه زاهرا وكان يهدي النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن زاهرا باديتنا ونحن حاضرته وكان هذا الرجل دميما فأتاه النبي صلى
الله عليه وسلم يوما وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال أرسلني من هذا فالتفت وعرف النبي صلى الله عليه وسلم وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول من يشتري العبد فقال يا
رسول الله
إذن والله تجدني كاسدا قال ولكنك عند الله لست بكاسد أو قال لكن عند الله أنت غالي وعن جرير رضي الله عنه قال ما حجبني الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم هذا مزاحه
صلى الله عليه وسلم وهو لا ينافي النبوة والهيبة التي له صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة منطقه صلى الله عليه وسلم كان أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداءا وأحلاهم منطقا حتى إن
كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح قالت عائشة رضي الله عنها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه وكان كثيرا ما
يعيد الكلام ثلاثا ليعقل عنه وكان إذا سلم سلم ثلاثا وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة ويتكلم بجوامع الكلم وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ولا يتكلم إلا فيما لا يعنيه وإذا كره شيئا
عرف في وجهه ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق وكان جل ضحكه التبسم بل كله التبسم فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه كنوز السيرة بكاؤه صلى الله عليه وسلم وكان بكاؤه من جنس
ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهمل ويسمع في صدره أزيز وكان بكاؤه تارة رحمة للميت وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها وتارة من خشية الله وتارة عند سماع القرآن ولما
مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكاء صلى الله عليه وسلم وبكاء لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض وبكاء عندما قرأ عليه عبد الله بن مسعود سورة النساء وصلى صلاة الخوف وبكاء كنوز السيرة صفته
صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل قال الله تبارك وتعالى يا ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد فلما
جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين وقال جل ذكره الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف يأمرهم بالمعروف
وينهاهم عن المنكر ومع التحريف والتبديل والتغيير لازلنا نجد صفة واسم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل صفاته في الإنجيل إنجيل متى في إنجيل متى في الإصحاح الخامس عشر
ما يدل على أن عيسى مرسل إلى بني إسرائيل خاصة قال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة إصحاح الحادي عشر قال عيسى عليه السلام لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنى تنبأوا وإن أردتم
أن تقبلوا فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي من له أذنان للسمع فليسمع وإيلياء هو أحمد صلى الله عليه وسلم وعرفنا ذلك عن طريق حروف أبجد هوز حروف تدل على أرقام أبجد هوز حطي كلم سعفص قرشت
ثخذ بضغ فالألف بواحد والباء بثنين والجيم بثلاثة والدال بأربعة والهاء بخمسة والواو بستة والزاي بسبعة والحاء بثمانية والطاء بتسعة والياء بعشرة والكاف بعشرين واللام بثلاثين والميم
بأربعين والنون بخمسين والسين بستين والعين بسبعين والفاء بثمانين والصاد بتسعين والقاف بمئة والراء بمئتين والشين بثلاثمئة والتاء بأربعمئة والثاء بخمسمئة والخاء بستمئة والذال بسبعمئة
والضاد بثمانمئة والضاء بتسعمئة والغين بألف فإيلياء على حساب أبجد هوز الألف بواحد والياء بعشرة واللام بثلاثين والياء بعشرة والألف بواحد يساوي ثلاثا وخمسين وأحمد الألف بواحد والحاء
بثمانية والميم بأربعين والدال بأربعة يساوي ثلاثا وخمسين وخمسين وعشر قال عيسى إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد وهو روح الحق
وكلمة المعزي هي تعريف وإن شئت قل تحريف لكلمة بارق ليطوس وهي كلمة يونانية معناها كثير الحمد أي محمد صلى الله عليه وسلم وكنا قد ذكرناه سابقا في قصة إسلام عبد الله المايورقي في قصة
وفد نجران عام الوفود سنة تسع من الهجرة صفاته في التوراة جاء في التوراة في كتاب أشعياء الإصحاح الثاني والأربعون هو ذا عبد الذي أعضده مختار الذي سرت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق
للأمم لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق للأرض وتنتظر الجزائر شريعته فبالطبع ليس بعيسى لأنه لم تكن له شريعة خاصة وإنما كان متمما لشريعة موسى
عليه السلام وأما قوله في الشارع صوته فهذا مصداق قول عائشة رضي الله عنها لم يكن النبي فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئات السيئة سفر التثنية في الإصحاح الثالث
والثلاثين قال موسى جاء الرب من سيناء بلد موسى وأشرق من سعير موطن عيسى وتلألأ من جبل فاران وهذه شبيهة بقول الله تعالى فالتين والزيتون هي بلد عيسى فلسطين وطور سينين هي بلد موسى مصر
والبلد الأمين بلد محمد صلى الله عليه وسلم مكة وهي التي سكنها إسماعيل عليه السلام وهذا في الإصحاح الحادي والعشرين وإسماعيل إنما سكن في مكة وقال لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي
سكنها قيدار وهو ولد إسماعيل عليه السلام هذا في الإصحاح الخامس والعشرين وقال لتترنم سكان سالع وهو جبل في المدينة وهي جبال سلع من رؤوس الجبال وفي قصة إسلام سلمان الفارسي قال عن نفسه
أنه قد رحل في طلب الحق إلى الشام ثم إلى الموصل ثم إلى نصيبين ثم إلى عمورية فلما احتضر الأسقف هناك قال له سلمان إلى أين؟
أي إلى من أذهب قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحدهم على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث في الحرم مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل وإن فيه علامات لا
تخفى بين كتفيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل إنه قد أظلك زمانه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو سيد البشرية صلى الله عليه
وسلم وخليل الرحمن جل وعلا نسأل الله تبارك وتعالى أن يحشرنا تحت لوائه وبين يديه صلى الله عليه وسلم آمين آمين آمين والله أعلى وأعلم نبينا محمد كنوز السيرة
1 - 2 قراءة كاملة لكتاب كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس (المقطع الأول)
بسم الله الرحمن الرحيم كنوز السيرة عرض لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ولادته حتى وفاته كنوز السيرة للشيخ الدكتور عثمان بن محمد الخميس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ومنها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم
رقيبا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما
أما بعد فالحمد لله الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وأسبغ على أوليائه نعمه ظاهرة وباطنة وبعث فيهم رسولا من أنفسهم مولدا ومن أنفسهم عجما وعربا وهو أمينه على وحيه وخيرته من خلقه وسفيره
بينه وبين عباده المبعوث بالدين القويم والنهج المستقيم أرسله الله رحمة للعالمين وإماما للمتقين وحجة على الخلائق أجمعين أرسله الله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوى من الطرق
وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه وسد دون جنته الطرق فلن تفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار
على من خالف أمره وهو أرجح الناس عقلا وحلما وأوفرهم علما وفهما وأقواهم يقينا وعزما وأشدهم بهم رأفة ورحمة وزكاه روحا وجسما وآتاه حكمة وحكما وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقال جل
جلاله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين
به ويدخل في عداد أتباعه والناس بين مستقل ومستكثر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء نسأل الله بمنه وكرمه وعظيم نوله أن نكون من أتباع هذا النبي الكريم ظاهرا وباطنا آمين آمين آمين قال
القاضي عياض عن منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه لا خفاء على من مارس شيئا من العلم أو خص بأدنى لمحة من فهم بتعظيم الله تعالى قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وخصوصه إياه
بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام وتنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام فمنها ما صرح به تعالى في كتابه ونبه به على جليل نصابه وأثنى عليه من أخلاقه وآدائه وحض العباد
على التزامه وتقلد إيجابه فكان جل جلاله هو الذي تفضل وأولى ثم طهر وزكى ثم مدح بذلك وأثنى ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى فله الفضل بدءا وعودا والحمد أولى وأخرى ومنها ما أبرزه للعيان من
خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال وعلمها علم يقين من جاء بعده صلى الله عليه وسلم عن أنس رضي الله عنه قال وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم منوها بفضله حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف
رحيم فجاءت قراءة من أنفسكم وقراءة أخرى من أنفسكم وقال جل ذكره وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وقال ألم نشرح لك
صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك ورفع الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة وقيل بشهادة التوحيد وقيل بالأذام وكلها لا شك من رفع الذكر وقال جل ذكره إن الله
وملائكته يصلون على النبي وقال جل ذكره من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك
الله نصرا عزيزا وغير ذلك كثير وإن الحديث عن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ليبعث في النفس الحياة ويعيد لها الأمل وذلك أن من يقرأ سيرة سيد المرسلين يقرأ الدعوة إلى الحق والصبر
فيها ولها ويقرأ الحلم والأخلاق المتميزة والعبادة الكاملة والبذل والجهاد إنه يقرأ الحياة كلها يقرأ الحياة التي ينبغيها ويقرأ الحياة التي ينبغي أن يعيشها المسلم وسنحاول من خلال هذه
الورقات التعرف على حياة سيدنا وإمامنا وقدوتنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة الفصل الأول ما قبل بعثته صلى الله عليه وسلم اسمه ونسبه هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب
ابن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وفهر هذا هو قريش فكل قرشي فهري وهو صلى الله عليه وسلم مضاري أن يرجع نسبه إلى مضر ثم إلى عدنان من ولد
إسماعيل عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصطفى قريشا من كنانه وصطفى من قريش بني هاشم وصطفاني من بني هاشم وجد النبي صلى الله عليه وسلم الخامس عبد مناف وكان على المشهور
له أربعة من الولد وهم هاشم المطلب عبد شمس ونوفل فرسولنا صلى الله عليه وسلم يرجع نسبه إلى هاشم وهاشم هذا اسمه عمر ولقب بهاشم لأنه كان يهشم الخبز أي يكسره ويقطعه ويقدمه للحجاج وهو
أول من أطعم الثريد للحجاج والثريد هو الخبز مع اللحم وهو كذلك أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء ورحلة الصيف قال الشاعر عمر الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافي سنت إليه
الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصيافي وأولاد هاشم عبد المطلب وأسد وعمر ونضلة وتزوج هاشم من بني النجار من أهل المدينة وعبد المطلب لقب كذلك واسمه شيبة الحمد وقال لقب بعبد المطلب
لأنه كان عند أخواله بني النجار في المدينة لما توفي والده فذهب المطلب أخو هاشم إلى المدينة وأتى بابن أخيه ليكون عند أعمامه فلما دخل به مكة ظن أهل مكة أنه عبد اشتراه المطلب فقالوا
هذا عبد المطلب فقال لهم المطلب لا إنما عبد المطلب ما هو ابن أخي هاشم فغلب عليه ذلك اللقب وصار لا يسمى إلا بعبد المطلب وعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في زمنه حادثتان
لم يغفلهم التاريخ الحادثة الأولى حفر زمزم خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام كان قد تزوج سارة ولكنه لم يرزق منها بوليده فأهدته سارة جارية لها اسمها هاجر فولدت له إسماعيل ثم وقعت
الغيرة في قلب سارة وطلبت من إبراهيم عليه السلام أن يبعدها عنها فانطلق بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء إلى مكة المكرمة وتركهما هناك نادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا
قال إلى الله قالت رضيت بالله فرجعت وظلت في مكة مع ولدها إسماعيل حتى فني الماء فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا قال فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا فلما بلغت
الوادي سعت حتى أتت المروة ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل تعني الصبي فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا
فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض فانبثق الماء فدهشت أم
إسماعيل فجعلت تحفر قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم لو تركته كان الماء ظاهرا فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها فمر ناس من قبيلة جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا
ذاك وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هم بالماء فأتوا إليها فقالوا يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك أو نسكن معك ولما بلغ إسماعيل مبلغ الرجال تزوج امرأة
منهم ثم إن إبراهيم قال لسارة إني مطلع تركتي فجاء فسلم فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد قال إذا جاء غير عتبة بابك فلما جاء أخبرته فقال أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك قال ثم إنه بدى
لإبراهيم أن يزورهم بعد أن تزوج إسماعيل فجاء فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد فقالت ألا تنزل فتطعم وتشرب فقال وما طعامكم وما شرابكم قالت طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم
بارك لهم في طعامهم وشرابهم فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بركة بدعوة إبراهيم ثم إنه بدى لإبراهيم أن يزورهم مرة رابعة قال الشيخ في الهامش لأنه زارهم وإسماعيل كان صغيرا لما أمره
الله أن يذبح ولده ثم لما كان مع زوجته الأولى التي طلقها ثم مع زوجته الثانية وهذه هي الزيارة الرابعة فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له فقال يا إسماعيل إن ربك أمرني أن
أبني له بيتا قال أطع ربك قال إبراهيم إنه قد أمرني أن تعينني عليه قال إذن أفعل أو كما قال فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم
حتى ارتفع البناء وضعف إبراهيم عن نقل الحجارة فجعل يناوله الحجارة ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ثم مرت السنون تلو السنين حتى خفيت معالم زمزم وقد ذكر أن عبد المطلب كان
نائما يوما ما فرأى في المنام أنه يؤمر بحفر زمزم ودل على مكانها في النوم فقام إلى المكان الذي أمر في المنام بحفره فحفره ووجد الماء ثم أقام بعد ذلك سقاية الحاج الوقعة الثانية مجيء
أبرهة الحبشي لهدم الكعبة وقصة أبرهة كما ذكرها أهل العلم هي بنا أبرهة الحبشي كنيسة عظيمة بصنعاء لم ير في زمانها مثلها فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من كنانه فخرج
حتى دخل الكنيسة في وقت لم يره فيه أحد فجاء وأحدث في الكنيسة أي تبرز في الكنيسة فلما أخبر أبرهة بذلك قال من صنع هذا فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع
بقولك إنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب غضبا شديدا وقال لأهدمن الكعبة وهنا لابد من التنبيه على نقطة مهمة وهي أنه لا شك أن هذا الرجل سمع بمنكر وهو أن أبرهة أراد أن يصرف حج
العرب من مكة إلى هذه الكنيسة فغضب لأجل هذا الأمر فأنكر ذلك المنكر بأن لطخ الكنيسة بالعذرة وهذا في مقابله أوجد عند أبرهة غضبا شديدا فعزم بعد ذلك على هدم الكعبة وقد نص أهل العلم وقال
أنه لا يجوز إنكار المنكر بإيقاع منكر أعظم منه بل لابد أن يكون إنكار المنكر بحيث أن لا يقع بعد ذلك أو على إثره منكر أعظم منه غضب أبرهة لهذا الفعل وحلف ليسيرا إلى البيت حتى يهدمه
ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت وسار بستين ألفا وأخرج معه الفيلة والعرب لا تعرف الفيلة في ذلك الوقت ويذكر أن رئيس الفيلة فيل يسمونه محمودا فلما تجهز وسار سمع العرب بذلك فأعظموه وفضعوا
به ورأوا أن قتاله حق عليهم وهم وإن كانوا على الشرك لكنهم كانوا يعظمون بيت الله تبارك وتعالى يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه من العرب إلى حرب أبرهة ولكن أبرهة هزم ذا نفر وأصحابه
وأسره معه ثم مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن معتبين الثقافي فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف وليس بيتك فقال لنا هذا الذي تريد يعنون اللات إنما
تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا معه رجلا يقال له أبو رغال ليدله على الطريق فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى نزل بالمغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هناك فبعد ذلك
رجم العرب قبره أبي رغال وذلك أنهم يرون أنه كان رجل سوء لأنه كان دليلا لأبرهة إلى هدم بيت الله الحرام وفيه يقول جرير في هجوه الفرزدق وكان يتهاجيان دائما وبينهما نفرة يقول جرير إذا
مات الفرزدق فارجموه كرجمكم لقبر أبي رغال فلما نزل أبرهة بالمغمس فبعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود على خيل له حتى أتى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مئتي بعير
لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم لقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم لقتال أبرهة وبعث أبرهة رجلا يقال له حناطة إلى مكة وقال سل عن سيد
أهل هذا البلد وشريفهم ثم قل له إن الملك يقول إني لم آت لحربكم وإنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا لنا دونه فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فأتني به وقال قريش بما قال
أبرهة وخرج معه عبد المطلب لأنه سيد قريش في ذلك الزمن فلما دخل عبد المطلب على أبرهة احتار أبرهة ماذا يفعل وذلك أنه أراد أن يكرم عبد المطلب قال إن أجلسته معي على عرشي كان في هذا
منقصة لي وإن تركته وأنا على العرش كان في ذلك منقصة لي فنزل عن عرشه وجلس مع عبد المطلب على الأرض وأول ما كلمه قال لعبد المطلب ماذا تريد قال لقد أخذتم مئتين من الإبل لي فأعيدوها فغضب
أبرهة وقال لقد ظننتك أكبر من هذا وأعظم جئتني تسألني عن إبلك ولا تطلب مني أن أرجع عن البيت وأن لا أهدمه قال عبد المطلب كلمة كانت في وقتها حساسة جدا ثم صارت بعد ذلك مثلا يضرب قال عبد
المطلب أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه فقال أبرهة ما كان لي امتنع مني قال أنت وذاك فقال أبرهة ردوا عليه إبله فلما رجع عبد المطلب إلى قريش وقال لهم أخرجوا من مكة فلا طاقة لكم بقتال
أبرهة فخرجوا إلى الجبال ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده وقال عبد المطلب اللهم إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
ويغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدى لك ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب وانطلق ومن معه إلى الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ماذا يفعل أبرهة فلما أصبح أبرهة
تهيأ لدخول مكة وهيأ في له وعبأ جيشه ويأتي الفيل محمودا إلى مكة برك ولم يمشي معهم وبالتالي لم تمشي بقية الفيلة فقال بعضهم ما منع الفيل قالوا لا ندري قال اضربوه فضربوا الفيل فأبى
فوجهوه إلى اليمن فقام ووجهوه إلى الشام فقام ووجهوه إلى المشرق فقام فلما وجهوه إلى مكة
ثم بعد ذلك فوجئوا بأن أرسل الله تبارك وتعالى عليهم الطير الأبابيل كما قال الله تبارك وتعالى من سجيل فجعلهم كعصف مأكول نعم هكذا أرسل الله تبارك وتعالى الطير الأبابيل ورمت أبرهة ومن
معه بحجارة من سجيل فأهلكهم الله تبارك وتعالى جميعا وقيل إنه بقي بعضهم حتى يخبروا قومهم بما فعل الله تبارك وتعالى كنوز السيرة أعمامه صلى الله عليه وسلم يذكر أن عبد المطلبي كان له 12
ولدا وهم الحارث وهو أكبرهم حمزة العباس أبو طالب أبو لهب حجل الزبير الغيداق المقوم صفار وقيل ضرار عبد الكعبة وعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم وأولاد عبد المطلبي ينقسمون إلى
ثلاثة أقسام الأول قسم أدرك الإسلام ودخل فيه وهما حمزة والعباس الثاني قسم أدرك الإسلام ولم يدخل فيه وهما أبو طالب وأبو لهب الثالث قسم لم يدرك الإسلام وعلى المشهور أن عبد المطلبي لما
حفر زمزم منعته قريش من أخذه لها ولم يكن له ولد يمنعه فحزن لأجل هذا ونذر قائلا لئن رزقني الله عشرة من الولد لأذبحن أحدهم تقربا لله فرزقه الله تبارك وتعالى أولئك الأولاد فأراد أن
يوفي بنذره فعمل قرعة فوقعت القرعة على ولده عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم فلما أراد ذبحه قامت إليه قريش ومنعته فقال عبد المطلب فكيف أصنع بنذري فأشاروا عليه بأن يأتي العرافة
فيسألها فجاءها وسألها فأمرته أن يقرع بين ابنه عبد الله وعشرة من الإبل فقرع فوقعت القرعة على عبد الله فقالت له زد عشرة فزاد عشرة من الإبل فوقعت القرعة على عبد الله فقالت له زد عشرة
وهكذا كلما زاد عشرة من الإبل كانت تقع القرعة على ولده عبد الله حتى بلغت الإبل مئة فأقرع فوقعت القرعة على الإبل عند ذلك قام عبد المطلب فنحر الإبل ثم تركها لا يرد عنها أحدا من البشر
أو السباع وكانت الديات عند العرب في ذلك الوقت عشرا من الإبل فبعد هذه الحادثة صارت الدية عند العرب مئة من الإبل والإسلام أقرها فالدية الآن في دين الله تبارك وتعالى مئة من الإبل ولم
يكن لها أخ فيكون خالا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا عبد يغوث بن وهب ولكن بنو زهرة يقولون إنهم أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت منهم
خالاته صلى الله عليه وسلم والثانية فريعة بنت وهبن الزهرية وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعها بيده وقال من أراد أن ينظر إلى خالة رسول الله فلينظر إلى هذه كنوز السيرة ولادة النبي
صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول على المشهور وقال الله تبارك وتعالى على البشرية بولادة سيد المرسلين وأمام المتقين وقائد الغر المحجلين وذلك بعد حادثة الفيل بأشهر في مكة المكرمة
وولد يتيم الأب لأن أباه مات وأمه حامل به وكانت ولادته صلى الله عليه وسلم ولادة معتادة ولم يتمكن المؤرخون كما يذكر أهل العلم من تحديد يوم مولده وشهره على وجه الدقة أما يوم المولد من
أيام الأسبوع فهو يوم الاثنين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك يوم ولدت فيه ولكن في أي اثنين الله أعلم قيل في التاسع من ربيع الأول وقيل في الثاني عشر وقيل غير ذلك وقيل في رمضان
وقيل في الثاني عشر من ربيع الأول وتحديد يوم ميلاده صلى الله عليه وسلم لا يرتبط به شيء من الناحية الشرعية وأما ما يقوم به كثير من الناس في كثير من بلاد المسلمين من الاحتفال بيوم
مولد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عمل غير صالح وذلك لأمور منها أولا أنه لا يعرف المسلمين ثانيا لم يحتفل النبي صلى الله عليه وسلم بيوم مولده في حياته أبدا مع أنه عاش ثلاثا وستين
سنة صلى الله عليه وسلم ثالثا لم يحتفل الصحابة ولا التابعون ولا الأئمة المتبوعون بيوم مولده ولو كان خيرا لسبقونا إليه رابعا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بذلك مع أنه قال ليس
شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به خامسا المتفق عليه بين أهل العلم أن الثاني عشر من ربيع الأول هو يوم وفاته صلى الله عليه وسلم فلو احتفلنا في هذا اليوم فكأننا
نحتفل بيوم وفاته فلما لم يأمرنا به صلى الله عليه وسلم فليس بخير والخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع قال النبي صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه
فهو رد أي مردود على صاحبه كنوز السيرة مرضعاته صلى الله عليه وسلم وما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أرضعته ثويبة وهي مولاة عمه أبي لهب وكانت قد أرضعت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عمه
حمزة فيكون أخا للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وأمهما جميعا من الرضاعة ثويبة مولاة أبي لهب ولم يدم هذا الأمر طويلا لأنه كان من عادة العرب أنهم يلتمسون المراضع لأولادهم لمدة
سنتين ثم تفطمه وتعيده إلى أمه ونترك حليمة السعدية تذكر لنا قصتها مع النبي صلى الله عليه وسلم تقول حليمة السعدية خرجت من بلدي مع زوجي وابن لي صغير أرضعه في نسوة من بني سعد بن بكر
ألتمس الرضعاء وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا فخرجت على أتاني لي قمراء أي بيضاء معنا شارف لنا أي ناقة والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع
والله ما في ثدي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكننا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه
وسلم فتأباه وذلك إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي والله إني لأكره
أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل فيه بركة سبحان الله هذه المسكينة حليمة السعدية لا تدري أن الخير
والبركة كلها في هذا اليتيم صلى الله عليه وسلم قالت فرجعت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثديايا بما شاء
من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم نام وما كنت أحبه وكنا ننام معه قبل ذلك من بكائه وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل أي مملوءة لبنى فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى
انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة فقال لي صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة فقلت والله يا حليمة والله إني لأرجو ذلك ثم خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها
معي أي حملت النبي صلى الله عليه وسلم فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم أي سبقتهم في المسير حتى إن صواحبي ليقلن لي يبنة أبي ذؤيب ويحكي أربعي علينا أي لا تسرعي أتانك
التي كنت خرجت عليها فأقول لهم بلى والله إنها لهي هي فيقول والله إن لها شأنا ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا بها
معنا شباعا لبنى فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطر لبن لأن الأرض جدبا حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم أسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة
لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنة وفصلته أي فطمته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا أي قويا فقدمنا به على
أمه ونحن أحرص على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت ابني عندي حتى يغلب فإني أخشى عليه وباء مكة وهي لا تخشى عليه الوباء ولكنها تريده لما رأت من الخير عند
مجيئه صلى الله عليه وسلم قالت فما زلت بها حتى ردته معنا كنوز السيرة طفولته صلى الله عليه وسلم وحادثة شق صدره الشريف وهكذا بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني سعد من عمره أو
الخامسة وقع حادث عجيب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقه فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست
من ذهب بماء زمزم ثم لأمه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا إن محمدا قد قتل لأنهم رأوا الملك جاء إليه وشق صدره وأخرج قلبه فخرجت حليمة مع زوجها ينظران إلى مقتل النبي صلى الله عليه
وسلم فوجداه قائما صلى الله عليه وسلم ولكنه منتقع اللون لأن هذا الأمر غريب بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وهذه آية من آياته والله جل وعلا على كل شيء قدير وعندها خافت حليمة على
النبي صلى الله عليه وسلم فردته إلى أمه وفاة أمه صلى الله عليه وسلم ولما بلغ سادسة من عمره خرجت أمه به لتزور قبر والده في طريق المدينة فزارت قبر أبيه وكان معها في سفرها هذا جده عبد
المطلب وخادمتها أم أيمن فبعد أن زارت قبر والده وهم في الطريق إلى مكة ماتت أمه صلى الله عليه وسلم في مكان بين مكة والمدينة يقال له الأبواء فبعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يتيم
الأب وعندما بلغ سادسة من عمره يتيم الأب والأم بأبي هو وأمي ثم كفله جده ورباه ولما بلغ الثامنة من عمره مات جده عبد المطلب فأخذه عمه أبو طالب ورباه حتى بلغ سن الرجال صلى الله عليه
وسلم وقد قام أبو طالب بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خير قيام كنوز السيرة حادثة النبي صلى الله عليه وسلم مع الراهب بحيرا ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج
مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة له فمر الركب على راهب يقال له بحيرا في مكان يقال له بصرا نزل به أبو طالب ومن معه أكرم ضيافتهم ثم قال من معكم قالوا نحن قال ما معكم أحد آخر قالوا
معنا صبي عند متاعنا قال أتوني به فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ورآه بحيرا الراهب نظر في وجهه وكان يعرف أن هذا الوقت وقت خروج نبي فوجد خاتم النبوة وهو عبارة عن ورمة في كتف النبي
صلى الله عليه وسلم من الخلف بحجم البيضة فقال بحيرا لأبي طالب إنكم حينما أشرفتم من العقبة لم يبقى حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا ولا تسجد هذه إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل
غضروف كتفه مثل تسجده وقد وجدناه في كتبنا فرجع به فإني أخاف عليه اليهود فرجع به إلى مكة قال الذهبي رحمه الله وهو حديث منكر جدا وأين كان أبو بكر كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول
الله صلى الله عليه وسلم بسنتين ونصف وأين كان بلال في هذا الوقت فإن أبا بكر لم يشعر به إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد وأيضا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة لأن
ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها ولم نرى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أبا طالب قط بقول الراهب ولا تذاكرته قريش ولا حكته أولئك الأشياخ ولم يكن أبا دور هممهم ودواعيهم على
حكاية مثل ذلك فلو وقع لاشتهر بينهم أي مشتهار ولبقي عنده صلى الله عليه وسلم حس من النبوة ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله ولما ذهب إلى شواهق الجبال
ليرمي نفسه صلى الله عليه وسلم وأيضا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا لخديجة وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية كنوز
السيرة حلف الفضول وحضر صلى الله عليه وسلم حلف الفضول وذلك حين بلغ الخامسة عشرة من عمره وهذا الحلف تدام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا
ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت وحمر النعم هي الإبل الحمراء التي تشتاق إليها نفوس العرب وتحبها كنوز السيرة شبهة تعر النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفضل الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة قال
فحله فجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه قال فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا وبدأ أهل البدع يشنعون كيف تعر النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون والرد
على هؤلاء يكون بما يأتي أولا هذا الحديث صحيح الإسناد لا غبار عليه فقد أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الصلاة باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها فهذا الحديث قبل بعثة النبي صلى
الله عليه وسلم وقال الزهري رحمه الله لما بنت قريشن الكعبة لم يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام الحلم ثانيا التعري عند أهل العلم يجوز إن كان لمصلحة شرعية راجحة كجواز التعري أثناء
العلاج فتعري النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة أولا وعلى قربة يتقرب بها لله جل وعلا وهي بناء الكعبة كما حدث لنبي الله موسى عليه السلام لما اتهمه قومه برجولته فبرأه الله مما
قالوا وهذا كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فبنوا إسرائيل يغتسلون عراتا ينظر بعضهم إلى بعض وكان موسى صلى الله عليه وسلم يغتسل وحده
فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل فقالوا والله ما بموسى
من بأس وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا فقال أبو هريرة والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ثالثا ليس في الحديث أنه تعرى أمام الناس صلى الله عليه وسلم رابعا حينما تعرى أمام عمه فقط لم يقر
على ذلك وأغشي عليه وما رؤي عريانا بعد ذلك كنوز السيرة قبل البعثة كان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة يرعى الغنم مقابل مال قليل لأهل مكة فعن جابر قال كنا مع النبي صلى الله
عليه وسلم بمر الظهران ونحن نجن الكباث وهي ثمر الأراك السواك قال فقلنا يا رسول الله كأنك رعيت الغنم قال نعم وقال صلى الله عليه وسلم ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت
قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة قال أهل العلم لعل الحكمة من إلهام الأنبياء من رعيهم وخص الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر وبعد رعي الغنم
اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة كنوز السيرة زواجه صلى الله عليه وسلم بلغ خديجة بنت خويلد ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم من كريم الأخلاق والأمانة فبعثت إليه وخديجة من
أشراف قومها من بني مخزوم وأرسلت معه غلاما لها يقال له ميسرة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمالها وتاجر لها ولما رجع إلى مكة أخبرها ميسرة بما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من كريم
خلقه وحسن تعامله وما كانت من بركة وقعت له صلى الله عليه وسلم كل هذا جعلها تعجب به فتحدثت عن إعجابها به مع صديقاتها وكان ممن تحدثت معها صديقة لها يقال لها نفيسة عندها ذهبت نفيسة إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وعرضت عليه أن يتزوج خديجة فقبل صلى الله عليه وسلم وذهب مع أعمامه إلى عم خديجة وتم الزواج وكانت سنها على المشهور أربعين سنة وقيل ثمان وعشرين سنة وكان سن
النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين وقد أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حبا شديدا ولم يتزوج عليها في حياتها أبدا أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة فولدت له عبد الله والقاسم وفاطمة
وزينب ورقية وأم كالثوم رضي الله عنهم كنوز السيرة إعادة بناء الكعبة لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخامسة والثلاثين من عمره وقع أمر مهم وهو أن قريشا قررت إعادة بناء الكعبة وكانت
ساقطت بعض حجارتها وكان قد جاءها سيل شديد أثر في بنيانها كثيرا واختلفوا هل يرممون البيت أو يهدمونه ويبنونه من جديد فمن قائل يهدم ويبنى من جديد ومن قائل بل يرمم لأنهم خشوا إذا هدموا
البيت أن يصابوا بأذى لأن ما حدث لأبرهة قريب جدا فقام الوليد بن المغيرة وقال والله لنهدمنه ولنبنينه من جديد فقالوا إنا نخاف أن نصاب بأذى فقال وأي أذى وأنتم إنما أردتم الخير قالوا
فابدأ أنت فجاء الوليد إلى الكعبة ورفع الفأس وقال اللهم لن ترع يعني لا تخف يا رب لا نريد إيذاءك وإنما نريد الخير وهذا لا شك يدل على جهلهم بالله تبارك وتعالى فضرب ثم انتظر فلم يصب
بأذى فقال أيها الناس اهدموا فقالوا لا حتى تصبح وأنت سليم فلما أصبح وإذ لم يصب بأذى فقاموا جميعا فهدموا بيت الله الحرام ولكنهم لما أرادوا إعادة بنائه قالوا لا يدخل في بنائه إلا مال
طيب فلا يقبل مال ربا ولا ميسر ولا مهربغي ولا مال مسروق وهذا شيء عجيب فهم على كفرهم يعرفون المال الحلال من المال الحرام وقدر الله أن المال الحلال الذي جمعوه كان قليلا لم يكفي لبناء
الكعبة فبنوا الكعبة على ما هي عليه الآن ثم جعلوا هذا القوس الذي نراه والذي يسميه كثير من الناس حجر إسماعيل وليس لإسماعيل صلى الله عليه وسلم حجر بل هو الحجر أو الجدر كما كان يسميه
أهل مكة أو الحطيم وهذا الحجر ستة أذرع منه تعتبر من الكعبة ولذلك إذا أردنا أن نطوف حول الكعبة لا يجوز لنا أن نطوف من داخل الحجر لأننا مطالبون أن نطوف حول الكعبة لا أن نطوف في الكعبة
وكان للكعبة بابان فجعلوا لها بابا واحدا وكان الباب ملاصقا للأرض فرفعوه حتى يدخلوا من شاء ويمنعوا من شاء فالله صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو قال نعم قالت فما لهم لم
يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت بهم النفقة قالت فما شأن بابه مرتفعا قال فعلى ذلك قومك ليدخلوا من شاء ويمنعوا من شاء ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكره وأن تنكر قلوبهم
أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض وذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عين الحكمة إذ إن قريشا ستقول انظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم يدعي أنه مرسل من الله أول ما فتح مكة
هدم بيت الله ولذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن من الحكمة أن يؤخر هذا الأمر ولكن هل تأخر هذا الأمر كثيرا لا لم يتأخر كثيرا ففي خلافة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
سنة خمس وستين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو سنة أربع وستين قام عبد الله بن الزبير فأدخل الحجرة في الكعبة ووسع الكعبة وآطال بنيانها وأنزل الباب إلى الأرض وانزل الكعبة بابين كل
ذلك كما أراده النبي صلى الله عليه وسلم قال عطاء إن عبد الله بن الزبير جمع الناس فقال يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها فقال ابن عباس فإني
قد فرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها فقال ابن الزبير لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده فكيف ببيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري فلما مضى الثلاث أجمع رأيه
على أن ينقضها فتحاماه الناس أن ينقضها فلما أنزل بأول الناس يصعد إليها أمر من السماء فصعد رجل وألقى من البيت حجارة فلما لم يرى الناس أنه أصابه شيء تتابعوا فنقضوا البيت حتى بلغوا به
الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه وقال ابن الزبير إني سمعت عائشة رضي الله عنها تقول قال عبد الله بن الزبير صلى الله عليه وسلم من الحجر حتى أبدى أسن نظر
الناس إليه أساس إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع فابن الزبير زادها طولا وعرضا رضي الله عنه
وجعل للكعبة بابين أحدهما يدخلون والآخر يخرج منه فلما قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين من الهجرة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن
ابن الزبير قد وضع البناء على أسن نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد منه فأقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد
الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده إلى بنائه وهذا أمر عجيب فعبد الله بن الزبير رضي الله عنه نفذ وصية النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الملك بن مروان لما استخلف ظن أن عبد الله بن الزبير إنما
زاد هذا من عند نفسه فأمر بنقضه وأعاد الكعبة كما كانت زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان فقال عبد الملك ما أظن أبا خبيب يعني عبد الله بن
الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها فقال الحارث بلى أنا سمعته منها فقال عبد الملك قال قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة
عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدى لقومك من بعدي أن يبنوه فهل أمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع وأنه كذلك ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شاكرا لك وهل تدرين لم
كان قومك رفعوا الباب قالت قلت لا قال تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط فقال عبد الملك للحارث أنت سمعتها
تقول هذا قال نعم قال فنكت عبد الملك ساعة بعصاه ثم قال وددت أني تركته وما تحمل وفي رواية لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بن ابن الزبير رضي الله عنه وفي عهد الدولة العباسية
في خلافة المهدي أراد الخليفة أن يعيد بناء الكعبة وأن يدخل الحجر فيها مرة ثانية قال ما تقول فقال الإمام مالك لا تفعل قال لما قال أخشى أن يتخذه الملوك لعبة هذا يهدم وهذا يبني فتركه
الخليفة وبقي البيت على حاله إلى يومنا هذا فإن قال قائل فهل نعيده الآن ونبنيه كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم وقال مصيره إلى العلماء يجتمعون ثم ينظرون الأمر فإن رأوا ذلك فالأمر
إليهم قال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم كنوز السيرة ذكاء وفطمة بعد أن بنت قريش الكعبة تنازعوا في من يضع الحجر الأسود في مكانه وكل يريد
أن يتشرف بوضعه فقالوا نحكم فينا أول داخل علينا فقدر الله تبارك وتعالى أن يكون أول داخل عليهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الأمين فنزع رداءه وطلب من رؤساء القبائل أن
يحمل كل واحد منهم من طرف حتى أوصلوا الحجر إلى الكعبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ووضعه في مكانه وقد جاء في الحديث نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن
فسودته خطايا بني آدم كنوز السيرة الفصل الثاني دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وقال النبي صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره امتن الله تبارك وتعالى على الإنسانية أجمع بمبعثه
صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تحدثنا عن قصة مبعثه صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها أول
ما بدأ به صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن
ينزع إلى أهله ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها وهكذا حتى جاءه الحق فقال اقرأ فقال صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا
بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم
الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده من الخوف فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني قالت زملوه حتى ذهب عنه
الروع فقال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي قالت خديجة وهي المثبتة والتي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كلا والله ما يخزيك الله أبدا وهذا الكلام من خديجة تبدأه
بالنفي ثم بالقسم والله ما يخزيك الله أبدا كل هذا دليل على ثقة هذه المرأة بربها تبارك وتعالى ومعرفتها الحقة بمحمد صلى الله عليه وسلم والسبب الذي من أجله بنت هذا الكلام هو ما ذكرته
بعد ذلك بقولها إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وكأنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم من كانت هذه صفاته لا يمكن أن يقع الخزي من الله عليه
أبدا لأن هذه الصفات صفات كمال ثم انطلقت به حتى أتت به ورقة ابن نوفل وهو ابن عم لها وكان قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني ما شاء الله أن يكتب فقالت له خديجة يابن عم
اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزله الله على موسى يا ليتني فيها جذعا إذ يخرجك قومك
عندها استبعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرجه قومه وذلك أنه يرى أن قومه يحبونه حبا شديدا ولا يسمونه إلا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم ولهذا قال أوى مخرجيهم قال نعم لم يأتي رجل
قط بمثل ما جئت به إلا عودي وهذه قاعدة مهمة وأصل عظيم بنا عليه ورقة ابن نوفل رأيه وقال له أن كل الأنبياء أوذوا وعودوا فمنهم من قتل ومنهم من طرد ومنهم من أوذي ومنهم من خوف وهذا كثير
قال وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي بعد ذلك وهذه المدة قدرها أهل العلم بستة أشهر وقال بعضهم إنها بلغت ثلاث سنين وورقة ابن نوفل رحمه الله يعتبر
مسلما وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين ولكن هل كان صحابيا الصحيح أنه لم يكن صحابيا وذلك أنه لم يدرك الرسالة لأنه مات بعد مبعث
النبي صلى الله عليه وسلم وقبل تبليغه صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة محاولة انتحار النبي صلى الله عليه وسلم قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت وفتر الوحي فترة
حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة
الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك وهذه الزيادة ليست من كلام عائشة رضي الله عنها بل هي من كلام الزهري وهو من التابعين ولم يدرك تلك الحادثة ولم
يذكر من حدثه بهذا من الصحابة ولهذا قال فيما بلغنا وبلاغات الزهري وغيرها من قبيل الحديث المنقطع وهو ضعيف فلا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ثم
إن القائل فيما بلغنا هو الزهري ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا وقال الكرماني هذا هو الظاهر
قال الشيخ الألباني رحمه الله هذا العزو للبخاري خطأ فاحش وليس كذلك وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلن الحق أن نقول إنها زيادة منكرة من حيث المعنى لأنه لا يليق بالنبي صلى الله عليه
وسلم المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كانت دافع له على ذلك أنواع الوحي قوله صلى الله عليه وسلم إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله
وأجملوا في الطلب الثالث أن يتمثل الملك رجلا فيخاطب النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعي عنه كما في حديث جبريل لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه يذكر حديث جبريل الرابع أنه
كان يأتيه كمثل صلصلة الجرس وكان هذا أشده عليه حتى إن جبين الرسول صلى الله عليه وسلم ليتفسد عرقا في اليوم الشديد البرد الخامس أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله تبارك وتعالى عليها
فيوحي إليه ما شاء مثل ما جاءه جبريل في الغار السادس ما يوحيه الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مباشرة بدون واسطة ملك كما في معراجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة
وفرض الصلاة عليه هناك كنوز السيرة كيف وصل الشرك إلى مكة كانت خزاعتهم ولاة البيت الحرام قبل قريش وكانوا يتوارثون الولاية على البيت كابرا عن كابر واستمرت على ولاية البيت ثلاثمائة سنة
وقيل خمسمائة سنة وفي زمانهم جلبت الأوثان إلى مكة على يد زعيمهم عمر بن لحي وكان قوله فيهم كالشرع المتبع لمكانته عندهم وكان عمر بن لحي هذا قد خرج إلى الشام فرأى أهل الشام يعبدون
الأصنام فقال ما هذه الأصنام التي تعبدون قالوا هذه أصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال ألا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل
فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته فآطاعوه استخف قومه فآطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمر بن لحي يجر قصبه في النار وقد كانت العرب على دين
إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولكن لطول العهد نسوا كثيرا من تفاصيل الشرع واستمر هذا الأمر وقال للبيت الحرام حتى تزوج قصي بن كلاب من ابنة رئيس خزاعة ثم بعد ذلك استعان بالعرب على قتال
خزاعة فهزمهم وأجلاهم عن مكة وتسلم قصي الرئاسة وقصي من قريش وكان مما بقي عند العرب من العبادات التي كانت على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم الحج فكانوا يطوفون ويسعون ويقفون في
المدينة ويقفون في عرفات ومزدلفة ويهدون البدن ولكنهم صاروا يقولون في تلبيتهم لما بعد العهد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ملكته وما ملك قال ابن عباس رضي الله عنهما
إذا سرك أن تعلم جهل العرب فقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين قال ابن
كثير رحمه الله من ذلك ما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمر بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال
اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام قال الله تبارك وتعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام يبحرون أذنها أن يشقونها ويجعلون لبنها للطواغيت ويمنعون الناس منها وأما السائبة فهي
البعير يسيب فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبه أحد ويكون للآلهة وأما الوصيلة فهي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى فإن ولدت ذكرا فهي للآلهة وأما الحام وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله بل
قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد الله وعبادته وحده لا
شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من أمم المشركين وقد اتخذت العرب مع الكعبة طواغيت تعظمها
كتعظيم الكعبة فجعلوا لها سدنة وهم الخدم والحجاب يذبح لها ويطاف حولها كله يعرفون فضل الكعبة أما قريش فكانت لها العزة وهبل وكانت اللات لثقيف وكانت مناه للأوس والخزرج وكان ذو الخلاصة
لدوس كنوز السيرة بدء الدعوة أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وبشر صلى الله عليه وسلم ثم انقطع الوحي مدة ثم عاد إليه مرة ثانية بعد ثلاثة أعوام وتسمى هذه الفترة فترة النبوة قبل الرسالة
وصار صلى الله عليه وسلم يدعو المقربين منه إلى دين الله تبارك وتعالى فكان أول من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم من النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي
طالب ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن العبيد بلال بن رباح عن همام بن الحارث عن عمار بن ياسر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر وأسلم
على يد أبي بكر الصديق الزبير بن العوام عثمان بن عفان طلحة بن عبيد الله سعد بن أبيه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وعن عمر بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم في أول ما بعث وهو في مكة وهو حينئذ مستخف فقلت ما أنت قال أنا نبي قلت ومن نبي قال أرسلني الله قلت قال نعم قلت بما أرسلك قال بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام
وتصل الأرحام قال قلت نعم ما أرسلك به فمن اتبعك على هذا قال حر وعبد قال فكان عمر بعد ذلك يقول لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام قال فأسلمت قلت فأتبعك يا رسول الله قال لا ولكن الحق بقومك
فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة ابن أبي معيط بمكة فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد استخفيا من
المشركين فقال يا غلام هل عندك من لبن تسقينا قلت إني مؤتما ولست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الضرع ودعا وقال صلى الله عليه وسلم إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد كنوز السيرة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وممن أسلم في أول الأمر أبو ذر
الغفاري وقصته كما يأتي قال أبو ذر خرجنا من قومنا غفار وهم يحلون الشهر الحرام وخرجت وأنا وأخي أنيس وأمنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم
أنيس يعني أنه يخونه في أهله فجاء خالنا فنثى علينا الذي قيل له أي أذاع وأفشى الذي قيل له فقلت له أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لك فيما بعد فأتي الكاهنة فخير أنيسا فأتانا
أنيس بصرمتنا ومثلها معها أي أن أنيسا كان شاعرا فجاء إلى مكانه وقالوا أنيسا ففاخر الناس بالشعر على ناقة مقابل ناقة ثم احتكموا إلى الكاهن فحكم لأنيس أنه أشعر فأخذ الناقتين قال أبو ذر
للراوي عنه عبد الله بن الصامت وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين قلت أي عبد الله بن الصامت لمن قال لله قلت فأين توجهت قال أتوجه حيث يوجهني ربي
أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلون الشمس قال أبو ذر فقال لنا أخي أنيس إن لي حاجة بمكة فاكفني مع أمي حتى أذهب وأرجع فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي أي
تأخر علي ثم جاء فقلت ما صنعت قال لقيت بمكة رجلا على دينك يزعم أن الله أرسله قال أبو ذر فقلت فما يقول الناس قال يقولون شاعر كاهن ساحر لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت
قوله على أقراء الشعر قال أبو ذر قلت لأنيس فاكفني حتى أذهب فأنظر فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم أي ذهبت إلى رجل أرى أنه ضعيف فيهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابع فأشار إلي وقال الصابع
الصابع فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي من الضرب فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر فأتيت زمزما فغسلت عني الدماء وشربت من مائها وقد لبثت يبن أخي ثلاثين بين ليلة
ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكان بطني فبدي سخفة جوع فبين أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم أي على آذانهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتان تدعوان
إسافا ونائلة فأتتا علي وهما في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الآخر فما تناهتا عن قولهما قال فأتتا علي فقلت هن مثل الخشبة غير أني لا أكني فانطلقتا تولولان وتقولان لو كان ها هنا أحد من
أنفارنا فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان قال ما لكما قالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قالتا إنه قال لنا كلمة تملأ الفم
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى فلما قضى صلاته صلى الله عليه وسلم فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام فقلت له السلام عليك يا رسول الله
فقال وعليك وعليك ورحمة الله ثم قال من أنت قلت من غفار قال فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده عن جبهته فقد عني صاحبه وكان أعلم به
مني ثم رفع رأسه ثم قال متى كنت ها هنا قلت قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة
جوع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنها مباركة إنها طعام طعم فقال أبو بكر يا رسول الله فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا
من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلته بها ثم غبرت ما غبرت ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب أهاليها فهل أنت مبلغ عني قومك عسى
الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم فأتيت أنيسا فقال لي ما صنعت قلت صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتيت أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت
وصدقت فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يأمهم إماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم وقال نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلمنا فقدم رسول الله صلى الله
عليه وسلم المدينة فأسلم نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفار غفر الله لها وأسلموا سالمها الله
كنوز السيرة إسلام الطفيل بن عمر الدوسي رضي الله عنه كان الطفيل سيدا مطاعا شريفا في دوس ودوس في اليمن فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهوه أن يجتمع به
أو أن يسمع كلامه قال الطفيل بن عمر فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة فقمت منه قريبا فآبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي واثك لأمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما
يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فدخلت عليه وقلت يا محمد إن قومك قالوا
لي كذا وكذا فوالله ما برحوا بي يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لألا أسمع قولك ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعت قولا حسنا فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا علي
القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت يا نبي الله إني مرء مطاع في قومي وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي
آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال اللهم اجعل له آية قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع بين عيني نور مثل المصباح فقلت اللهم في غير وجهي فإني أخشى
أن يظن بها مثله فتحول فوقع في رأس سوطي فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا فقلت إليك عني يا أبتي فلست منك ولست مني قال لما يا بني قلت أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قال
لما يا بني قال أي بني فدينك ديني قلت فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم أتني حتى أعلمك مما علمت فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم ثم أتتني صاحبتي فقلت إليك عني فلست
منك ولست مني قالت ولما بأبي أنت وأمي قالت فديني دينك فقلت فاذهبي إلى حما ذي الشرا وتطهري منه قالت بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرا شيئا قلت لا أنا ضامن لذلك قالت فذهبت
فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا علي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت يا رسول الله أبطأوا علي فادعوا عليهم فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم اللهم اهدي دوسا ارجع إلى قومك وادعهم وارفق بهم قال فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق ثم
قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين كنوز السيرة جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة لما نزل قول
الله تبارك وتعالى يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فهجر ولا تمن تستكثر ولربك فاصبر جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى التوحيد وذلك أن الله تبارك وتعالى
وربك فالنوم والتدثر والدفع إلى الجهاد والكفاح والمشقة فقال يا أيها المدثر قم فأنذر كأنه قيل له إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا وأما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم
وما لك والراحة وما لك والفراش الدافئ قم للأمر العظيم الذي ينتظرك قم للجهد والنصب والكد والتعب قد مضى وقت النوم والراحة وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق قم
فتهيأ لهذا الأمر واستعد هكذا أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم ويجهر بالدعوة إلى الله وقد روى لنا أبو هريرة وقال رضي الله عنه بداية دعوة النبي صلى الله عليه
وسلم وجهره بها فقال لما أنزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن
كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار
يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحا فقالوا من هذا الذي يهتف قالوا محمد فاجتمعوا إليه فقال يا بني فلان يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه
فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي وفي رواية لو حدثتكم أن خلف هذا الوادي جيش مصبحكم أكنتم مصدقي وفي رواية لو حدثتكم أن خلف هذا الوادي جيش مصبحكم أكنتم
مصدقي لكفا ولكن أبا الله تبارك وتعالى إلا أن يشهدوا بالحق وأن يقولوا الكلمة التي تكون شاهدة عليهم وعلى تكبرهم وعنادهم وإعراضهم عن الحق الذي عرفوه فقالوا ما جربنا عليك كذبا قط وهكذا
يشهد أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم على المشهور بعد ثلاث وأربعين سنة وقال لهم ما جربوا عليه الكذب أبدا وسيأتينا من قصة أبي سفيان لما يسأله هرقل في بداية السنة السابعة من الهجرة
هل كان محمد يكذب قبل أن يقول ما قال فقال لا فقال صلى الله عليه وسلم إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقام عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب فقال تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا ثم قام
فأنزل الله تبارك وتعالى آيات يدافع فيها عن نبيه صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى
ثم كانت بعد ذلك الدعوة الجهرية وأمر الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر وأن يصبر على أذى المشركين فبين سعد بن أبي وقاص في نثر يصلون
في شعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين بلحا جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام وبدأ الناس يدخلون في دين الله تبارك
وتعالى وبدأ الناس يدخلون في دين الله تبارك وتعالى وكان قد أسلم أبو بكر وعلي وزيد وبلال وخديجة ثم أسلم عمار بن ياسر وأسلم كذلك عثمان والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد
الله ثم أسلم أبو عبيدة وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم وعثمان بن مضعون وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت وفاطمة بنت الخطاب وكل هؤلاء كان إسلامهم سرا وبعد أن أنزل الله قوله
جل وعلا فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكر خرافات الشرك وترهاته ويذكر حقائق الأصنام وحقائق عبدتها وأنها لا تستحق أن يسجد لها وأن تعبد من دون
الله تبارك وتعالى وبدأ يسفه الأحلام ويبين الضلال صلى الله عليه وسلم عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا
أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تكفر بمحمد قال فإني إذا ميت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله تبارك وتعالى ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول
ويأتينا فردا ولما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى مشى رجال من أشراف مكة إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب
آلهتنا وسفها أحلامنا وعاب ديننا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيك فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا
عنه ومضى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه فلم يستجب له وقال لهم على ما هو عليه ولما قرب موسم الحج اجتمع كفار مكة وكبراؤها إلى الوليد بن المغيرة وقالوا ما نقول إذا جاء
الناس فقال لهم الوليد أجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا فقالوا له بل أنت قل ونسمع قال لا قالوا نقول كاهن قال لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا
الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا نقول مجنون قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قالوا ما هو بمجنون قال ما هو
بشاعر لقد عرفنا الشعر كله هزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفسهم ولا عقدهم قالوا فما نقول فقال لهم والله
إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناه وما أنتم بقائلين شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين
المرء وزوجه وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك ولكن هل بقي الأمر هكذا لا لقد دافع الله تبارك وتعالى عن نبيه فقال عن الوليد بن المغيرة ومن معه فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر
سأصليه سقر وما أدراك ما يفكر واتبعت قريش أساليب عدة في محاربة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فمن هذه الأساليب التي استخدموها مع النبي صلى الله عليه وسلم أولا السخرية والاحتقار فقد
رمي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بتهم وشتائم وتألفت جماعات للاستهزاء بالإسلام ورجاله فاتهم وقال تعالى وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ووصم بالسحر والكذب قال تعالى
وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب وكذلك صاروا ينظرون إليه نظرا ويزلقوه بأبصارهم فيوقعونه في مهلكة من حسدهم قال الله تعالى وإن يكاد الذين كثروا ليزلقونك بأبصارهم
لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون واتهموه بأنه تعلم من صبيين من نجران فأنزل الله لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين وسخروا أيضا من أصحابه قال الله تعالى إن الذين
أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين وقالوا عن القرآن الكريم وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى
عليه بكرة وأصيلا وقالوا إن هذا إلا إذ كن افتراه وأكتبه وأعانه عليه قوم آخرون وأرادوا لجهلهم أن يعارضوا القرآن الكريم بأساطير الأولين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث
الناس ودعاهم إلى الله تبارك وتعالى وقرأ عليهم القرآن ثم قام جاء النظر بن الحارث فجلس مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول
ثم يحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول كما قال الله تبارك وتعالى ثانيا الإيذاء وهو نوعان النوع الأول الإيذاء النوع الأول فأول هذا الإيذاء ما وقع من أبي لهب قبحه الله وكان قد زوج ولديه عتبة
وعتيبة من بنتي النبي صلى الله عليه وسلم رقية وأمك الثوم قبل البعثة فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الله تبارك وتعالى وجهر بالدعوة أمر أبو لهب ولديه أن يطلق بنتي النبي
صلى الله عليه وسلم فطلقاهما وكانت امرأة أبي لهب أم جميل واسمها أروا بنت حرب لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه
وسلم وعلى بابه ليلا وكانت امرأة سليطة اللسان ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها
حبل من مسد وفي يدها حجارة فوقفت عليهما فأخذ الله بصرها فلم ترى النبي صلى الله عليه وسلم لم ترى إلا أبا بكر فقالت يا أبا بكر أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا
الفهرفاه أما والله إني لشاعرة ثم قالت مذم من عصينا ودينه قدر
ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله أما تراها رأتك فقال ما رأتني فقد أخذ الله ببصرها عني والعجيب أن الله جل وعلا كما صرف بصرها عن نبيه صلى الله عليه وسلم كذلك صرف لسانها عنه فقالت
مذمما ولم تقل محمدا النوع الثاني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس إذ قال بعضهم لبعض أيكم يأتي بسلا جزور بني
فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فانبعث أشق القوم وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه يقول عبد الله وأنا أنظر لا أغني شيئا لو
كانت لي منعه فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحته عن ظهره فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ثم قال اللهم عليك
بقريش ثلاث مرات يدعو عليهم فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة بل يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وأنه نبي حقا صلى الله عليه وسلم كما قال
الله تبارك وتعالى قال اللهم عليك بأبي جهل اللهم عليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعد السابع يقول عبد الله ولم أحفظه والذي نفسي بيده
لقد رأيت الذي عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعا في القليب قليب بدر وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال أبو جهل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال واللات
والعزة لئن رأيته لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه فأتى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقيه بيديه فقال له الناس ما لك يا
أبا الحكم ما الذي حدث قال إن بيني وبينهما لخندقا من نار وهولا وأجنحة قال أبو هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وعن عروة بن الزبير قال
سألت عبد الله بن عمر بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع
ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله هذا ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم وأما ما وقع
للنبي صلى الله عليه وسلم ومنه عثمان بن عفان كان عمه يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته مصعب بن عمير لما علمت أمه بإسلامه طردته من بيتها وأجاعته وكان من أنعم الناس عيشا
بلال بن رباح كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ويطرحه في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزة
فيقول بلال أحد أحد هذا عذاب أمية لبلال وأما أمية فكان ينال عذابا أكثر من هذا العذاب وهو بقول بلال أحد أحد إذ كانت أشد على أمية من عذاب بلال رضي الله عنه فمر به أبو بكر يوما وهم
يصنعون ذلك به فاشتراه رضي الله عنه وقيل إن أبا بكر لما جاء ليشتريه قال بكم تبيعونه قالوا قل أنت قال تبيعونه بخمسمئة قال أمية بعتك فقال أمية لو دفعت أقل من هذا لأعطيناك فقال أبو بكر
يظهر قيمة بلال عند الله تبارك وتعالى لو طلبت أكثر من هذا لدفعت عمار بن ياسر وأمه وأبوه كانوا يخرجونهم إلى البطحاء ويعذبونهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويقول صبرا آل ياسر
فإن موعدكم الجنة فمات ياسر وماتت سمية أم عمار في العذاب وهي كما يقال أول شهيدة في الإسلام وبلغ للطهاد أشده حتى إن خباب بن الأردت رضي الله عنه يقول أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو
متوسد ببردة في ظل الكعبة فقلت ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه وقال قد كان من كان قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعظم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق
رأسه يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ومع هذه الاضطهادات كلها كان الله تبارك وتعالى مع
أوليائه كما قال إن الله يدافع عن الذين آمنوا ولما زاد الإيذاء وقد كانت هذه الاضطهادات في بداية السنة الرابعة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى الحبشة فالحقوا ببلاده حتى
يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه وكانت الهجرة الأولى سنة خمس من النبوة فهاجر اثنى عشر رجلا وأربع نسوة وكان رئيسهم عثمان بن عفان ومعه بنت النبي صلى الله عليه وسلم رقية رضي
الله عنها وحدث في تلك السنة في رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحرم وهناك جمع كبير من قريش في نواديهم كما هي عادتهم فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم هذه السورة بمحتوته من
معاني وألفاظ عجيبة لم يسمعوا مثلها أبدا فلما وصل صلى الله عليه وسلم إلى هذه الآية فاسجدوا لله واعبدوا سجد صلى الله عليه وسلم فلم يتمالك أحد منهم نفسه حتى خروا ساجدين فكل أهل مكة
سجدوا ووصل الخبر إلى أهل الحبشة أن قريشا كلها دخلت في الإسلام فرجعوا إلى مكة في السنة نفسها في شوال فلما وصلوا تبين لهم أن الأمر ليس كذلك وأن ذلك السجود إنما وقع منهم اعترافا
وإقرارا من داخلهم ومن داخل نفوسهم بصحة نسبة هذا القرآن إلى الله تبارك وتعالى لاتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم المهاجرون إلى الحبشة المهاجرات إلى الحبشة أم سلمة أم حبيبة بنت أبي
سفيان كنوز السيرة قصة الغرانيق قال الله في سورة النجم أفرأيتم اللات والعزة ومنات الثالثة الأخرى هذه الآيات لما نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم تلاها على المسلمين والمشركين وأن
الشيطان أوحى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلا هاتين الآيتين أنه قال تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى وأنه لما سمع بهذا النبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ذلك فأنزل
الله عز وجل وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في
قلوبهم مرضوا والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شطاق بعيد فالنبي رحمه الله عند تفسير هذه الآية عشر مقامات فمن ذلك أولا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه فإنه
يخلق له العلم به حتى يتحقق أنه رسول من عنده ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان ثانيا أن الله قد عصم رسوله من الكفر وآمنه من الشرك واستقر ذلك من دينه فإن
المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشك فيه طرفة عين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ثالثا أن الله قد عرف رسوله بنفسه وبصره بأدلته وآراه ملكوت
سماواته وأرضه وعرفه سنن من كان قبله من إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه رابعا كيف خفي على النبي
صلى الله عليه وسلم هذا الكفر الذي لا يجوز وروده من عند الله ولو قاله أحد لتبادر الكل إليه بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع وقد رويت هذه القصة بأسانيد لا تثبت فما من طريق إلا روي
مرسلا أو معضلا أو موضوعا سواء كان هذا موصولا أو غير موصول وروي هذا الحديث مرفوعا وموقوفا وروي مرسلا وموصولا حتى قال الحافظ بن حجر رحمه الله كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا إلا أن
جمهور المفسرين والمحدثين ذهبوا إلى نفي صحتها وأنه غير واحد من أهل العلم ويتلخص الجواب عن هذه القصة بما يلي أولا من جهة المتن فقد وقع في سياقه وألفاظه الطراب مما يجعل النفس لا تطمئن
لقبول هذه القصة وقد سئل إمام الأئمة بن خزيمة عنها فقال هذا من وضع الزنادقة ثانيا أنها تعارض الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم
ثم سجد فسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيها ذكر للغرانيق ثالثا أنها تخالف صريح آيات القرآن التي تنص على أن الله لم يجعل للشيطان سلطانا على النبي صلى الله عليه وسلم وقوله
سبحانه إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وأي سلطان أعظم من أن يلقي الشيطان على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم
وكذلك تخالف صريح الآيات الدالة حفظ الذكر وصيانته من التحريف والتبديل والزيادة والنقص كقوله وقوله وقوله تعالى رابعا قد قام الدليل القطعي وانعقد الإجماع على عصمة النبي صلى الله عليه
وسلم من جريان الكفر على قلبه أو لسانه أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه قال تعالى خامسا إن سياق الآيات من سورة النجم فيه قرينة واضحة على بطلان هذه الرواية فلا
يستقيم السياق الذي يذم آلهة المشركين في أربع آيات متعاقبة ثم يمدحها بعد ذلك وهذا ينزه عنه كلام البشر فكيف بكلام الله جل وعلا الذي هو أفصاله سادسا من المعلوم أن مشركي قريش كانوا
أحرص الناس على دفع نبوته صلى الله عليه وسلم ودحض حجته والتشكيك في رسالته والبحث عن أي مدخل يمكن أن ينفذوا من خلاله ولو صحت هذه القصة لكانت مستمسكا لهم لفتنة كثير ممن أسلم سابعا
قبول هذه القصة يستلزم قبول المؤمنين الشرك من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعاهم إلى التوحيد فكأنه نقض لدعوته وحاشاه عن ذلك ثامنا أنكر هذه القصة جمع من أهل العلم كابن حزم والقاضي
عياض وابن كثير والشوكاني وغيرهم ويبقى السؤال لماذا سجد المسلمون والمشركون كذلك أما سجود المسلمين فإنه اقتداء بنبيهم وأما سجود المشركين فيجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف
اعتراهم عند سماع السورة كنوز السيرة الهجرة الثانية إلى الحبشة لما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة ورأوا حقيقة الأمر وجليته وأن تلك كانت إشاعة هاجروا مرة ثانية إلى الحبشة وبقي بعضهم
كعثمان رضي الله عنه وزوجه رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم هاجر مرة ثانية وتبعهم آخرون فكانت الهجرة الثانية وكان فيها ثلاثة وثمانون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وثمانية أو تسعة عشرة امرأة كنوز السيرة نصرة أبي طالب للرسول صلى الله عليه وسلم ذهب سادات قريش إلى أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فقالوا له يا أبا طالب إن لك سنا
وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك ولم تنهيك وإنا والله لا نصبر على هذا يأتي ويقرأ القرآن بين أظهرنا هذا ما لا نتحمله أبدا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى
تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين وهذا تهديد شديد من قريش لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى أبو طالب هذا الأمر قد اشتد بعث إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فذكر له ما قالوا فأبقي علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه سيخذله وأنه ضعف عن نصرته فقال
صلى الله عليه وسلم يا عم والله لو وضع الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته ثم استعبر صلى الله عليه وسلم وبكى وقام وترك أبا طالب
عمه واجما من هذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وسلم وإن كانت لا تصح سنداء وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم والله لو وضع الشمس في يميني والقمر في يساري إلى آخره كما ذكر أهل العلم
إلا أن السيرة يتسامح بها ولا بأس بذكرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه لم يتنازل ولكن هل قال هذه الكلمة بذاتها أو قال غيرها فلما مشى النبي صلى الله عليه وسلم وترك أبا طالب
واجما انتبه أبو طالب ثم نادى النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إليه صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت والله لا أسلمك لشيء أبدا وقال الله لن يصل إليك
بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا امضي لأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي وقال الله لن يصل إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فلقد صدقت وكنت قبل
أمينا وعرضت دينا قد عرفت أنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا لذاك مبينا وفي هذه الأبيات يبين أبو طالب أنه لن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه
أيضا أبى أن يدخل في الإسلام وقال له من الحكمة في ذلك أنه لو دخل في الإسلام لاجترأ عليه كفار مكة كما اجترأوا على غيره ولكنه بقي على دينهم فلم يتجرأوا عليه قال هذه الأبيات فانصرف
النبي صلى الله عليه وسلم فرحا بما سمع من أبيات ومن كلام أثلج صدره من عمه أبي طالب فلما رأت قريش أن أبا طالب قد أبى أن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مجمع على فراقهم ذهبوا إلى
عمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له يا عمارة نعطيك أبا طالب فتكون ولدا له ونأخذ محمدا بدلا منك ثم نقتله وجاءوا أبا طالب وقالوا يا أبا طالب إن هذا الفتى أي عمارة بن الوليد بن
المغيرة فخذه لك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل فقال أبو طالب والله لبئس ما
تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنكم هذا والله ما لا يكون أبدا والملاحظ من موقف أبي طالب من النبي صلى الله عليه وسلم ومن كفار مكة يستغرب كيف أن أبا طالب لم يسلم ولم
يتابع النبي صلى الله عليه وسلم ولو وقفنا مع قول أبي طالب لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا لذاك مبينا هذا الذي منع أبا طالب من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فهو يعلم أن النبي
صلى الله عليه وسلم حق ولذلك قال الله تبارك وتعالى فهم يعلمون الحق ويعلمون أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق وأنه رسول من عند الله وأن الذي يتلوه ليس شعرا ولا سحرا ولا كهانة
ولكنه الكبر والعياذ بالله تعالى كنوز السيرة إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما ومن الله تبارك وتعالى بإسلام رجلين أما الأول فهو حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وآخوه من الرضاعة
أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب وسبب إسلامه أن أبا جهل عدو الله مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصفا فآذاه وسبه ورسول الله صلى الله عليه وسلم سابقا
ثم قام أبو جهل فحمل حجرا فضرب به رأس النبي صلى الله عليه وسلم فشجه حتى نزف منه الدم ثم انصرف عنه إلى نادي قريش فجلس معهم وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان رأت ذلك فلما أقبل حمزة من
القنص متوشحا قوسه جاءته هذه الأمة فأخبرته بما رأت وبما رأت وما فعل أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم فغضب حمزة رضي الله عنه وكان رجلا شديدا في عنفوان شبابه ومن أشجع قريش في ذلك
الوقت ومحمد بن أخيه فخرج يسعى حتى جاء أبا جهل فلما دخل قام على رأسه وقال له تشتم ابن أخي وأنا على دينه فشج وجهه شجة منكرة فثار رجال من بني مخزوم قوم أبي جهل وثار رجال من بني هاشم
لحمزة حتى كادت أن تكون معركة بين الحيين فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا فقلت أنا على دينه وأنا لم أسلم بعد فما هو إلا أن شرح الله تبارك وتعالى صدره للإسلام
فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إني قلت كذا وكذا فماذا أصنع فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح الله صدره للإسلام فشرح الله جل وعلا صدره وأسلم وكان إسلامه نصرا
للمؤمنين والنصر الثاني عمر بن الخطاب فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب وكان أحبهما إليه عمر وقصة
إسلامه فيها أكثر من رواية هي أن عمر رضي الله عنه قال خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعل النبي صلى
الله عليه وسلم يقرأ وأنا أستمع وأعجب من تأليفه فقلت في نفسي هذا والله شاعر كما قالت قريش فقرأ صلى الله عليه وسلم إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون فقلت في نفسي
كاهن فقرأ ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين فوقع الإسلام في قلبي ولما أسلم عمر جاء إلى رجل يقال له جميل بن معمر وهذا الرجل نقالة للحديث لا يحفظ سرا فقال له أريد أن
أخبرك شيئا قال وما هو فقال له أسلمت فقام هذا الرجل فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ وعمر بن الخطاب يجري خلفه ويقول كذب ولكني أسلمت فقاموا إلى عمر رضي الله عنه فصاروا يضربونه
وهو يضربهم وهكذا حتى ارتفعت الشمس وذكرت بعض الروايات أنهم ضربوه حتى سقط مغشيا عليه من شدة ضربهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر وقال ما
زلنا أعزة منذ أسلم عمر كنوز السيرة شهادة الأعداء دخل الأخنس بن شريق على أبي جهل فقال له إني سائلك فاصدقني وليس هاهنا أحد يسمعنا قال سل عما بدى لك فقال صادق أم كاذب قال أبو جهل ويحك
والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهبت بنو قصي بالسقاية والرفاجة والنبوة فما يكون لسائر قريش تنازعنا نحن وبن عبد منافن الشرف أطعموا فأطعمنا وأعطوا فأعطينا وحملوا فحملنا
حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفر سيرهان قالوا منا نبي فأنا يدرك هذا لا والله لا نصدقه أبدا والأمر كما قيل الفخر ما شهدت به الأعداء كنوز السيرة عتبة بن ربيعة يحاول مع النبي صلى
الله عليه وسلم كان عتبة بن ربيعة في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وحده فقال عتبة يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه
أيها شاء ويكف عنا فقالوا له بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه فقام إليه عتبة فجلس إليه فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به
أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا فانظر فيها لعلك تقبل منها بعضها فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا الوليد قل أسمع مني قال يا ابن
أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا
وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه فصار يتكلم والنبي صلى الله عليه
وسلم ساكت لا يتكلم فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم أقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع أنت مني قال أفعل فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا
إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فعمل إننا عاملون فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسألون سجد صلى الله عليه وسلم ثم رفع رأسه فقال قد سمعت يا أبا
الوليد ما سمعت فأنت وذاك وإنما قرأ عليه كلام رب البشر سبحانه وتعالى وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاذ وثمود قام عتبة
ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال يعني لا تفعل لا تدعو الله علينا أن يأتينا بصاعقة فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض وهم يرونه قادما نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد
بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال إني سمعت قولا والله ما سمعت مثله والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها في
وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس
به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فاصنعوا ما بدى لكم كنوز السيرة المقاطعة بعد أن خرج عتبة بن ربيعة من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما قال رأت قريش أنه لا
بد من حل لهذه المشكلة التي وقعت لهم فرأوا أن تكون المقاطعة التامة لبني هاشم فاجتمعوا وتحالفوا على بني هاشم واتفقوا على أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يكلموهم وكتبوا
بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا تأخذهم بهم رأفة ويسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلوه وتم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة
فانحاز المسلمون وبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدا أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض بني المطلب ومن معه إلى شعب يقال له شعب
أبي طالب واستمرت هذه المقاطعة ثلاثة أعوام واشتد الحصار على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى بلغهم الجهد وألجئوا إلى أكل الأوراق والجلود والغريب في هذه المقاطعة أن كفار بني هاشم
وكفار بني المطلب خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبين لنا أن الحمية العربية كانت قوية ومؤثرة ولو قال قائل خرج بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم من أبناء عمومته فما
بال بني المطلب ولما لم يخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل مع أن عبد شمس ونوفلا وهاشما والمطلب كل هؤلاء إخوة أبوهم عبد مناء والجواب أن بني المطلب وبني هاشم علاقتهما مع بعضهما أقوى من علاقة
بني هاشم مع بني عبد شمس أو بني نوفل وكذلك من علاقة بني المطلب مع عبد شمس أو نوفل وهذا من قديم فعن جبير بن مطعم قال فأتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا
رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم بالموضع الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نفترق في
جاهلية ولا إسلام إنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وكانت العرب في الجاهلية قبل الإسلام بل وقبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عن هاشم والمطلب البدران
ويقولون عن عبد شمس ونوفل الأبهران وفي هذه السنوات الثلاث يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم من الاغتيال فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام تركه أبو طالب فترة ثم أيقظه
وغير مكانه لينام غيره مكانه كنوز السيرة قصة نقض الصحيفة وبعد ثلاث سنوات نقضت هذه الصحيفة وكان هذا الرجل يصل بني هاشم في الشعب ويوصل إليهم بعض الأطعمة فذهب إلى زهير بن أبي أمية
وزهير هذا أمه عاتكة بنت عبد المطلب فهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشعب وأخوالك بحيث تعلم فقال ويحك فما أصنع وأنا رجل واحد أما
والله لو كان معي رجل آخر قال قد وجدت لك رجلا آخر قال فمن قال أنا قال له زهير أبغنا رجلا ثالثا فذهب هشام بن عمر إلى المطعم بن عدي والمطعم من بني المطلب قال له أرحام بني هاشم وبني
المطلب ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم فقال المطعم ويحك ماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغنا ثالثا قال فعلت قال من قال زهير بن أبي أمية
قال أبغنا رابعا فذهب هشام بن عمر إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قاله للمطعم فقال فهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك
قال أبغنا خامسا وهذا يبين لنا أن الكثيرين ما كانوا يرضون بهذا ولكنها سلطة الكبار اتخذ القرار أبو جهل وعتبة وأبو سفيان وأبو لهب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط
وغيرهم اتخذوا هذا القرار وكان على الجميع السمع والطاعة فذهب هشام بن عمر إلى زمعة بن الأسود بن المطلب ويقال إنه والد سودة بنت زمعة أم المؤمنين فقال له زمعة وهل على هذا الأمر الذي
تدعوني إليه من أحد قال نعم قال من قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وأنا فقال زمعة بن الأسود وأنا معكم فاجتمعوا وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة وكبار قريش
هم الذين كتبوها وهم الذين اتفقوا عليها كيف يستطيع هؤلاء الخمسة أن ينقضوا تلك الصحيفة قال زهير أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم فوافقوا على ذلك فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم حول الكعبة
وغدا زهير فطاف بالبيت سبعة ثم أقبل على الناس وقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكا لا يباعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة
فقام أبو جهل وقال كذبت والله لا تشق هنا قام زمعة بن الأسود فقال لأبي جهل أنت والله أكذب فقام أبو البختري فقال صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به فقام المطعم بن عدي فقال صدقتما
وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها فقام هشام بن عمر فقال صدقتم وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها وقال صدقتم وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها وإن كان
كاذبا خلينا بينكم وبينه قالوا أنصفت فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فوجدها قد أكلت ما بقي فيها إلا قولهم باسمك اللهم وما كان غير ذلك قد أكل كله فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجع من
معه إلى مكة مرة ثانية كنوز السيرة العودة إلى الدعوة رجع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى إلى الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فلم يصبر كفار قريش وانطلقوا إلى أبي طالب قائلين له ليكف
عن ابن أخيك لسانه فجاء أبو طالب وجاء معه نفر من قريش فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له ماذا تريد منا قال أريد كلمة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم قالوا كلمة قال
كلمة فقام أبو جهل وقال وأبيك أعطيك مئة كلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله فقال أبو جهل أما هذه فلا هذه الكلمة لا نعطيكها أبدا أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا
يا محمد فأنزل الله تبارك وتعالى وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أنمشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا
لشيء يجب ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق نرى أن كفار مكة امتنعوا عن قول لا إله إلا الله فلما لم يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله ثم بعد ذلك يبقون على
دينهم الذي هم عليه لأن أبا جهل وعتبة وعقبة ابن أبي معيط والوليد ابن المغيرة وأبا لهب وغيرهم كثير كل هؤلاء يعلمون علم اليقين معنى لا إله إلا الله وملايين المسلمين الآن في زماننا هذا
لا يعرفون معنى هذه الكلمة أبو جهل يعلم أنه إذا قال لا إله إلا الله أنه سيلتزم بها وأنه سيترك جميع الأصنام وأنه لن يدعو إلا الله ولن يذبح إلا لله ولن ينذر إلا لله ولن يخاف إلا من
الله ولن يستغيث إلا بالله ولن يصلي إلا لله ولن يطوف إلا لله ولن يطيع إلا الله ورسوله يعلم ما يترتب على هذه الكلمة ولكن الكثير من المسلمين الآن يقولون لا إله إلا الله ولكنهم يذبحون
لغير الله وينذرون لغير الله ويخافون من غير الله ويستغيثون بغير الله ويسألون غير الله تبارك وتعالى وهذا كله بسبب الجهل كنوز السيرة وفاة أبي طالب سكتت قريش عن النبي صلى الله عليه
وسلم فترة من الزمن ثم كانت وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر سنة عشر من النبوة بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب رضي الله عنه أن أبا طالب
لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند
الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم عليه وهما يعيدان والنبي يعيد وهما يعيدان فلم يزال به حتى قال آخر كلمة هو
على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزل قول الله تبارك وتعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربا من بعد ما
تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ونزل كذلك قول الله تبارك وتعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وفي هذه القصة من الفوائد الشيء الكثير منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
حريصا على إسلام أبي طالب وبالله لو قال أبو طالب تلك الكلمة لنفعته وذلك أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل على غلام يهودي وهو على فراش الموت فقال له قل لا إله إلا الله
فالتفت الغلام إلى أبيه فقال له أبوه أطع أبا القاسم فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ثم مات ونجى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من
النار فوالله لو قالها أبو طالب لنجاه الله من النار ووالله تمنينا جميعا أن يكون أبو طالب قالها والله ما حزنا أبدا ولن نحزن أبدا لو آمن أبو طالب ونتمنى أن يؤمن جميع الناس ولكننا مع
النصوص وهو أن أبا طالب عما النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم مع أنه ناصره ودافع عنه وحماه وخرج معه إلى الشعب بل ورباه في صغره ومع هذا كله يموت على الشرك قال ابن كثير رحمه الله كان
أبو طالب يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومقال ونفس ومال ولكن مع هذا لم يقدر الله تبارك وتعالى له الإيمان لما له تعالى من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة
البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ولولا ما نهان الله عنه من الاستغفار للمشركين لا استغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه وذكروا أنه استشهد في حنين وقد ثبت أن العباس بن عبد
المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما أغنيت عن عمك أي أبا طالب فإنه كان يحوطك ويغضبك فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار نسأل
الله تبارك وتعالى الهداية والعافية كنوز السيرة وفاة خديجة رضي الله عنها بعد أن حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت عمه أبي طالب جاءته الصدمة الثانية بخبر موت خديجة أم المؤمنين رضي
الله عنها فتوفيت بعد عمه أبي طالب بأشهر وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام
أو شراب فإذا هي أتتك فقرأ عليها السلام من ربها وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب كنوز السيرة الدعوة في الطائف وبعد وفاة أبي طالب ووفاة خديجة رضي الله عنها خرج النبي
صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف فالنبي صلى الله عليه وسلم ظل تلك السنوات العشر في مكة يدعو إلى الله تبارك وتعالى ثم رأى صلى الله عليه وسلم أن يخرج من مكة ويبدأ بالدعوة خارجها
فأول ما فكر صلى الله عليه وسلم بالطائف فخرج مشيا على قدميه ومعه زيد بن حارثة مولاه وخادمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه في أول الأمر فكان يسمى بزيد بن محمد حتى نزل قول
الله تبارك وتعالى أدعوهم لآبائهم فصار ينادى بعد ذلك بزيد بن حارثة ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف وحبيب أبناء عمر بن عمير الثقفي
ودعاهم إلى الله وإلى نصرة دينه فقال أحدهم عن نفسه إنه يمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وقال الآخر لنبي الله صلى الله عليه وسلم أما وجد الله أحدا غيرك وقال
الثالث والله لا أكلمك أبدا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك هكذا عامل هؤلاء الثلاثة النبي صلى الله عليه وسلم بتلك القسوة وذلك الاستهزاء
وهو قد خرج من بلده ودخل إلى بلد هو غريب فيها يدعو إلى الله تبارك وتعالى ولكنهم واجهوه بهذه الكلام وليت الأمر بقي على ذلك ولكن الطين زاد بالله فإنهم قالوا له أخرج من بلادنا ثم أغروا
به سفهاءهم فلما أراد الخروج تبعه السفهاء والعبيد والصبيان يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه حتى أصابوا عراقيبة واختضب
النعال بالدم وكان زيد رضي الله عنه يقي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فصار النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وهؤلاء يضربونه صلى الله عليه وسلم حتى التجأ إلى حائط
لعتبة وشيبة بنى ربيعة في الطائف فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحائط فجاء إلى حبلة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار ودعا بدعاء ملؤه اللجوء والرغبة بما عند الله تبارك وتعالى والذي
من خلاله يظهر للمؤمن كيف أنه يجب عليه دائما أن يصدق مع الله وأن يلتجأ إليه في كل مكان فقال صلى الله عليه وسلم ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه
أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بغضبك أو يحل علي سخطك لك العتبة حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك فلما رآه بنى ربيعة عتبة وشيبة تحركت له الرحم وذلك أنهما من ولد عبد شمس بن عبد مناف
فدعوا غلاما لهما وهو نصراني يقال له عداس وقالا له خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل فلما جاء عداس وضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فمد يده صلى الله عليه وسلم وقال
بسم الله
ثم أكل كنوز السيرة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته بعد رجوعه من الطائف صلى الله عليه وسلم أراد الله جل وعلا أن يخفف عنه وأن يبين أنه معه سبحانه وتعالى ولكنه يبتليه ليرفع
درجته أخرج الإمامان البخاري ومسلم بسنديه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثت أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد قال صلى الله عليه
وسلم لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت
رأسي فإذا أنا بسحابة قد أضلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني وقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فسلم علي ثم قال يا محمد
إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت فقال النبي الكريم الرحيم الحليم المشفق على أمته صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به
شيئا وهكذا يجب على الداعية إلى الله تبارك وتعالى أن ينظر إلى العصاة وإلى الصادين النادين عن أمر الله تبارك وتعالى نظرة المشفق عليهم ثم سلاه الله تبارك وتعالى بأمر آخر وهو أنه في
طريق عودته بعث إليه نفرا من الجن والجن كالإنس مكلفون مأمورون بالإيمان منهيون عن الكفر من أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار فبعث الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الجن
ذكرهم الله تبارك وتعالى فقال وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا
لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ومعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم هكذا أرسل الله تبارك وتعالى نفرا من الجن كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم
إن كان أحزنك كفر أهل مكة وكفر أهل الطائف وإيذاؤهم لك وتعالى إليك من آمن بك من الجن وهذه لا شك تفرح النبي صلى الله عليه وسلم وتسعده كنوز السيرة عودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة وسار
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء ليجيره حتى لا يؤذى بعد وفاة عمه أبي طالب فقال الأخنس بن شريق أنا حليف والحليف لا يجير فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى
سهيل بن عمر يطلب منه الجوار فقال سهيل إن بني عامر لا تجير على بني كعب فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المطعم بن عدي فقال المطعم نعم
ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال إلبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن
حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه منكم أحد وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى
ركعتين ثم انصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وأولاده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته وقام أبو جهل إلى المطعم بن عدي فقال أم جير أنت أم متابع قال بل مجير فقال أبو جهل قد أجرنا من أجرت
وهذا التصرف من المطعم بن عدي يظهر لنا أمرا مهما يجب علينا أن نقف عنده قليلا ألا وهو أن الله تبارك وتعالى لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثه من العرب وذكر أهل العلم في ذلك
حكما كثيرا فمن أعظم هذه الحكم أن العرب لهم من الصفات ما ليس لغيرهم فنجد أن العربية كريم يضرب في كرمه المثل شجاع لا يهاب شيئا يحافظ على حق الجار ألم يقل عن ترة ذاك الجاهلي وأغض طرفي
ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها وهم أهل صدق اللسان وسيأتينا في قصة أبي سفيان مع هرقل والله لولا أن العرب تحسب علي كذبة لكذبت يقول هذا وهو في جاهليته وفيهم الأنفة والأخوة
والأمانة ويموت الرجل في سبيل أن يدافع عن أمانته وقصة السموء لمعمر إلقيس مشهورة جدا لما جعل عنده ابنته أمانة مات في سبيل الدفاع عنها جميعا ولغير ذلك من الحكم اختار الله تبارك وتعالى
العرب دون غيرهم فهذا المطعم ابن عدي على الشرك متابع لقومه ومعادل للنبي صلى الله عليه وسلم يبغض دينه قاطع النبي صلى الله عليه وسلم مع من قاطع ومع هذا كله يأتيه النبي صلى الله عليه
وسلم فيقول له أجرني حتى أدخل إلى بلدي فيقول نعم ثم ماذا يفعل يأمر أولاده أن يتسلحوا دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أجاره فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم ابن
عدي ثم هذا أبو جهل يسأل المطعم ابن عدي أمجير أم متابع قال بل مجير قال قد أجرنا من أجرت قال ابن خلدون رحمه الله إن العرب قد اجتمعت فيهم صفات كثيرة من الحسن وإنما كانوا يحتاجون إلى
دين يربطهم ويقوم من سلوكهم فبعث الله تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بهذه الشريعة السمحة وبهذا الدين القويم فلما اختارت العرب هذا الدين نصر الله بهم الدين ونشره في
المعمورة وحق لهم ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم ما نسي هذا للمطعم ابن عدي ففي قضية أسرى بدر لما خير بين القتل والمن والفداء قال لو كان المطعم ابن عدي حيا ثم سألني أولئك النتنا
لأعطيتهم إياه أو لتركتهم له كنوز السيرة أهل المدينة وكانوا ستة رجال من الحجاج وكانوا ستة نفر من أهل يثرب وكلهم من الخزرج وهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن
عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وكانوا من سعادتهم أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من اليهود أن نبيا مبعوثا في هذا الزمان وكانت اليهود دائما تقول للأوس والخزرج هذا أوان خروج نبي
وسنتابعه ونقتلكم شر قتله فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا من الخزرج قال من موال اليهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه وذكر لهم دعوته
والدين الذي يدعو إليه وقرأ عليهم بعض آيات من كتاب الله تبارك وتعالى فقال بعضهم لبعض تعلمون والله يا قوم إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه فأسرعوا إلى إجابته وأسلموا
فأسلموا وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم وزوج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها ابنة أبي بكر واختلف أهل العلم في سوده فقيل تزوجها قبل عائشة وقيل بعد عائشة رضي الله
عنهما كنوز السيرة الإسراء والمعراج قيل في السنة الثانية عشرة من البعثة وقيل غير ذلك هذا هو المشهور أنه قبل هجرته بسنة وشهرين كان الإسراء والمعراج في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول
قال صلى الله عليه وسلم مبينا حادثة الإسراء التي وقعت له إنه بينما كان في الحطيم بين النائم واليقضان عند البيت إذ سمع قائلا أحد الثلاثة بين الرجلين وقال لأصحابه صلاة العتمة بمكة قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جبريل وهو أقرب الناس شبها بدحية ابن خليفة الكلبي فأخذوني وانطلقوا بي إلى زمزم فلم يكلموني حتى وضعوني عند بئر زمزم وأتاني جبريل ففرج صدري فشق ما
بين هذه إلى هذه إلى مراق البطن حتى فرغ من صدري وجوفي فغسله بماء زمزم بيده حتى أنقى جوفي فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أتيت بطست من ذهب فيه تور من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فأفرغه في
صدري فغسل قلبي ثم حشى به صدري ولغاديدي ثم أطبقه وقال فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان محمد رسول الله المقفي الحاشر خلقك قيم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم
أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم أخذ بيدي فانطلق بي حتى أتى
السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به وأهلا به فنعم المجيء جاء يستبشر به أهل
السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم ففتح لنا فلما خلصت علوت من السماء الدنيا فإذا فيها آدم أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل
يساره بكى قلت لجبريل من هذا قال هذا أبوك آدم صلى الله عليه وسلم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن
يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام فقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح نعم لابن أنت ودعا لي بخير ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقال
لخادمها افتح فقالت له في السماء الأولى فلما خلصت إذا بيحيا وعيسى وهم ابنى خاله فقلت من هذان قال هذان يحيا وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي
الصالح ودعوا لي بخير ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا له مثل ما قالوا في السماء الأولى والثانية فلما خلصت إذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فقال
لي هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بإدريس قلت من هذا قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد علي ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح
ودعا لي بخير
ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بهارون عليه السلام قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا
لي بخير ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام وذلك بتفضيل كلام الله له فقال موسى ربي لم أظن أن يرفع علي أحد قلت من هذا قال
موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من
أمتي ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور شيخ جليل مهيب قلت من هذا قال هذا أبوك
إبراهيم صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفع لي البيت المعمور في السماء السابعة والذي يقال له وهو بحيال الكعبة فوقها
حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم يصلي فيه سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه أبدا ثم على به فوق ذلك بما لا يعلمه
إلا الله عز وجل وجاء سدرة المنتهى قال ثم رفعت لي سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها فإذا
نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة يسير الراكب في ظل الفنن منها مئة سنة يستظل بالفنن منها مئة راكب فقال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار تخرج من أصلها نهران باطنان
ونهران ظاهران قلت ما هذان يا جبريل قال أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال أصبت أصاب الله بك الفطرة
التي أنت عليها وأمتك ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جناب ذو اللؤلؤ وإذا ترابها المسك فسمعت من جانبها وجسى فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا بلال قال فسمعت من جانبها وجسى فقلت ما هذه الخشفة
فقيل هذه الرميصاء بنت ملحان امرأة أبي طلحة قال بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بقصر أبيض فقلت لمن هذا يا جبريل ورجوت أن يكون لي فقال لعمر بن الخطاب ثم سرت هنيهة فرأيت قصرا هو أحسن
من القصر الأول من ذهب مربع يسمع فيه ضوضاء بفنائه جارية تتوضأ إلى جانب القصر فقلت لمن هذا القصر يا جبريل ورجوت أن يكون لي فقال هو لرجل من أمة محمد قلت فأنا محمد لمن هذا القصر قال
لرجل من العرب قلت أنا عربي فقلت لمن هذا القصر قال لشاب من قريش قال فظننت أني أنا هو فقلت أنا قرشي لمن هذا القصر قال لعمر بن الخطاب وإذا فيه من الحور العين فأردت أن أدخله فأنظر إليه
فذكرت غيرته فوليت مدبرا وإذا بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فضرب بيده
فإذا طينه مسك أذفر فضربت بيدي إلى تربته في مجرى الماء فإذا مسكة مذفرة فإذا حصاه لؤلؤ ومر برائحة طيبة فقال ما هذه الرائحة يا جبريل قال هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها قال النبي
صلى الله عليه وسلم لجبريل وما شأنها قال بينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقطت المدرى من يدها فقالت بسم الله فقالت لها بنت فرعون أبي فقالت لها الماشطة لا ولكن ربي وربك ورب أبيك قالت أولك
رب غير أبي قالت نعم ربي وربك ورب أبيك الله قالت أقول له إذن قالت قولي له فدعاها فقال لها يا فلانة أولك رب غيري قالت نعم ربي وربك الله عز وجل قال جبريل فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم
أمر بها لتلقاهي وأولادها فيها فقالت لها الماشطة إن لي إليك حاجة قال وما هي قالت أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا قال ذلك لك علينا لما لك علينا من الحق فأمر بأولادها
فألقوا في البقرة بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله فتكلم الرضيع بإذن الله تبارك وتعالى وقال لها يا أمة قعي ولا تقاعسي اصبري فإنك على
الحق اقتحمي
ثم ألقيت مع ولدها فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان وهم عيسى عليه السلام وابن ماشطة بنت فرعون وصاحب جريج وولد المرأة التي ألقيت في الأخدود في قصة أصحاب الأخدود فنظر النبي
صلى الله عليه وسلم في النار فإذا قوم يأكلون الجيف فقال هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ورأى رجلا أحمر أزرق جعدا شعثا إذا رأيته قلت من هذا يا جبريل قال هذا عاقر
الناقة ومر على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار فقال من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون الذين يأمرون الناس بالبر
وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون وقال صلى الله عليه وسلم لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون
في أعراضهم ورأى صلى الله عليه وسلم الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ومررت بالملأ الأعلى عند سدرة المنتهى عندها
جبريل وقال صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم
ثم فرضت علي الصلاة خمسون صلاة كل يوم فأوحى الله إلي ما أوحى ثم رفع جبريل رأسه ورأيته في خلقه الذي خلق عليه عند سدرة المنتهى في صورته له ستمائة جناح في حلة من رفرف قد سد الأفق ينفض
من ريشه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم وقال صلى الله عليه وسلم اسمه مكتوبا في السماء محمد رسول الله فنزلت فرجعت فمررت على موسى عليه السلام فاحتبسه موسى فقال يا محمد بما
أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة في اليوم والليلة فقال له إني عالجت بني إسرائيل قبلك وإن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة في اليوم والليلة وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد
المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل النعم إن شئت فرجع به جبريل إلى ربه تبارك وتعالى قال يا رب
خفف على أمتي فإن أمتي لا تستطيع قال فحط عني خمسة فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسة فقال موسى إن أمتك لا تستطيع فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف وما زال النبي صلى الله عليه وسلم بين ربه
وموسى حتى أمره الله تبارك وتعالى بخمس صلوات قال فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم قال يا محمد قال لبيك وسعديك قال إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة هي خمس وهي
خمسون لا يبدل القول لدي وكيف أنهم يتثاقلون عن هذه الصلوات الخمس كيف لو كان الأمر كما كان في أوله كيف لو كانت خمسين صلاة من سيؤديها من سيحرص عليها لا شك أن موسى عليه السلام كان
حكيما عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف وكان الله تبارك وتعالى سيطلب من محمد صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى ربه ولذلك فإن الله تبارك وتعالى لرحمته
جعلها خمسا في العمل ولكنه أبقى الأجر على خمسين فلله الحمد والمنة وفي رواية ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار الذي هو البراق مسرجا ملجما لأركبه يسخر للأنبياء قبلي فاستصعب حين أراد
أن يركبه فقال له جبريل ما يحملك على هذا أب محمد تفعل هذا فوالله ما ركبك أحد قط أكرم على الله عز وجل منه فارفض عرقا فركبته فسار حيث أتيت بيت المقدس فقال جبريل بإصبعه فخرق بها الحجر
وشد به البراق وردته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد ووضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء من بيت المقدس فرأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى بن عمران عليه السلام قائم
يصلي فإذا رجل آدم طوال أسحم كثير الشعر شديد الخلق كأنه من رجال شنوءة فإذا موسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي فإذا هو ربعة أحمر مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس كأنه خرج من
ديماس أي من مكان الاستحمام أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه ونفسه صلى الله عليه وسلم فقال له إبراهيم يا
محمد أقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء أرضها واسعة وأنها قيعان غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واجتماع الأنبياء مع النبي صلى
الله عليه وسلم هنا الله أعلم كيف كان ولكننا نؤمن به وليس ذلك على الله بعزيز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأذن مؤذن فأممتهم فتقدمت إلى القبلة فصليت فيه ركعتين
فالتفت فإذا النبيون أجمعوا فلما فرغت من الصلاة رأيت من حائط بيت المقدس الشرقي جهنم في الواد الذي بالمدينة ورأيت ملكا يقلب جمرا كالقطف وإذا جهنم تنكشف مثل الزرابي قال جبريل يا محمد
هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فإذا رجل عابس يعرفه الغضب في وجهه فبدأني بالسلام فسلمت عليه فأري مالكا خازن النار والدجال في آيات أراهن الله إياه ورأى الدجال في صورته ليس
رؤيا منام ولكنها رؤيا عين فيلمانيا ضخم والفيلماني هو عظيم الجثة أقمر حجانا يعني أبيض ورأيت عمودا أبيض كأنه لؤلؤ تحمله الملائكة قلت ما تحملون قالوا هذا عمود الإسلام أمرنا أن نضعه
بالشام فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا فنفرت هؤلاء ما هذا قالوا ما نرى شيئا إلا ريحا فأضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان هذه هي قصة الإسراء والمعراج أما الإسراء فكان من مكة إلى بيت المقدس
وأما المعراج فهو من بيت المقدس إلى السماء والمعراج من العروج وهو الصعود والإسراء من السري وهو المشي وليلا فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فضع بأمره كيف يخبرهم وكيف
سيصدقونه فأصبح وقد أخبر بما كان صلى الله عليه وسلم وسعى الناس بذلك إلى أبي بكر فقالوا له هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس فقال لهم أبو بكر أو قال ذلك قالوا
نعم قال لئن كان قد قال ذلك فقد صدق قالوا أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة وقعد النبي
صلى الله عليه وسلم معتزلا حزينا قال له صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو جهل وما هو فقال صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة قال أبو جهل إلى أين قال إلى بيت المقدس قال أبو جهل ثم
أصبحت بين ظهره وظهره قال نعم فقال أبو جهل وكأنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم لا يكذبه بعد ذلك وخاف أن يجحده فقال أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم نعم فقال أبو جهل هيا يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فانتفضت إليه المدينة وجاءوا حتى جلسوا إليهما فقال أبو جهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حدث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة فقالوا إلى أين قال إلى بيت المقدس قالوا
ثم أصبحت بين ظهرانينا قال نعم فمن بين مصفق قال أبو جهل ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا قالوا وتستطيع أن تنعت لنا المسجد أراد أهل مكة أن يختبروا النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن
بعض أهل مكة قد وصلوا إلى بيت المقدس ورأوه وهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سافر إلى بيت المقدس أبدا فقال صلى الله عليه وسلم فما زلت أنعت حتى سألوني عن أشياء من بيت المقدس
لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط فأثنيت على ربي وسألته أن يمثل لي بيت المقدس وهنا المؤمن إذا اشتد به الأمر فلا ملجأ يلجأ إليه إلا إلى الله لجأ إلى الله جل وعلا فماذا فعله قال
فجل الله لي بيت المقدس فرفعه إلي أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أراه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه فقال القوم أمنعت فوالله لقد أصاب فقال لهم
النبي صلى الله عليه وسلم وإن من آيتي أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم جمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود
وغرارتان سوداوان فلما كان اليوم الذي ذكر أشرف فيه الناس ينتظرون حتى كان قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ناس نحن لا
نصدق محمدا بما قال فضرب الله رقابهم مع أبي جهل وهذا يبين لنا أنهم معاندون للنبي صلى الله عليه وسلم وإلا بعد هذا الوصف الدقيق من النبي صلى الله عليه وسلم يصرون على استكبارهم وعلى
ضلالهم والعياذ بالله وهذا الإسراء الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم له حكم كثيرة فمن حكمه أولا أن الله تبارك وتعالى أتاح لرسوله صلى الله عليه وسلم الاطلاع على المظاهر الكبرى بقدرته
سبحانه وتعالى حتى يزداد ثقة بالله تبارك وتعالى ثانيا ظهور أواصر القربى بين الأنبياء إذ إن الأنبياء جميعا دينهم واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد فالأنبياء بينهم من المودة الشيء العظيم وهذا ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء في كل سماء يأتيها يرحب به أنبياء تلك السماء وهذا مصداق قول النبي صلى الله
عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنا بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هل لا وضعت هذه اللبنة وأنا خاتم النبيين ثالثا تحقق
أن هذا الدين هو دين الفطرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم فاخترت اللبن فقيل لي اخترت الفطرة كنوز السيرة انشقاق القمر ثم بعد هذه الحادثة وقعت حادثة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم
وهي حادثة عجيبة ذكرت بالتواتر ألا وهي انشقاق القمر طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم علامة ودلالة على صدقه وكأنه ما أتاهم بشيء من ذلك فطلبوا منه صلوات الله وسلامه عليه أن
يشق القمر نصفين فقال أرأيتم لو شق الله لكم القمر نصفين أتؤمنون قالوا وما لنا لا نؤمن فدع النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى فشق الله لهم القمر نصفين فلما نظروا إلى القمر وهو
نصفين بينهما جبل أبي قبيس قالوا لقد جاء بسحر فقال قائل منهم إن كان قد سحركم فلا يستطيع أن يسحر الناس جميعا فلما جاء السفار قالوا لهم ما أعجب ما رأيتم قالوا في ليلة كذا رأينا القمر
فلقتين قالوا لقد جاء بسحر عظيم سحر الناس أجمعين وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى في سورة القمر يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر أي سحر قوي كنوز السيرة بيعة العقبة الأولى قد مر بنا
أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بعض أهل المدينة وأنهم آمنوا به وتابعوه فلما كان في الموسم من السنة الثانية عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم جاء الأنصار إلى النبي صلى الله عليه
وسلم وبايعوه والذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم هم معاذ بن الحارث وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة
وكلهم من الخزرج إلا أبو الهيثم وعويم بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وهي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في قوله هكذا كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال قال عبادة
بن الصامت رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان لتفترونه بين أيديكم
وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو له كفارة ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا
عنه قال فبايعناه على ذلك ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه يعلمهم الإسلام ويدعو غيرهم تبارك وتعالى وهاتان قصتان لرجلين أسلما على يد مصعب بن عمير فكان في
إسلامهما خير عظيم كنوز السيرة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما إن أسعد بن زرارة خرج يوما مع مصعب بن عمير فدخلا في حائط لبني ظفر وجلسا على بئر يقال لها بئر مرق واجتمع
إليهما رجال من المسلمين وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير كان سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وكانا على الشرك فلما سمعا بذلك قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير اذهب إلى هذين الذين قد أتيا يسفروا
فسجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا فإن أسعد بن زرارة بن خالتي ولولا ذلك لك فيتك هذا فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق
الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه فجاء أسيد فوقف عليهما متشتما وقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا
قبلته وإن كرهته كف عنكما تكره فقال أنصفت ثم ركز حربته وجلس وكيف أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور من عبادة الأصنام إلى عبادة رب
العباد سبحانه وتعالى قال راوي القصة فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم وذلك في عبادة الأصنام وفي إشراقه وتهلله ثم قال له ماء سيد ما أحسن ذلك وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن
تدخلوا في هذا الدين قال له اغتسل وطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين ثم قال إن ورائي رجلا انتبعكما لم يتخلف أحد من قومه ثم أخذ حربته
وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس فقال سعد أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف أسيد على قومه قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا
فقالا نفعل إن أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وبنوا حارثة لن يقتلوا أسعد بن زرارة ولكن هكذا تصرف أسيد بن حضير رضي الله عنه ليثير سعد بن معاذ ليقوم
ويدافع عن ابن خالته أسعد بن زرارة فقام سعد مغضبا للذي ذكر له وخرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما كما عرف أنه لا أحد سيقتل أسعد ولا شيء فوقف
عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة والله يا أبا أمامه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني وقال لأسعد بن زرارة قال مصعب لسعد بن معاذ أو تقعد فتسمع إن رضيت أمرا قبلته وإن
كرهته عزلنا عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قال راوي القصة فعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فقال له كما قال لأسيد ففعل كما فعل أسيد
فلما رجع إلى قومه قال يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله فما أمسى فيهم رجل
ولم رأة إلا مسلم ومسلمة إلا رجل واحد يقال له الأصيرم وقد أسلم يوم أحد وظل مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء
مسلمون وكانت في السنة الثالثة عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إذ حج من المسلمين من أهل المدينة بضع وسبعون نفسا من ضمن حجاج قومهم من المشركين وكان المسلمون يقولون حتى متى نترك
رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخوف قال كعب بن مالك رضي الله عنه خرجنا إلى الحج ووعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق وكانت الليلة التي
وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمر بن حرام سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمنا عبد الله بن عمر
بن حرام وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بموعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا من النبي صلى الله عليه وسلم قال كعب رضي الله عنه فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى
الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطى مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب وهي أم عمارة وأسماء بنت عمر من بني سلمة فاجتمعنا
ننتظر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب والعباس يومئذ على دين قومه إلا أنه عم النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعرف ماذا هم صانعون بابن أخيه فلما
اجتمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم كان أول المتكلمين عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على
مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا لانحياز لكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن
كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده فقال كعب قد سمعنا ما قلت تكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال النبي صلى
الله عليه وسلم تبايعوني فقالوا يا رسول الله نبايعك على ماذا قال على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقوموا
في الله وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة قال كعب رضي الله عنه وتل القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قام البراء بن
معرور فأخذ بيده ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم والذي بعثك بيه فقال لنمنعنك مما نمنع أزرنا منه فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر فقام
أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وفي رواية أن جابرا قال فقمنا نبايع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب
إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وفيه قتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإن أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من
أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله يريد أسعد رضي الله عنه أن يثير فيهم محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها فبايعهم
النبي صلى الله عليه وسلم وصافحهم إلا المرأتين فإنه ما صافح امرأة قط فقال عليهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس أما نقباء الخزرج فأسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد
الله بن رواحة ورافع بن مالك والبراء بن معرور وعبد الله بن عمر بن حرام وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وأما نقباء الأوس وسعد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر
وبعد أن تمت هذه البيعة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين بايعوه صاح الشيطان وقال يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصباه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم أما والله يا عدو والله لأتفرغن لك ثم أمرهم أن يرجعوا إلى رحالهم لما سمعت قريش هذا الصوت جاءوا إلى أهل يثربا فقالوا لهم يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا
تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي منه من العرب أبغض إلينا من أن ننشب معه الحرب منكم فقال مشرك يثرب والله ما وقع شيء من هذا ولا تم شيء من هذا وصاروا
يحلفون بالله ما وقع شيء من هذا فآت الناس عبد الله بن أبي بن سلول وكان من كبار الخزرج فجعل يقول هذا باطل وما كان هذا وقالوا لي يفعلوا مثل هذا إلا وأخبروني فاستمرت قريش تبحث وتستقصي
الأخبار حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح والبيعة قد تمت فلما نفر الحجيج سارع فرسانهم إلى أهل يثرب ولكن بعد فوات الأوان ولكنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمر فطاردوهما وفرا
منهم فأعجزهم المنذر وأمسكوا سعد بن عبادة فربطوا يديه إلى عنقه وجعلوا يضربونه ويشدون شعره حتى أدخلوه مكة فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب فخلصاه من أيديهم وذلك أن سعد بن عبادة من
سادات أهل المدينة بدأ المسلمون يهاجرون وحاول المشركون صدهم عن الهجرة وكان أول المهاجرين أبو سلمة وقد هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة وأخذ معه زوجته أم سلمة وولدهما سلمة فجاءه أصهاره
فقالوا له أما نفسك فلا نستطيعها أرأيت صاحبتنا هذه على ما نتركك تسير بها في البلاد فوالله لا ندعها معك فأخذوا منه زوجته ومن الطبيعي جدا أن ولده سلمة الصغيرة رجع مع أمه فغضب آل أبي
سلمة كيف تأخذون من الرجل زوجته فقالوا إذا فعلتم ذلك فنحن نأخذ ابننا فأخذوا سلمة من أمه فتشتت أمر هذه العائلة الصغيرة فسلمة أخذها قومها وسلمة أخذه قوم أبيه هاجر أبو سلمة وحده إلى
المدينة وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها وأخذ ابنها منها تخرج إلى الأبطح تبكي حتى تمسي واستمرت على ذلك سنة كاملة وهي تبكي في راق ابنها وزوجها فرق لها أحد ذويها وقال ألا تخرجون هذه
المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وولدها فقالوا لها إلحقي بزوجك إن شئتي فذهبت إلى أهل زوجها فأعطوها ولدها ثم هاجرت خلف زوجها إلى المدينة ولكنها لما خرجت لم يكن معها أحد فلقيها في
الطريق عثمان بن طلحة وبعد أن عرف حالها شيعها يجاريها في السير ووصل بها إلى المدينة وهو على الشرك ولكنها أخلاق العرب فلما وصل إلى المدينة قال زوجك في هذه القرية ادخليها على بركة
الله ثم انصرف إلى مكة هذه صورة من صور المهاجرين وكيف عانوا عند خروجهم من مكة إلى المدينة الله عنه أسلم صهيب وظل في مكة فترة من الزمن ثم رأى أن يهاجر إلى المدينة فلما أراد الهجرة
جاءه كفار مكة وقالوا أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك سبحان الله ما سرق مالهم ولا غشهم ولا راباهم وإنما اشتغل بعرق
جبينه ومع هذا قالوا له لا تخرج أنت ومالك أبدا فقال لهم صهيب أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي قالوا نعم قال فإني قد جعلت لكم مالي فبلغ هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال ربح صهيب وذكر بعض أهل العلم أن قول الله تبارك وتعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوكم بالعباد أنها نزلت في صهيب الرومي رضي الله عنه كنوز السيرة المهاجرون
إلى المدينة رضي الله عنه قال قال أبو بكر مضى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى أتينا المدينة ليلا فنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني أنزل الليلة على
بن النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك فخرج الناس حين دخلنا المدينة في الطريق على البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء محمد رسول الله وبات عند بن النجار فلما أصبح انطلق حتى
نزل حيث أمر قال البراء وكان أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير فقلت له ما فعل رسول الله فقال هو مكانه وأصحابه على أثري ثم أتانا بعده عمر بن أم مكتوم ثم أتا بعده عمار بن
ياسر وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وبلال ثم أتانا بعدهم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ثم أتانا بعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه كنوز السيرة هجرة زينب بنت النبي
صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة ألا تجيئني بزينب قال بلى قال فخذ خاتمي فأعطها إياه فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيا فقال لمن ترعى فقال لآب العاص قال
فلمن هذه الغنم قال لزينب بنت محمد فأعطاه الخاتم حتى كان الليل خرجت إليه فركبت وراءه حتى أتت المدينة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها هي أفضل بناتي أصيبت فيي كنوز السيرة هجرة
النبي صلى الله عليه وسلم وفي شهر صفر من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع أهل مكة على أمر عظيم ما اجتمعوا على مثله قط وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة
وتعاقدوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الرأي كان رأي أبي جهل رأس قريش في ذلك الوقت قال أبو جهل والله إن لي فيه رأيا وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن نأخذ
من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه ونستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القفل فلم
يقدر بن عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضون منا بالعقل أي بالدية فعقلناه لهم وبعد هذا الاجتماع الخطير أرسل الله تبارك وتعالى جبريل عليه السلام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن
الله يأمره بالهجرة فذهب النبي في الهاجرة قبيل الظهر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة قالت عائشة بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا وذلك في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن
له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر
الصحبة بأبي أنت يا رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فبقي النبي صلى الله عليه وسلم إلى عتمة الليل وإذا كفار مكة عند باب النبي صلى الله عليه وسلم يريدون قتله إذا
خرج وفيه أنزل الله تبارك وتعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين كيف صنع الله بهم كما قال جل وعلا إنهم يكيدون كيدا وأكيد
كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسج ببردي فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم وقد أبقى النبي صلى الله عليه وسلم عليا في
مكة حتى يرد الأمانات التي عنده لأهل مكة ونريد أن ننبه إلى أمرين اثنين نرى أنهما من أهم الأمور أولهما أن كفار مكة كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم كاذب ساحر شاعر مجنون وغير
ذلك من الصفات التي اتهموه بها وهم في هذا كاذبون فهم لا يصدقون ما يقولون إذ كانوا يضعون أماناتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فهل يجوز أن يعطي عاقل الأمانة لرجل يرى أنه كذاب أو
مجنون أو أنه ساحر هذا لا يمكن أبدا فدل هذا على أنهم لا يكذبون كما قال الله تبارك وتعالى فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون الأمر الثاني أمانة النبي صلى الله عليه وسلم
فلما أرادوا قتله لم يقل أنا آخذ أموالهم لأنهم يريدون قتلي فأنا أستحقها فلما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من بيته وأولئك الشبان الأقوياء المسلحون ينتظرونه عند الباب
ليقتلوه ألقى الله تبارك وتعالى عليهم النوم جميعا وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وكان الله قد أخذ أبصارهم فلا يرونه والنبي صلى الله
عليه وسلم يتلو وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون فلم يبق منهم رجل إلا وضع النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا ومضى إلى بيت أبي بكر فخرج من خوخة في
دار أبي بكر ليلة حتى لحق بغار ثور اتجاه اليمن وظل مريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم واقفين حتى جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ورآهم عند الباب فقال لهم ماذا تنتظرون قالوا محمدا قال خبتم
وخسرتم قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب وانطلق لحاجته فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فوجدوا التراب فقاموا ينفضونه وقالوا والله ما أبصرناه ثم نظروا داخل البيت فرأوا عليا قالوا هذا
والله محمد فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا وقام علي عن الفراش فسقط في أيديهم وقالوا له أين محمد قال لا علم لي ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب وأن الطريق
الذي ستتجه إليه الأنظار هو المدينة كان من ذكائه صلى الله عليه وسلم أن سلك قريشا وكان طريقا آخر يضاده تماما وهو طريق اليمن مشى خمسة أميال في اتجاه اليمن والأنظار كلها والعقول تقول
إن النبي صلى الله عليه وسلم سيهاجر إلى المدينة وهكذا كان ولكنه أراد أن يعمي عليهم الأمر فذهب إلى جهة اليمن ومكث في مكان يقال له جبل ثور ثلاثة أيام ومشى متجها إلى غار ثور على أطراف
قدميه لأن الطريق كان وعرا فحفيت قدماه صلى الله عليه وسلم وطفق يشتد به الأمر حتى انتهى إلى الغار في قمة الجبل ولما انتهى إلى الغار قال أبو بكر والله ما تدخله يا رسول الله حتى أدخله
قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخل أبو بكر فكسحه ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسده به وبقي ثقبان آخران فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل فدخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر فلم يتحرك مخافة أن ينجح فانتبه الرسول صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه من شدة الألم على وجه الرسول صلى
الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا أبا بكر قال لدغت فداك أبي وأمي فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا لدغه فذهب ما يجده من ألم وهذا أيضا يبين لنا أمرين
اثنين الأول شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه يلدغ فلا يتحرك حتى لا يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم الثاني بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنه مجرد أن تفل
في جرحه أذهب الله جل وعلا عنه ما يجده وظل في الغار ثلاث ليال وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما قالت عائشة وهو غلام شاب ثقف اللقن فيدرج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت
فيها فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكان يرعى غنمه عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل
وكان يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي وكان يأتي إلى أثر عبد الله بن أبي بكر وهو راجع وهو ذاهب فيمشي بالغنم حتى يذهب أثره وأما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها أن النبي صلى الله
عليه وسلم قد أفلت في صبيحة الليلة التي عزموا فيها على قتله وحاولوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآذوه حتى يعلمهم مكان النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعلمهم بشيء حتى إذا يأسوا منه
ذهب أبو جهل إلى بيت أبي بكر الصديق فخرجت إليه أسماء بنت أبي بكر قالت لا أدري فرفع أبو جهل يده فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها وجعلت قريش مكافأة قدرها مئة ناقة لكل من يدلها على مكان
النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان حيا أو ميتا وجدت الفرسان والمشات وقصاص الأثر في الطلب لأن مئة ناقة شيء عظيم وقروا في الجبال والوديان يبحثون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن دون
فائدة كنوز السيرة الله ثالثهما أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوة فقلت يا نبي
الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما وفي لفظ ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ولما هدأت قريش في الطلب تهيأ النبي
صلى الله عليه وسلم للخروج من الغار وذلك أن عبد الله بن أبي بكر كان يأتيهما بالأخبار وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل أجير وهو عبد الله بن أريقط كان دليلا للنبي صلى الله عليه
وسلم وأبي بكر وكان كافرا ومع هذا استعان به النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قال أهل العلم تجوز الاستعانة بالكافر عند الحادثة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى عبد الله بن أريقط
الراحلتين وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال والنبي صلى الله عليه وسلم استأمنه وهو كافر وكان من الممكن أن يخبر قريشا بمكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ويأخذ المئة ناقة ولكنه ما
استأمنه إلا لأنه كان أمينا فلما كانت ليلة الاثنين جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين وكانتا لأبي بكر فقال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله خذ إحدى
راحلتي هاتين يعني لك وقرب إليه أفضلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن وقلت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما يعني شيئا تربط به فلما ارتحلا ذهبت تعلق السفرة فإذا
ليس لها عصام فشقت نطاقها قسمين فعلقت السفرة بأحد هذين القسمين وانتطقت بالآخر ومنها لقبت بذات النطاقين والنطاق هو ما يربط على البطن وخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال وقلت نم
يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة قلت أفي
غنمك لبن قال نعم قلت أفتحلب قال نعم فأخذ شاتا فقلت أنفض الضرع من التراب والشعر والقذا فحلب في كعب كثبة من لبن ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضى
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه فوافقت حين استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى بقيت وبرد أسفله فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قال ألم يأين الرحيل قلت بلى قال
فارتحلنا كنوز السيرة سراقة بن مالك يبحث عن المكافأة وتابع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم ويحدثنا سراقة بقصته قال بينما أنا جالس في مجلس من
مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة وعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت
فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي من وراء أكمة فتحبسها علي فأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عالية
حتى أتيت فرسي فخررت عليها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره قال فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا اقتربت من النبي صلى الله
عليه وسلم وأبي بكر سمعت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها
فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام مرة ثانية فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم كيف أن
فرسي امتنعت أن سيظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الديه وعرضت عليه الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلى أن قال أخفي عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن
فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع سراقة بن مالك ووجد الناس في الطلب فجعل يقول لهم قد استبرأت لكم الخبر قد كفيتكم ما هاهنا سبحان
الله في أول الأمر يريد قتلهما يريد المكافأة وفي آخر النهار جعل يدافع عنهما ويخفي أمرهما فهذا من الله تبارك وتعالى كيف أنه يحفظ نبيه صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة خيمة أم معبد ومر
النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك حتى أتى خيمة امرأة يقال لها أم معبد قالت والله ما عندنا شيء ما أعوزكم وكانت سنة شهباء فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شات في كسر الخيمة فقال
ما هذه الشات يا أم معبد قالت شات خلفها الجهد عن الغنم فقال هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك فقالت أتأذنين أن أحلبها قالت نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها فمسح رسول الله صلى
الله عليه وسلم بيده ضرعها وسمى الله ودعا فتفاجت عليه ودرت فدعا بإناء لها فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه أبا بكر وعامرا وعبد الله بن أريقط حتى رو ثم شرب
وحلب ثانية حتى ملأ الإناء ثم أعطاه إياها وغادر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك جاء زوج أم معبد يسوق أعنزا عجافا ما فيها لبن فلما رأى اللبن عجب فقال من أين لك هذا والشات عازب ولا حلوبة
في البيت فقالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا فذكرت له ما وقع فقال زوجها إني والله أرى أنه صاحب قريش الذي تطلبه صفيه لي يا أم معبد فوصفته
بصفات فقال لها هذا والله من يبحث عنه أهل مكة وسمعت أشعار يقال إنها للجن جزى الله رب العرش خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبدي هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمدي
فيالق صي ما زو الله عنكم به من فعال لا يجاز وسؤددي ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصدي سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشات تشهدي كنوز السيرة الفصل الثالث
دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفي يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى قباء قال عروة بن الزبير سمع المسلمون
بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غدات إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطال انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من
يهود على أطم من آطامهم فأمر بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن نادى بأعلى صوته يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى
السلاح فتلقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء
من الأنصار ممن لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يجيؤون أبا بكر يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل على نبي الله
صلى الله عليه وسلم بردائه فعرف الناس أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم وبقي علي بن أبي طالب ثلاثة أيام يؤدي الأمانات عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم هاجر ماشيا على قدميه أقام
الرسول صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام على المشهور كنوز السيرة أول مسجد أسس على التقوى أسس صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وصلى فيه وهو أول مسجد أسس على التقوى ولما كان اليوم
الخامس وهو يوم الجمعة ركب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله له وأردف أبا بكر وأرسل إلى بن النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم فسار جهة المدينة فأدركته الجمعة في قرية اللبني سالم بن عوف
فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي وهذه أول جمعة صلىها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعد أن صلى الجمعة انطلق إلى داخل المدينة فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا
خطوة وهم يقولون له يا رسول الله هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة فكان يقول لهم خلوا سبيلها فإنها مأمورة فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي فبركت فلم ينزل عنها حتى
نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأنصار فنزل عنها النبي صلى الله عليه وسلم في بن النجار وكان من توفيق الله له فإنه أحب أن ينزل على أخواله ليكرمهم بذلك وهذه من صلة
الرحم فجعل الناس يكلمون الرسول صلى الله عليه وسلم في النزول إليهم فكل واحد منهم يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول أسكن عندي أسكن عندي فقام أبو أيوب الأنصاري وأخذ رحل النبي
صلى الله عليه وسلم ثم دخل به إلى بيته فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المرء مع رحله فجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فقال والراحلة عندي وبعد
أيام وصلت زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أسامة بن زيد وأم أيمن وكل أولئك خرج معهم عبد الله بن أبي بكر ومعه كذلك أولاد أبي بكر الصديق وبقيت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند
أبي العاص بن الربيع لم تستطع أن تهاجر معه لأنه كان على دين قومه بناء المسجد النبوي بعد أن استقر بالنبي صلى الله عليه وسلم المقام قام ببناء المسجد النبوي في المكان الذي بركت فيه
الناقة وكان المكان لغلامين يتيمين فاشتراه وبنى المسلمون المسجد وشارك النبي صلى الله عليه وسلم في البناء بيديه الكريمتين عليه الصلاة والسلام وكان يقول وهو يبني معهم اللهم لا عيش إلا
عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فكان الأنصار يعملون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل وكان في ذلك المكان قبور للمشركين وكان فيه
خراب ونخل وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت والخراب فسويت وبالنخل فقطعت وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة في ذلك الوقت إلى بيت المقدس لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم
بالتوجه إلى مكة وبنى بجانب هذا المسجد بيوتا وهي الحجر بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم وبعد أن تكامل البنيات انتقل صلى الله عليه وسلم إلى تلك البيوت كنوز السيرة المؤاخات بين
المهاجرين والأنصار ثم آخر رسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وذلك في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار وأنهم يتوارثون بعد الموت دون
ذوي الأرحام وذلك إلى أن أنزل الله تبارك وتعالى بعد بدر وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فرجع التوارث إلى الأقارب ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط
فوارق النسب واللون والوطن وإنما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن بن عوف إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي
امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجها فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله في أهلك ومالك أين سوقكم فدلوه على سوق بني قينقاع فمن قلب إلا ومعه فضل من إقط وسم
ثم تابع الغدو ثم جاء يوما وبه أثر صفرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم أي ما الأمر قال تزوجت قال كم سقت إليها قال نواة من ذهب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالت الأنصار للنبي
صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل فقال لا فقالوا فتكفون المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا نعم سمعنا وآطعنا وهذا يدلنا على أمرين اثنين أيضا أولا سخاء الأنصار كما قال
الله تبارك وتعالى ثانيا يظهر لنا كذلك موقف المهاجرين وذلك أنهم لم يستغلوا طيبة الأنصار ولذلك لم يقبل عبد الرحمن بن عوف عرض سعد بن الربيع ولم يقبل المهاجرون عرض الأنصار أن يقاسموهم
نخيلهم رضي الله عنه اشتهرت رواية في كتب التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المهاجرين والأنصار أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال هذا أخي ولم يثبت عن النبي صلى
الله عليه وسلم شيء من ذلك قال ابن كثير رحمه الله أما مؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم وعليه فإن من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخات إنما شرعت لأجل
ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم ولا مهاجري لمهاجري آخر كما ذكر من مؤاخات حمزة وزيد بن حارثة إن يكون النبي صلى
الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صغاره في حياة أبيه أبي طالب وقد نص شيخ الإسلام بن تيمية والحافظ العراقي على أنه لم
يصح في هذا شيء كنوز السيرة معاهدات مع اليهود بعد ذلك عقد النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدات مع اليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة وهم لم يدخلوا في الإسلام فعقد معهم النبي صلى
الله عليه وسلم معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد من المدينة بل تركهم فيها ولم يتجه إلى المسلمين تقول لا يغرنكم أنكم أفلتتم منا إلى يثرب
فسنأتيكم ونستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم فعن عائشة رضي الله عنها قالت سهر الرسول صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني قالت فبينما نحن
كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بك فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى
الله عليه وسلم ثم نام وهذا من توفيق الله تبارك وتعالى له كنوز السيرة بدء السرايا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى أنزل الله تبارك وتعالى والله يعصمك من الناس فأخرج الرسول
صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله وهذا يبين شدة اليقين بالله وكان الله عز وجل قد أمر نبيه بالصبر والكف عن المشركين حتى أذن الله تبارك
وتعالى بالقتال والدفاع بقوله جل وعلا أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير وبعد هذا الإذن من الله بالقتال بدأت السرايا وكان من هذه السرايا سرية نخلة وذلك أنه في
السنة الثانية من الهجرة بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي إلى مكان يقال له نخلة في 12 رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير وكان الرسول صلى الله عليه وسلم
كتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومه
ثم ينظر فيه فسار عبد الله بن جحش ثم قرأ الكتاب بعد يومين فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فانضي حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم فقال عبد الله بن
جحش عندما قرأ الكتاب سمعا وطاعة ثم أخبر أصحابه بذلك فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض فنهضوا كلهم ولكن في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان
بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وفيها عمر بن الحضرمي وعثمان ونوفل بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان فتشاور
المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم دخلوا الحرام والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم
والواحد الفرد رجب هذه أشهر محرمة منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى يومنا هذا قال تعالى فهم أدركوا هذه العير في آخر يوم من رجب الحرام فإذا أخذوا ما عندهم من مال وقاتلوهم فقد
قاتلوا في الشهر الحرام وإن تركوهم دخلوا إلى البلد الحرام مكة فوقعوا بين ثلاث حالات الحالة الأولى أن يقاتلوهم في الشهر الحرام الحالة الثانية أن يتركوهم حتى يدخلوا مكة ويقاتلونهم غدا
في الأشهر الحلال ولكن في المكان الحرام الحالة الثالثة وهي أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام ولا يقاتلوهم في البلد الحرام ولكن تفلت العير وتدخل إلى مكة وتنجو وكان كفار قريش كما هو
معلوم قد أخذوا أموال المسلمين بل أخذوا دورهم وآذوا من آذوا وقتلوا آخرين فكان أخذ العير نوعا من رد بعض الحقوق وللإنسان أن يرد حقه منه وقالوا ممن ظلمه ولو وصل الأمر إلى القتال فتشاور
المسلمون ثم اجتمعوا على اللقاء فرمى أحدهم عمر بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم بن كيسان وأفلت منهم نوفل وقدموا بالعير والأسيرين إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وقد عزلوا من
ذلك الخمس وذلك كان أول خمس في الغنيمة وهذان كان أول أسيرين وذلك كان أول قتيل في الإسلام فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما حدث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما
فعلوه وقال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام
ثم أوقف النبي صلى الله عليه وسلم أي تصرف في العير والأسيرين وقالوا يتكلمون في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا إنه أحل ما حرم الله وأكثروا في القيل والقال حتى أنزل الله
تبارك وتعالى الوحي يدافع به عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال الله تبارك وتعالى وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل
يقول الله تبارك وتعالى للمشركين أنتم تنكرون على المسلمين أن قتلوا رجلا في الشهر الحرام ونحن نوافقكم على أن هذا العمل لا يجوز ولكن أنتم يا من تعيبونهم في هذا انظروا ماذا تفعلون يقول
الله تبارك وتعالى وصد عن سبيل الله أي الذي تفعلونه وكفر به والمسجد الحرام أي وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه وهو طرد المسلمين من مكة وإخراجهم بالتهديد والتعذيب أكبر عند الله
فكانت هذه الآية مما طيب الله تبارك وتعالى بها قلوب المؤمنين فكأن الله جل وعلا يقول لهم ليس هؤلاء من لهم أن يعيبوا عليكم ذلك لأن فعلهم أكبر من فعلكم بكثير عند ذلك أطلق النبي صلى
الله عليه وسلم سراح الأسيرين وأدى الدية عن المسلمين كنوز السيرة تحويل القبلة فصلوا إلى بيت المقدس فلابد أن يعطي مكة ظهره ومن أراد أن يصلي إلى مكة لابد أن يعطي بيت المقدس ظهره فصلوا
إلى بيت المقدس أما البراء بن معرور رضي الله عنه فصلى إلى مكة فاستغرب أصحابه منه فلما قضوا الصلاة قالوا ويحك ماذا فعلت قال والله إني كرهت أن أجعل هذه البنية في ظهري فقالوا ويحك إن
النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس قال لا أدري فتركوه ووصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد كنت على قبلة لو صبرت وكان
النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن تكون مكة هي القبلة وكان في مكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس كنوز السيرة معركة بدر الكبرى سببها أن عيرا لقريش جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان
ولما قرب رجوعها بعث النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ليقوما باستكشاف خبرها فوصل إلى مكان يقال له الحوراء مكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير وخبره بالعدد فأعلن
النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين قائلا هذه عير قريش فيها أموالهم فخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ولم يعزم على أحد واستعد الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج وخرج معه ثلاثمائة
وبضعة عشر رجلا ولم يتخذوا أهبة كاملة وخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وهم فارسان بفرسين هما الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وكان معهم سبعون بعيرا كل اثنين أو ثلاثة على بعير
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد على بعير واحد كل فترة يركب أحدهم وينزل اثنان ومصعب بن عمير القراشي وأعطى علم كتيبة المهاجرين لعلي بن أبي طالب وأعطى
علم كتيبة الأنصار لسعد بن معاذ وجعل قيادة الميمنة للزبير وعلى الميسرة المقداد بن عمر والقيادة العامة بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار ويخاف بعد وقعة بن
الحضرمي فعلم أن محمد بن حضرمي محمدا صلى الله عليه وسلم قد خرج لملاقات العير فاستأجر رجلا يقال له ضمضم بن عمر مستصرخا لقريش بن نفير ليمنعوه من محمد وأصحابه فخرج ضمضم إلى مكة سريعا
فصرخ ببطن الوادي وجدع أنف البعير وحول رحله وشق قميصه وكل هذه الأشياء للإثارة كانت تستخدمها العرب في السابق لكي يبين أن الأمر جلل ومن ذلك أن العرب كانت تقول أنا النذير العريان يعني
أن المسألة وصلت إلى حد لا يحتمل التسامح ولا التراخي وقال يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث وقالوا أيظن محمد
وأصحابه أن تكون كعير بن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب عم النبي صلى الله
عليه وسلم أتى برجل عليه دين فقال أسقط عنك ديني واخرج بدلي وحشدوا من حولهم من قبائل العرب ولم يتخلف من بطون قريش إلا بن عدي فإنهم لم يخرجوا معهم وكان هذا الجيش نحو 1300 مقاتل معهم
600 فرس ولو عملنا مقارنة لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه 310 والمشركون 1300 المسلمون معهم فرسان بقائدين المشركون معهم 600 فرس فهذا عدد المسلمين وعدتهم وذاك عدد المشركين
وعدتهم المسلمون خرجوا للعير الكفار خرجوا للقتال حتى الاستعداد النفسي مختلف
إذن الآن المشركون متفوقون في ثلاثة أمور أولا العدد ثانيا العدة ثالثا الاستعداد النفسي وكانت قيادة المشركين لأبي جهل عمر بن هشام وخرجوا من ديارهم كما قال تبارك وتعالى وستطاع أبو
سفيان أن ينجو بالعير وذلك أنه لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج غير طريقه وقصة تغيير طريقه تدل على ذكائه فإنه كان يسير على الطريق المعروف من الشام إلى مكة ولكنه كان حذرا
متيقظا لقي مجدي بن عمر وكان يعيش في ذاك المكان قال له هل مر بك جيش فقال مجدي بن عمر ما رأيت أحدا أنكره إلا إني رأيت راكبين أناخا على هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فذهب
أبو سفيان إلى مكان الراحلتين وأخذ من أبعار بعيريهما ففتهوا فإذا فيه النواة فقال هذه والله علائف يثرب فرجع وغير طريقه ونجى بالعير فأرسل إلى أهل مكة أن ارجعوا فقد نجت العير وإنكم
إنما خرجتم لتحرزوا أموالكم وعيركم فإنها قد نجت فقام طاغية قريش أبو جهل فقال والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم بها ثلاثة فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسق الخمر وتعزف لنا القيان وتسمع
بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فقام الأخنس بن شريق وأمر بالرجوع فعصوه فقال أما أنا فراجع ورجع معه بن زهرة وكانوا قريبا من ثلاثمئة واجتمع النبي صلى الله عليه
وسلم لما سمع بخروج أهل مكة بأصحابه يستشيرهم فقال هؤلاء أهل مكة قد خرجوا فماذا ترون فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن رضي الله عنه ثم قام عمر فقال وأحسن ثم قام المقداد فقال وأحسن من
مقولة المقداد بن عمر رضي الله عنه يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك
فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له الرسول خيرا ودعا له بخير قال عبد الله بن مسعود والله لتمنيت أن لي موقف
المقداد لما رأى من فرح النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمات ولكن ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يريد غيرها لأن أبا بكر وعمر والمقداد كل هؤلاء من المهاجرين والنبي صلى الله عليه
وسلم أراد كلمة من الأنصار لأن الأنصار إنما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم يدافعون عنه في المدينة وينصرونه في المدينة ولم يبايعوه على القتال خارج المدينة فأراد الرسول صلى
الله عليه وسلم منهم كلمة هل هم موافقون وراضون وأنهم مصرون على أنهم يدافعون عنه في المدينة فقط فقال أشيروا علي فتكلم سعد بن معاذ وكان قائد الأنصار في هذه المعركة وهو صاحب اللواء
فقال كأنك تريدنا يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجل أريدكم أن تتكلموا ولا أريد أن أجبركم على قتال ولا أريد أن أكرهكم عليه فقال سعد بن معاذ مقولة أفرحت وأثلجت صدر النبي
صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضي يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق
وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله وفي رواية أن سعد بن معاذ قال للرسول
صلى الله عليه وسلم وما تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فضعا حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت واخذ من أموالنا ما
شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك فوالله لئن استعرضت بنا هذا البحر
فخذته لخذناه معك فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشط لذلك ثم قال سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين
ثم ارتحل الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل قريبا من بدر كنوز السيرة قصة طريفة نافعة بعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر إلى ماء بدر
فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة فقبضوا عليهما وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يصلي فسألوا الرجلين من أنتما قالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقي لهم من الماء فكره القوم ذلك
ورجوا أن يكون لأبي سفيان لأنهم يريدون العير فضربوهما حتى يعترفا أنهما لأبي سفيان قال الغلامان نحن لأبي سفيان فتركوهما فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة التفت إلى أصحابه
وقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش ثم التفت إلى الغلامين وقال أخبراني عن قريش قال هم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراء هذا الكثيب وأشار إلى
مكان فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم كم القوم قال كثير قال ما عدتهم قال لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قال يوما تسعا ويوما عشرا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم القوم فيما بين
التسعمائة إلى الألف
ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قال فيهم عتبة وشيبة بن ربيعة وفيهم أبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر وطعيمة بن عدي والنظر وزمعة وأبو جهل وأمية بن
خلف وسموا له رجالا من مكة وقال الله عليه وسلم على الناس وقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ثم اقترح سعد بن معاذ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون في عريش بعيدا عن المعركة
حتى يكون هذا أحفظ للنبي صلى الله عليه وسلم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه نعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان
ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بقومنا فإنه قد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك وكان النبي صلى الله عليه
وسلم على رأيه خيرا وكان في العريش صلى الله عليه وسلم ثم عبأ النبي صلى الله عليه وسلم جيشه ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده صلى الله عليه وسلم هذا مصرع فلان إن شاء الله وهذا مصرع
فلان إن شاء الله يشير إلى الأماكن التي سيقتلون فيها ويسلمون تلك الليلة هادئ الأنفس قال الله تبارك وتعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء وينزل عليكم رجز الشيطان
وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام الأرض التي نزل بها المسلمون كانت قاسية فأنزل الله تبارك وتعالى عليها المطر فصارت لينة والأرض التي نزل فيها المشركون كانت لينة فأنزل الله عليها
المطر فأصبحت قيلة لا يستطيعون الوقوف عليها من الزنا وكان ذلك في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة كنوز السيرة الاستعداد للقتال استعدت قريش للقتال واستعد النبي صلى الله
عليه وسلم للقتال وأرسلت قريش عمير بن وهب يتجسس للتعرف على مدى قوة المسلمين فدار عمير بفرسه وقال نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعه ولا لهم ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى
أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا أعدادكم فما خير العيش بعد ذلك وقامت معارضة بقيادة أبي جهل فأنكر عليه قوله وأمر الناس بالقتال والجنة فأطاعوا أبا جهل كنوز السيرة حيلة
حلال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يعدل الصفوف كان سواد بن غزية متقدما على الصف فضربه بالقدح على بطنه يقول له ارجع استوي يا سواد فقال سواد يا رسول الله أوجعتني فكشف النبي صلى الله
عليه وسلم عن بطنه حتى يستقيد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم استقد فقام سواد واعتنق النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا يا سواد
فقال يا رسول الله قد حضر ما ترى أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة بدء المعركة اصطفى المسلمون واصطفى المشركون ثلاثمائة وبضعة عشر
مقابل ألف من المشركين فخرج من أهل مكة ثلاثة عتبة وشيبة بنى ربيعة فانفصلوا من صف المشركين وطلبوا المبارزة قالوا من يبارزنا وهذا نوع من الإحماء للقتال كانت تستخدمه العرب فخرج إليهم
ثلاثة من الأنصار عوف ومعوذ ابن الحارث وعبد الله بن رواحة فلما التقوا قال المشركون للمسلمين من أنتم قالوا رهط من الأنصار فقالوا لهم أكفاء كرام ما لنا بكم حاجة إنما نريد بني عمنا ثم
نادى مناديهم يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي معه في عبد مناف فهو من أبناء المطلب
بن عبد مناف والنبي من أبناء هاشم بن عبد مناف قال قم يا حمزة وقم يا علي فاختار أقاربه صلى الله عليه وسلم فلما قاموا ودنوا منهم قالوا أكفاء كرام فتبارز عبيدة بن الحارث مع عتبة بن
ربيعة وحمزة مع شيبة وعلي مع الوليد بن عتبة فأما حمزة فقتل صاحبه وأما علي فقتل صاحبه وأما عبيدة فاختلف هو وقرنه في ضربتين فكل واحد ضرب الثاني ضربه ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه
واحتملا عبيدة بن الحارث وهو مصاب وقد قطعت رجله ومات بعد ذلك بثلاثة أيام رضي الله عنه وانتهت هذه المبارزة فغضبت قريش عند ذلك وكروا على المسلمين كرة رجل واحد فقام النبي صلى الله عليه
وسلم يناشد ربه تعالى فقال اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا وبالغ في الابتهال ورفع يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه أبو بكر الصديق
وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك عندها أوحى الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وأوحى الله تبارك وتعالى إلى رسوله أني
ممدكم بألف من الملائكة مردفين أي إنهم ردف لكم يساعدونكم وقال الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة ثم قال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع وفيهم نزل قوله تعالى ولقد نصركم
الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدوا بل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة وما جعله الله إلا
بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر ثم أخذ حفنة من
الحفنة فاستقبل بها قريشا فقال شاهت الوجوه ورمى بها صلى الله عليه وسلم فما من أحد إلا وأصابه ما رماه الرسول صلى الله عليه وسلم وفي هذا قول الله تبارك وتعالى وما رميت إذ رميت ولكن
الله رمى وشد المسلمون على الكفار فكان النصر مواقف ذات عبر عمير بن الحمام رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا
مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة وكان يقول قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإنك من أهلها فأخرج تمرات فجعل يأكل منها ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل
تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمت تمرات ودخل وقاتل حتى قتل رضي الله عنه قال ابن عباس رضي الله عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة في السوط فوقه
وصوت الفارس أقدم حيزوم فجاء الأنصاري فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة وقال أبو داود المازني رضي الله عنه إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ
وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري وجاء رجل من الأنصار بالعربة فقال العباس بن عبد المطلب أسيرا والعباس خرج مع المشركين وكان كارها فأسر قال يا رسول الله أسرت
العباس فقال العباس لا والله ما هذا أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق وما أراه في القوم فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول الله قال النبي صلى الله عليه وسلم أسكت
فقد أيدك الله بملك كريم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إني لفي الصف يوم بدر إذ ألتفت فإذا عن يميني وعن يساري فتياني حديث السن إذ قال لي يا عم أرنا أبا جهل قلت فما تصنعان به قال
أخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت والذي نفسي بيده لئن رأيته لأخبرنكما فقال أحدهما والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق
سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك فلم أنشب أن رأيت أبا جهل يجول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال الرسول صلى الله عليه وسلم هل مسحتما سيفيكما فقال لا لا فنظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال
كلاكما قتله ولما سقط أبو جهل جاءه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال له قد أخزاك الله يا عدو الله فقال أبو جهل هل فوق رجل قتلتموه وهو مع ما كان من كفره وعناده إلا إنه كان من شجعان
العرب ثم قال أبو جهل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخبرني لمن الدائرة اليوم فقام عبد الله بن مسعود ووضع رجله على عنق أبي جهل فقال أبو جهل لقد ارتقيت مرتقا صعبا يا رويعي الغنم قال
ابن مسعود فاحتززت رأسه عند ذلك ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا فرعون هذه الأمة فلما رآها قال هل لك في فأنا خير من هذه الأدراع
التي معك قال ما رأيتك اليوم قط أما لكم حاجة في اللبن فطرح عبد الرحمن بن عوفن الأدراع وأخذهما يمشي بهما وقال أمية لعبد الرحمن من الرجل منكم المعلم بريشة النعامة في صدره قلت ذاك حمزة
بن عبد المطلب قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه وكان أمية هو الذي يعذب بلالا في مكة فقال بلال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فقال عبد
الرحمن بن عوف أي بلال أسيري قال لا نجوت إن نجا ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال عبد الرحمن بن عوف فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا
أذب عنه فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط فقلت أنج بنفسك ولا نجاء لك فوالله ما أغني عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما وكان عبد الرحمن
بن عوف يقول يرحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري كنوز السيرة نتيجة المعركة استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار أما كفار مكة
فقتل منهم سبعون وأسر مثلهم وعامتهم من القادة والزعماء عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في بئر يقال لها بدر ثم مشى صلى
الله عليه وسلم في اليوم الثالث وجاء إلى بدر حتى قام على شفة الركا أي على وجه البئر وقال لهم أسماء آبائهم يا فلان بن فلان يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا
ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا
يجيبون والمشهور عند أهل العلم أن الميت لا يسمع كلام الحي إلا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إنه ليسمع قرع نعالهم أما بعد ذلك فإنه مشغول بنفسه ويكون سماعهم هنا خصوصية
للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أول من قدم بمصاب قريش رجل يقال له الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له ما وراءك فقال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام أي أبا جهل
وأمية بن خلف في رجال من الزعماء سماهم فلما أخذ يعد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو عند الحجر والله إن يعقل هذا فاسألوه عني قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هاهو ذا جالس في الحجر قد
والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا وهكذا تلقت قريش أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر ومن الطرائف أن رجلا يقال له الأسود بن المطلب أصيب ثلاثة من أبنائه يوم بدر وكان يحب أن يبكي عليهم
وقريش قد أعلنت بمنع البكاء على القتلى وكان ضرير البصر فسمع ليلا صوت نائحة فبعث غلامه وقال انظر هل أحل النحيب لأنه يريد أن يبكي والبكاء ممنوع حتى لا يذكر الناس بهذه المصيبة قال لعلي
أبكي على أبي حكيمة يعني ابنه فإن جوفي قد احترق فرجع الغلام فقال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته فقال الأسود بن المطلب أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي
على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود على بدر سرات بنيه صيص ومخزوم ورهط أبناء أبي الوليد وبكي إن بكيت على عقيل وبكي حارثا أسد الأسود وبكيهم ولا تسمي جميعا وما لأبي حكيمة من نديدي ألا
قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا كنوز السيرة وفاة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم قال أسامة بن زيد أتانا الخبر حين سوين التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعد موتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم خلفني عليها مع عثمان وكانت مريضة عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر وأمر عثمان أن يبقى معها كنوز السيرة أسرى بدر لما وصل النبي صلى
الله عليه وسلم إلى المدينة استشار أصحابه في الأسرى فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بن العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن
يهديهم الله فيكون لنا عضدا قال الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان وذكر قريبا له فأضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل
بن أبي طالب فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنقه حتى يعلم الله تبارك وتعالى أنه ليست في قلوبنا هذا وهؤلاء صناديدهم وآئمتهم وقادتهم فهوى النبي صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر
وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فأيذا هما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد
بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي من أصحابك من أخذ الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة وأشار إلى شجرة قريبة وأنزل الله جل وعلا ما كان
لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض أي لكي يثخن في الأرض وأما الكتاب الذي سبق من الله تبارك وتعالى فهو قول الله جل وعلا فإما منا بعد وإما فداء وذلك أن قائد الجيش إذا أسر
المشركين فهو مخير بين أربعة أمور أولا أن يقتلهم ثانيا أن يفاديهم بمال أو مقابل أسرى أو ما شابه ذلك ثالثا أن يعفو عنهم بدون مقابل رابعا أن يسترقهم عبيدا عند المسلمين والنبي صلى الله
عليه وسلم قبل الفداء من بعضهم ومن على بعضهم صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة فرض صيام رمضان وفي هذه السنة أي الثانية من الهجرة فرض الله تبارك وتعالى صيام رمضان في قول الله جل وعلا
فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوم خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس
وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ففرض الله تبارك وتعالى الصيام في هذه السنة كنوز السيرة إسلام عمير بن وهب الجمحي رضي الله عنه وبعد هذه الهزيمة المنكرة لقريش في
بدر جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر وكان لعمير ولد يقال له وهب وهو ممن أسر في بدر فتذاكر المصيبة التي وقعت لأهل مكة بهذه الهزيمة والله إن في العيش بعدهم خير أي ليس
في العيش بعدهم خير وإن هنا هي النافية كما في قول الله تبارك وتعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر
عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا أي لن يستطيعوا فقال له عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم
الضيعة بعد لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فقال صفوان دينك علي أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي ولا يسعني شيء ويعجز عنهم فقال عمير وقد ألزم بما قال فاكتم
عني شأني وشأنك قال أفعل ثم أخذ عمير سيفا وانطلق حتى قدم المدينة فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب وهو في نفر من المسلمين فقال عمر هذا عدو الله عمير ما جاء إلا
لشر ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأدخله علي فأقبل عمير فلببه عمر في حمالة سيفه أي ضمه ضما
بحيث إنه لا يستطيع أن يمسك سيفه وقال لرجال من الأنصار ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون فلما رآه رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال أرسله يا عمر أدن يا عمير فقال عمير إنعموا صباحا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أكرمن الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم قال جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الأسير الذي بين أيديكم فأحسنوا فيه فقال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا قال أصدقني
ما الذي جئت له قال ما جئت إلا لذلك قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت أنت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل صفوان بدينك
وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك فاستغرب عمير كيف عرف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فقال عمير أشهد أنك رسول الله قال يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر
السماء وما ينزل عليك من الوحي هذا الأمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله الحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثم تشهد شهادة الحق فقال أشهد أن
لا إله إلا الله محمدا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيرة أما صفوان في مكة فكان ينتظر خبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان
يقول لأهل مكة أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر قال لهم ما حال عمير حتى جاء ركب فقال لهم ما حال عمير فقالوا أسلم فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا ورجع عمير إلى مكة وأقام
بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يديه أناس كثير سبحان الله خرج كي يقتل النبي صلى الله عليه وسلم وكان ممن عقد معهم المعاهدات بنو قينقاع وكانوا شر الطوائف وأشجعهم وكانوا يسكنون داخل
المدينة في حي باسمهم حي بني قينقاع وكانوا يسكنون داخل المدينة في حي باسمهم وكانوا صاغة للذهب وحدادين وصناعا للأواني وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة وهم أول من نكث العهد والميثاق مع
النبي صلى الله عليه وسلم أخرج أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر وقدم إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال لهم يا
معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس وأنك لم تلق
مثلنا فأنزل الله تبارك وتعالى مدافعا عن نبيه صلى الله عليه وسلم قل للذين كثروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقطا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى
كافرة يرونهم مثليهم رأي العين وقد روى ابن هشام في سيرته عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت إلى السوق بجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها
فأبت فعمد الصائغ إلى صائغ وعطر في ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي لا تعلم فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك عليها اليهود فصاحت فوثب رجل من المسلمين فقتل الصائغ فقام اليهود وقتل المسلم فاستصرخ
أهل المسلم على اليهود فوقع بينهم شر داخل السوق عند ذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة وقال لبابة بن عبد المنذر وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب وسار بجنود
الله إلى بني قينقاع ولما رأوه تحصنوا في الحصون داخل حيهم فحاصرهم أشد الحصار صلى الله عليه وسلم في شوال في السنة الثانية من الهجرة واستمر الحصار خمس عشرة ليلة وقذف الله في قلوبهم
الرعب وقالوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فكتفوا عندها قام الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين
فألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعفوا عنهم قال يا محمد أحسن إلى موالي فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فكرر مقالته فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك بالنبي صلى الله
عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أرسلني ثم قال ويحك أرسلني فقال المنافق لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثة وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود
تحصدهم في غدات واحدة إني والله امرؤ أخشى الدوائر فقال النبي صلى الله عليه وسلم هم لك فوهبهم له ولكن أمرهم أن يخرجوا من المدينة وأن لا يجاوروه فيها فخرجوا إلى الشام كنوز السيرة وكان
من أشد اليهود أذى وحقدا على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا اليهودي صار يهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويمدح أعداء النبي ويحرضهم عليه حتى سافر إلى قريش فنزل على المطلب ابن أبي
وداعة السهمي وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتل المشركين فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن يهيج أهل مكة للانتقام وهناك سأله أهل مكة أديننا أحب إليك أم دين محمد
وأصحابه وأي الفريقين أهدا سبيلا فقال أنتم أهدا سبيلا وقام وسجد لأصنامهم فأنزل الله جل وعلا ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغون ويقولون للذين كفروا هؤلاء
أهدا من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا فقام محمد بن مسلمة فقال أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله قال نعم قال فأذلي أن أقول شيئا قال قل فأتاه
محمد بن مسلمة فقال إن هذا الرجل قد سألنا صدقه وإنه قد عنانا قال كعب والله لتملنه قال محمد بن مسلمة قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن
تسلفنا وسقا أو وسقين قال كعب نعم ارهنوني قال ابن مسلمة أي شيء تريد قال أرهنوني نساءكم قال كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فترهنوني أبناءكم قال كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم
فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكننا نرهنك اللأمة أي السلاح فقال كعب أفعل وكذا فعل أبو نائلة مع كعب بن الأشرف فجاءه ومعهما بعض أصحابهما فقال أبو نائلة فنتحدث بقية ليلتنا
قال إن شئتم فقال أبو نائلة ما رأيتك الليلة طيبا أعطر قط وزهي كعب بما سمع فقال له أبو نائلة أتأذن لي أن أشم رأسك قال نعم فأدخل يده في شعره ثم أخذ برأسه وقال دونكم عدو الله فقتلوه
غزوة أحد سنة ثلاث للهجرة بعد هذه الأحداث وانتهاء هذه السنة ألا وهي السنة الثانية من الهجرة اجتمع أهل مكة وجمعوا ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش وأخذوا معهم النساء
وجهزوا هذا الجيش للانتقام وكانت القيادة لأبي سفيان بن حرب بعد مقتل أبي جهل وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وخرج هذا الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام إلى المدينة
يريدون الانتقام لقتلاهم في بدر وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فاستنفر الناس فحمل الناس سلاحهم خوف المباغة لا يتركون السلاح حتى في صلاتهم يخشون من دخول أهل مكة عليهم وكان
أهل المدينة من الأنصار كسعد بن معاذ وأوسيد بن حضير وسعد بن عبادة يقومون على حراسة النبي صلى الله عليه وسلم وجمع النبي صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه وأخبرهم برؤيا رآها صلى الله
عليه وسلم فقال إني رأيت والله خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الثلمة في سيفه في رجل يصاب من أهل بيته وتأول
الدرع بالمدينة ثم قال صلى الله عليه وسلم أرى أن نقاتلهم من المدينة نتحصن في المدينة ونقاتلهم وقاموا بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وإن دخلوا المدينة قاتلناهم من الأزقة ومن فوق البيوت
ووافقه على هذا كبار الصحابة وممن وافقهم على ذلك عبد الله بن أبي بن سلول وقام جماعة من شباب الصحابة الذين فاتهم القتال في بدر فقالوا يا رسول الله إنا كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله
تبعناه ونحشى أن يظن أن ناجبنا عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس ثم دخل إلى بيته ولبس أدراع القتال صلى الله عليه وسلم وهذا من بذل السبب وكان الناس ينتظرونه صلى الله عليه وسلم
حتى يخرج إليهم فقال لهم سعد بن معاذ استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج فردوا الأمر إليه فندموا على ما صنعوا فقالوا له يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت
إنما هو رأي رأيناه إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعه حتى يحكم الله فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى القتال
وبينما هم في الطريق رجع المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش قائلا لا أتوقع أن يكون قتال وأنزل الله تبارك وتعالى في المنافقين قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ
أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ونجح هذا المنافق باستدراج ثلاثمائة رجل من منافق وضعيف إيمان ولكن أكثرهم كانوا من المنافقين وهم بنوا حارثة
من الأوس وبنوا سلمة من الخزرج أن يرجعوا كذلك مع عبد الله بن أبي بن سلول ولكن الله ثبتهما وأنزل الله جل وعلا إذ هم الطائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون
وبعد أن وصل جيش المؤمنين إلى أحد ووصل جيش الكفار كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن القتال حتى يأمرهم ولبس صلى الله عليه وسلم درعين وحرض أصحابه على القتال وحضهم على الصبر
في اللقاء وبث فيهم روح الحماسة صلى الله عليه وسلم ثم رفع سيفه وقال فقام إليه رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة خذه فقال يا رسول الله وما حقه قال أن تضرب به وجوه العدو
حتى ينحني قال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه فلما أخذ السيف عصب على رأسه عصابه أي خرقه وجعله يأخذ السيف وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل
هذا الموطن لأنه يغيظ الأعداء وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان وبدأ القتال وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة العبدري وكان من فرسان قريش يسميه الناس كبش الكتيبة من شجاعته وخرج على
جمل يدعو إلى المبارزة فتقدم إليه الزبير بن العوام ووثب إليه وثبت الليث حتى صار معه على جمله ثم اقتحم به الأرض وقام وذبحه رضي الله عنه فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر
المسلمون ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وحواري الزبير كنوز السيرة استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه اشتد القتال بين المسلمين وأهل مكة وقتلوا من أهل مكة كثيرا واستشهد
في هذه المعركة عم الرسول صلى الله عليه وسلم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه قتله رجل يقال له وحشي بن حرب ويحدثنا وحشي بن حرب عن قتله لحمزة قال كنت غلاما لجبير
بن مطعم وكان عم جبير بن مطعم وهو طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف
بالحربة قال لما أخطئ بها شيئا فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبعه ببصري حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل يهد الناس هدا ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريده فأستتر منه بشجرة
أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزة فلما رآه حمزة قال له هلم إلي يبن مقطعة البذور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه هنا هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في
أحشائه حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وقال لها حتى مات ثم أتيت بعد ذلك فأخذت حربتي ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت
والعجيب أن وحشي بن حرب بعد ذلك أسلم وتاب فكان أن وفقه الله تبارك وتعالى إلى قتل مسيلمة الكذاب فيقول قتلت ولي الله وقتلت عدو الله كنوز السيرة من وقائع المعركة اشتد القتال في هذه
المعركة العظيمة وأنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده سبحانه وتعالى فكشف المسلمون الكافرين عن المعسكر وكانت الهزيمة على المشركين قال الزبير بن العوام وقال الله لقد رأيتني أنظر
إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات ما دون أخذهن قليل ولا كثير وفي حديث البراء رضي الله عنه فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل يرفعن سوقهن قد بدت خلا خيلهن فتبع
المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم ومن هذا يتبين نصر الله للمسلمين في أول هذه المعركة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الرماة أن لا يتركوا مكانهم أبدا ولكنهم
لما رأوا الهزيمة ورأوا النساء تفر والرجال يفرون ظنوا أن المعركة قد انتهت فنزلوا عن أماكنهم وكان عبد الله بن جبير الأنصاري قائد الرماة وردوا عليه بأن القتال قد انتهى ونزلوا عن
أماكنهم وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل كان قائدي الفرسان ولم يشارك في هذه المعركة لأنه ما كان لهما دور لأن المسلمين كانوا قد أخذوا الأماكن الصحيحة فلما رأى خالد بن الوليد الرماة
قد تركوا مكانهم التف خلف الجبل وصاح في كفار قريش يناديهم فرجع كفار مكة وصار المسلمون في الوسط بين فكي الكماشة فوقع فيهم القتل وفر من فر من المسلمين بعد هذه الفوضى التي رأوها وأن
الكفار صاروا يقتلون فيهم قتلا ذريعا لا يتركون أحدا إلا قتلوه ممن طالوه بأيديهم أو بسهامهم فمر أنس بن النظر رضي الله عنه بالمسلمين فقال ما تنتظرون قالوا قتل رسول الله صلى الله عليه
وسلم وذلك أنه أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل في من قتل من المسلمين فقال لهم أنس ما تصنعون بالحياة بعده ومات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اللهم إني أعتذر إليك
مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال أين يا أبا عمر فقال أنس واهل لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد
ثم مضى وقاتل القوم حتى قتل فلم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه وذلك أنه وجد به بضع وثمانون طعنة أو ضربة سيف قال أنس بن مالك أفرد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد في سبعة من الأنصار
ورجلين من قريش
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج رأسه فجعل يمسح الدم صلى الله عليه وسلم ويقول كيف يفلح قوم شجر رأسه وشج وجه نبيهم وأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر
شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون كنوز السيرة بطولات في أحد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دافع عن
النبي صلى الله عليه وسلم حتى شلت يمينه وقال قيس بن أبي حازم رأيت يد طلحة شلا وقابها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن طلحة من أراد أن ينظر إلى شهيد
يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال ذاك اليوم كله لطلحة أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وجنته ودخل
المغفر في خده فجاء أبو بكر مع طلحة بن عبيد الله فأراد أبو بكر أن ينزع المغفر عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة فأخذ بفيه أي بفمه فجعل ينضضه أي يحركه يسيرا كراهية أن
يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استله بفمه فسقطت ثنيته رضي الله عنه ولما سقطت أسنان أبي عبيدة قال النبي صلى الله عليه وسلم دونكم أخاكم فقد أوجب ما فعل للنبي صلى الله عليه وسلم
أبو طلحة رضي الله عنه قال أنس لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يديه وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا نزع فكان يمر عليه الرجل ومعه الجعبة فيقول له
النبي صلى الله عليه وسلم أنثرها لأبي طلحة ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة يرمي ثم يصد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول بأبي أنت وأمي ألا تشرف لا يصبك سهم من سهام القوم
نحري دون نحرك أبو دجانة رضي الله عنه حين قصد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وسلم قام أبو دجانة فترس على النبي صلى الله عليه وسلم بظهره أي احتضن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل ظهره
للرمي وقد أنزل الله تبارك وتعالى في هذه المعركة آيات في سورة آل عمران كنوز السيرة بطولات النساء وبطولات النساء تكون خارج المعارك بالصبر والثبات والرضا بقضاء الله وقدره نسيبة بنت
كعب عن ضمرة بن سعيد عن جدته وكانت قد شهدت أحدا تسقي الماء قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان وكان يراها تقاتل يومئذ أشد القتال
وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا امرأة من بني دينار أصيب في أحد زوجها وآخوها وأبوها فلما قالوا لها مات أبوك قالت ولكن ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا
قالت وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وقد استشهد زوجك قالت وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر إليه
فأشير إليها أي هناك الرسول صلى الله عليه وسلم فلما رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليتذكر مصيبته في فإنها أعظم المصائب
فأعظم مصيبة أصيب بها الناس كلهم هي مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الصحابية رضي الله عنها حققته واقعا مات أبوها وأخوها وزوجها وتقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما ونحن بما أننا لم نر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإظهار حبنا له إنما يكون باتباعه والسير على هديه والدفاع عن سيرته ونشرها بيننا
فهذا هو الواجب علينا جميعا قتل من المسلمين سبعون وقتل من المشركين ثمانية وثلاثون أو سبعة وثلاثون على خلاف في الروايات ومن أراد أن يعرف ما دار في هذه المعركة بصورة عامة فعليه أن
يقرأ سورة آل عمران من الآية الواحدة والعشرين بعد المئة إلى الآية الرابعة والسبعين بعد المئة فإنها تكلمت عن هذه المعركة بشبه تفصيل وذكرت بعض الحوادث كنوز السيرة هل قتل النبي صلى
الله عليه وسلم أحدا؟
لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف من كفار مكة وهو يقول أين محمد؟
لا نجوت إن نجا فقالوا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم دعوه فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطاير عنه
الشعر من ظهر البعير ثم استقبله فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارا فحمل وأخذ إلى أهل مكة فقالوا له ما لك؟
فقال قتلني والله محمد فقالوا له ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس فقال إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله قتلني فمات في الطريق وفي مكة قال أبي بن خلف للنبي صلى الله عليه وسلم
يا محمد عندي فرس أعلفه كل يوم أقتلك عليه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له بل أنا قاتلك فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وقتل عدو الله أبي بن خلف وبعد إشاعة قتل النبي
صلى الله عليه وسلم توقف المشركون عن القتال وتوقف المسلمون كنوز السيرة في أحد أراد النبي صلى الله عليه وسلم القتال من المدينة في البداية ولكن لما أصر شباب الصحابة على الخروج خرج
النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد وتم القتال هناك رجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش فصار عدد المسلمين سبعمائة بعد أن كان ألفا وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف أمر النبي صلى الله
عليه وسلم الرماة ألا يتركوا مكانهم عرض النبي صلى الله عليه وسلم سيفه وأخذه أبو دجانة وتبختر به هزم المشركون في أول المعركة ثم كانت مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ودارت
الدائرة بعد ذلك على المسلمين استشهاد حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنس بن النظر وعمر بن الجموح وعبد الله بن عمر بن حرام وغيرهم أصيب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة حتى
سقطت رباعيته وشج وجهه محاولة أبي بن خلاف قتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتل النبي صلى الله عليه وسلم له وهذا الوحيد الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم أبويه لسعد بن أبي الوقاص رضي
الله عنه وقال له ارمي فداك أبي وأمي إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد القتال ووقع في المسلمين القتل أراد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وسلم فكان ممن دافع عن النبي صلى
الله عليه وسلم امرأة يقال لها أم عمارة نسيبة بنت كعب قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له مخيريق وهو يهودي أسلم وقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يقول مخيريق خير يهود كنوز السيرة هل يصلى على الشهيد المشهور عند أهل العلم بل شبه متواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد وإنما كفنهم في ثيابهم إلا من لم يوجد
له ثوب فكفن بغيره كمصعب بن عمير وحمزة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم يأتون يوم القيامة الجرح يثعب دماء اللون لون الدم والريح ريح المسك وإن غطيت رجلاه بدى رأسه وأنزل رأسه وصار
يبكي أي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه والصحيح في الشهداء أن الصلاة عليهم جائزة وهكذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وإلا بعض
الشهداء وأحيانا يترك صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة الدروس المستفادة من معركة أحد ذكر ابن القيم رحمه الله الحكم والغايات والفوائد من تلك المعركة منها أولا تعريف المسلمين سوء عاقبة
المعصية وشؤم ارتكاب النهي ثانيا إن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة في النهاية والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما لدخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو
انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز المؤمنين وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة أظهر أهل النفاق ما أظهروه من
الفعل والقول وعاد التلويح تصريحا وعرف المسلمون أن لهم عدوا في دورهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم ثالثا قال تعالى رابعا إن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرها حتى لا يصيب
الإنسان الكبر والعجب بنفسه فيهزم أحيانا وينتصر أحيانا حتى يعرف أن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى خامسا إن الله تبارك وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها
أعمالهم فقيض لهم أسباب المحن والابتلاء ليصلوا إليها جهاد ما نال المسلمون الفردوس الأعلى عند الله تبارك وتعالى ولا شفع الشهيد لسبعين من أهله ولا غفر له مع أول قطرة دم تخرج ولا عصم
من فتنة القبر ولكن الله يريد أن يرفع درجاتهم فكان الجهاد سادسا إن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله سبحانه وتعالى إليهم سوقا سابعا أراد سبحانه وتعالى إهلاك أعدائه فقيض لهم
الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أداء أوليائه فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين ولا شك أن هناك فوائد أخرى ولكن هذه بعض الفوائد التي ذكرها الإمام
بن القيم رحمه الله بعث الرجيع في السنة الرابعة من الهجرة قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم قوم من عضل وقارة وذكروا أن فيهم إسلاما وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن
فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم عشرة من أصحابه وأمر عليهم عاصم بن ثابت وقيل أمر منهم فلما وصلوا إلى مكان يقال له الرجيع استصرخوا عليهم حيا منه ذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم
بقريب من مئة رام من بني لحيان فلحقوهم وأحاطوا بهم ثم لجأوا إلى مكان يصدهم عن الأعداء فقال لهم أعداؤهم لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجيعا فأبى عاصم أن ينزل
وقاتلهم مع أصحابه فقتل منهم سبعة وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فنزلوا إليهم لأنهم أكثر من مئة مقابل خمسة وليس معهم سلاح ولكنهم غدروا بهم وربطوا
اثنين بأوتار قسيهم فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر صالحتمونا ثم تربطوننا فأبى أن يستسلم لهم وقاتلهم حتى قتل وأخذوا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما بمكة وكانا قتلا من رؤوسهم يوم
بدر فأما خبيب فمكث عندهم مسجونا ووقعت له حادثتان الحادثة الأولى ولم يعطه أحد شيئا وإنما هي كرامة من الله سبحانه وتعالى الحادثة الثانية أنه طلب الموسى حتى يحلق الشعر الذي في جسده
فأرسلت المرأة التي هو في بيتها الموسى مع ولدها فلما أتاه الولد بالموسى تذكرت المرأة كيف ترسل الموسى مع ولدها وهذا الرجل مقتول وقد يقتل ولدها مقابل نفسه لينتقم فجاءت مسرعة فلما رأى
خبيب المرأة وهلعها والولد عنده والموسى معه قال لها أخشيت أن أقتله وتركه ولم يؤذه ثم أخذ خبيب رضي الله عنه إلى التنعيم خارج مكة أي إلى الحل لأنهم كانوا يستحرمون القتل داخل الحرم
وهنا يستحلون الغدر فتحريمهم وتحليلهم وليس اتباع دين فلما أجمعوا على صلبه قال دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلى هما فلما قضى قال والله لولا أن تقولوا إنما بي جزع لزدت فصلى صلاة
قصيرة وهي ركعتان وقال أهل العلم سنة القتل ركعتان سنها خبيب رضي الله عنه
ثم قال خبيب اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبقي منهم أحدا ثم قال أبياتا من الشعر لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعي وقد قربوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع
طويل ممنعي إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطمعي وقد خيروني الكفر والموت دونه فقد ذرفت عيناي من غير
مدمعي ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعي فالتفت إليه أبو سفيان وقال له يا خبيب أيسرك أن محمدا عندنا تضرب عنقه
وأنك في أهلك فماذا كان جواب المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا والله ما يسرني أني في أهلي وفيه يصاب بشوكة تؤذيه ثم صلبوه رضي الله عنه ووكلوا به من يحرس جثته فجاء عمر
بن أمية الضمري فاحتمله بالليل خديعة دون أن يراه أحد فذهب به ودفنه ويقال إن الذي باشر قتل خبيب بن عدي هو عقبة بن الحارث قال معاوية رضي الله عنه كنت في من حضر قتل خبيب وقد رأيت أبا
سفيان يلقيني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فالطجع زلت عنه الدعوة فكانوا يعتقدون أنه مظلوم وأن دعوته حق وكان كذلك وممن حضر قتل خبيب بن عدي سعيد بن
عامر وله معه قصة وذلك أن عمر في خلافته فسأل عمر رضي الله عنه الناس في الشام وقال كيف حال واليكم فقالوا لا ننقم عليه إلا ثلاثة أشياء قال عمر وما هي قالوا في يوم من الأسبوع لا يخرج
إلينا والثانية أنه لا يخرج إلينا في الليل والثالثة أحيانا وهو جالس معنا تصيبه غشية ويقع فناداه عمر فقال يا سعيد ما هذا الذي يحدث الناس قال وماذاك يا أمير المؤمنين قال يقولون إنك في
يوم من الأسبوع لا تخرج إليهم قال يا أمير المؤمنين هذا اليوم أغسل فيه ثوبي وليس عندي ثوب غيره هل أخرج لهم بدون ثوب فإني أبقى حتى يجف الثوب
ثم أخرج إليهم قال إنهم يقولون إنك لا تخرج إليهم في الليل قال يا أمير المؤمنين النهار لهم والليل لربي قال وما هذه الغشية التي تصيبك فبكى وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن
عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقتله وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا
أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي
وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وجوب التثبت وفي الطريق وقعت حادثة لعمر بن أمية رضي الله عنه وذلك أنه نزل في ظل شجرة فجاءه
رجلان من بني كلاب فنزلا معه فلما ناما أخذ السيف وقتلهما كان يظن أنهما ممن شارك في قتل أصحابه رضي الله عنه فلما قتلهما وجد معهما كتابا فيه عنه فقدم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم
بما فعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع ديتيهما صلى الله عليه وسلم فجمع من أصحابه وطلب من بن النظير وذلك أن في صلب المعاهدة بينهم وبين النبي
صلى الله عليه وسلم أنهم يشاركون في الديات فكانت بعد ذلك سببا لغزوة بن النظير ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم تألم جدا لهذه المأساة والتي قبلها الرجيع وصار يدعو على أولئك القوم
في الصلاة شهرا كاملا يقنط ويدعو عليهم اللهم عليك برعل وذكوان وعصية فإنها عصت ربها وكان يلعنهم صلى الله عليه وسلم في صلاته حتى أنزل الله تبارك وتعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب
عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون فترك النبي صلى الله عليه وسلم القنوة عليهم وذكر عن القتلى أنهم قالوا بلغوا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا ورضي لنا وترك الدعاء على المشركين كنوز السيرة
غزوة بن النظير اليهود وإن كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم صلح ومعاهدات إلا أنهم كما هو معلوم أهل غدر وكما ذكرنا من غدر بني قينقاع الآن نذكر غدر بن النظير وبعدهم نذكر غدر
بني قريضة حتى يعلم أنهم من عادتهم الغدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم في نثر من أصحابه إلى اليهود وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمر بن أمية فقالوا نفعل يا أبا
القاسم اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك فجلس صلى الله عليه وسلم إلى جانب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بعض أصحابه منهم أبو بكر وعمر فاجتمع اليهود وقالوا اقتلوه هذه فرصتكم فاتفقوا على أن
يصعد أحدهم إلى أعلى البيت القريب من الرسول صلى الله عليه وسلم ويلقي عليه حجرا فيقتله فقام رجل يقال له عمر بن جحاش فقال أنا أفعلها فقال سلام بن مشكم فوالله ليخبرن بما همم وإنه لنقض
للعهد الذي بيننا وبينه فقالوا دعنا عنك فنزل جبريل من عند رب العالمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمه بما هموا به فقام صلى الله عليه وسلم مسرعا من مكانه وذهب إلى المدينة
ولحقه أصحابه وقالوا له يا رسول الله نهضت بدون أن تعلمنا السبب فأخبرهم أن اليهود قد عزموا على قتله صلى الله عليه وسلم فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة إلى بن النظير
يقول لهم أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرة أي عشرة أيام فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ولم يجد اليهود مناصا من الخروج فأجهزون للرحيل ولكن عبد الله بن أبي بن سلول
بعث إليهم وقال لماذا تخرجون أثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريضة وينصركم حلفاؤكم من غطفان فلماذا تخافون من محمد أثبتوا
فأعاد إليهم ثقته فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لن نخرج فاصنع ما شئت فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم جواب سيدهم حجي بن أخطب كبر صلى الله عليه وسلم وكبر أصحابه ثم نهض صلوات
الله وسلامه عليه لمناجزة القوم وجعل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وجعل اللواء مع علي بن أبي طالب وفرض عليهم الحصار ثم أمر بقطع النخيل فقالوا محمد يفسد في الأرض فقال الله تبارك
وتعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله فلما رأوا حصار النبي صلى الله عليه وسلم اعتزلتهم قريضة وقالوا لا شأن لنا بيننا وبين محمد عهد واعتزلهم عبد الله بن
أبي بن سلول وخانتهم غطفان وظلوا وحدهم قال الله تبارك وتعالى ولم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم
الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي
الفاسقين قال عبد الله بن عباس إن سورة الحشر نزلت فيهم ولم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم
لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون فامتنعوا عن نصرهم وخذلوهم وخذلتهم غطفان فقال الله تبارك
وتعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال إني بريء منك قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ولم يطل الحصار فقط ست ليال وقيل أكثر من ذلك فقذف الله تبارك وتعالى في
قلوبهم الرعب فقالوا يا محمد نخرج من المدينة بشرط أن يخرج معنا ذرارينا وما حملت إبلنا من السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا السلاح لكم ما حملت الإبل إلا السلاح فنزلوا على
رأي النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يخربون بيوتهم حتى لا يسكنها المسلمون وأخذ بعضهم الشبابيك والأوتاد وغيرها معهم ورحل أكثرهم كحيي وسلام ابن أبي الحقيق إلى خيبر وقبض النبي صلى الله
عليه وسلم سلاحهم واستولى على أرضهم فوجد من السلاح خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا كنوز السيرة غزوة الأحزاب سنة أربع للهجرة وكانت في آخر السنة الرابعة وقيل في بداية السنة الخامسة
وسبب الغزوة أنه خرج عشرون رجلا من بني قريضة ومعهم آخرون من بني النظير إلى مكة وأخذوا يحرضون أهل مكة على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون نحن معكم ننصركم من الداخل ومن الخارج
وذهبوا إلى غطفان وقالوا أنصروا قريضة
وذهبوا إلى قبائل العرب يحرضونهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت قريش وكنانة وخرج غطفان واليهود وتجمعوا حول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف واتفقوا على قتال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا مع غطفان وكنانة واليهود تحالفوا عليه استشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه أن يحفر خندقا وقال هكذا
كان يفعل الفرس إذا تضايقوا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة من جهة الشمال لأن الجهات الأخرى كلها محصورة بالجبال فلا يستطيع أحد أن يأتي منها فصاروا يحفرون بجد
ونشاط والرسول صلى الله عليه وسلم يشاركهم قال سهل بن سعد رضي الله عنه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على ظهورنا فقال الرسول صلى الله عليه
وسلم اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار وفي رواية فأكرم الأنصار والمهاجرة وعن أنس رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون
والأنصار يحفرون في غدات باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال صلى الله عليه وسلم اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين فقالوا له
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ود متبادل بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعن البراء قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار
جلدة بطنه فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهي شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجوع ومن شدة الشكوى رفعنا القمص عن بطوننا نرى النبي صلى الله عليه وسلم أننا نربط
الحجر على بطوننا من شدة الجوع فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه وإذا هو قد ربط حجرين وهكذا يطمئن الناس إذا كان قائدهم مثل النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بشعورهم يجوع كما يجوعون
ويعتش كما يعتشون ويعمل كما يعملون ويهتم كما يهتمون لا يكون في برج عاجي بعيد عن الناس وإنما يشاركهم ويخالطهم فإذا رأوا ذلك علموا أنهم ليسوا فقط الذين يعملون فهذا قائدهم معهم يشاركهم
فهو أكثر منهم صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة آية بينة قال جابر كنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة ما استطعنا تكسيرها فجئنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله هذه
كدية عرضت في الخندق ما نستطيع عليها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر وكنا قد مضت علينا ثلاثة أيام لم نذق طعاما فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم
المعول فضربه فعاد كثيبا أهيل أو أهيم وقال البراء لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول
فقال بسم الله ثم ضرب ضربه ثم قال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع من الصخرة وقال الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر
المدائن الأبيض الآن ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني فاستبشر الصحابة رضي الله عنهم لأنهم يعلمون
أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق فهذه ليست أول مرة يرون فيها آية على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة حصار المدينة لما جاءت قريش بجيشها وحلفائها وحاصروا مدينة رسول الله
صلى الله عليه وسلم رآهم المؤمنون فقالوا كما ذكر الله تبارك وتعالى عنهم ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما أما
المنافقون داخل المدينة فقالوا بعكس قول المؤمنين ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا فهذان موقفان موقف المؤمنين وصدق الله ورسوله وموقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله
إلا غرورا في مثل هذه المواقف الجوع شديد حصار عشرة آلاف قلة داخل المدينة ويظهر المعادن ويظهر المؤمن ويظهر المنافق ثم بدأ القتال فصاروا يترامون ووجد المشركون ثغرة فأرادوا أن يدخلوا
منها فخرج إليهم جمع من المسلمين بقيادة علي بن أبي طالب وسدوا عليهم الثغرة فطلبوا المبارزة فقام عمر بن ود أو ابن عبد ود على خلاف في اسمه وكان من الشجعان فقال من يبارزني وكان قد جاوز
المئة من عمره على المشهور فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له يا عمر إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى أحد خلتين إلا أخذتها منه قال أجل قال علي فإني أدعوك
إلى الله ورسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإني أدعوك إلى النزال فقال يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك قال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمر ونزل عن فرسه فتنازلا
فقتله علي وكان قد قال عمر ولقد بححت من النداء لجمعهم هل من مبارزين قال علي وقفت إذ جبنا المشجع موقف القرن المناجز ولذاك إني لم ألو متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتاة والجود من
خير الغرائز فرد عليه علي لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز في نية وبصيرة والصدق منجى كل فائز فقال علي عليك نائحة الجنائز من ضربة النجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز ثم صارت مرامات
بين المسلمين والمشركين لأنهم لا يستطيعون أن يتجاوزوا الخندق ورمي سعد بن معاذ رضي الله عنه وأصيب أكحله فقال بعد المعركة اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم
كذبوا رسولك وأخرجوه وهنا يظهر بغضه لقريش أكثر من غيرهم لأنهم آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم وطردوه وحاولوا قتله وألبوا الناس عليه فحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وبغضهم مرتبط
برسول الله صلى الله عليه وسلم وبدين الله تبارك وتعالى أن يكون حبه وبغضه لله ثم قال اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم
فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها ثم قال ولكن لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريضة وهم خانوا الله وخانوا رسوله صلى الله عليه وسلم وهم القسم الثالث من اليهود كنوز السيرة
خيانة يهود بني قريضة جاء رجل من بني النظير إلى كعب بن أسد سيد بني قريضة فقال له حيي بن أخطب على الباب فقال كعب أغلقه دونه لا أريد أن أراه وما زال يكلمه حتى أذن له ففتح له الباب
فقال حيي إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طامي جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقم إلى جانب أحد
وقالتني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد إهراق ماءه أي قد جئتني بوجه ليس فيه حياة ثم قال ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم
أر من محمد إلا صدقا ووفاء فقال حيي ويحك فرصتنا وما زال معه حتى قال له نعم آتي محمدا من الداخل ورضي عندئذ بالغدر ودخل في الحرب ضد المسلمين ولما أحس النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر
أرسل أحد أصحابه حتى يتثبت لأن التثبت مطلوب فقد يكون الخبر كذبا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير وقال انطلقوا حتى تنظروا أحق
ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس لأن الناس قد يصيبهم نوع من الإحباط واليأس حصار من الخارج وغدر من الداخل فتفت
هذه الأمور في أعضادهم وإن كانوا على العهد فصيحوا بها فقولوا هم على العهد يا رسول الله حتى يطمئن الناس فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه
وقالوا من رسول الله هذا لا عهد بيننا وبين محمد وقالوا بينهم بصوت مرتفع يسمعون الناس فانصرف هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم فلما أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول
الله عضل وقارة ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون غدر الرجيع فاهتم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر وما قال الله تبارك وتعالى ولتعرفنهم في لحن القول فقال بعضهم لبعض إن
محمدا يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه حين يذهب إلى الغائط وبعضهم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن بيوتنا عورة أي خارج المدينة ونريد أن نذهب
إليها قال الله ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه تقنع بثوبه فترة ثم رفع رأسه وقال الله أكبر أبشروا
يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره
ثم قام صلى الله عليه وسلم يثبت الناس كنوز السيرة موقف شجاع وأراد صلى الله عليه وسلم أن يصالح فزارة وغطفان وغيرهما فقال لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وكان سيدي الأوس والخزرج ما تقولان
نعطي غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا لأن غطفان تمثل أربعة آلاف من عشرة آلاف وقريش أربعة آلاف وبقية القبائل الذين جاءوا مع قريش يمثلون ألفين فقال يا رسول الله إن كان الله أمرك
بهذا فسمعا وطاعا وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك ووالله يا رسول الله لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا ببيع أو قرى فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام
أفحين أن أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا لا والله يا رسول الله لا نعطيهم إلا السيف وهذه شجاعة نادرة يحاصرون بعشرة آلاف وهم قلة ويستطيعون خلال هذا الاتفاق أن
يصرفوا عنهم أربعة آلاف ولكنهم يأبون فصوب الرسول صلى الله عليه وسلم رأيهما وقال والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة كنوز السيرة الحرب خدعة وقال يا رسول
الله إني أسلمت وأريد أن أقاتل معك فقال هل علم أحد بإسلامك قال لا قال فخذل عنا ما استطعت فقال نعم فذهب نعيم بن مسعود لبني قريضة من الداخل فقال لهم يا قوم إن قريشا قوم غدر وإنهم إذا
انتصروا على محمد وأخذوا ما يريدون خرجوا وتركوكم ثم ينتقم منكم أهل المدينة قالوا لا سيقفون معنا وعاهدونا عن طريق حيي بن أخطب قال أنا لا أرى إلا أن تأخذوا منهم فدية تضمنون بها حقكم
قالوا وما هي قال أطلبوا منهم أن يعطوكم عشرة من أولادهم حتى إذا غدروا قتلتموه ولن يغدروا خوفا على أولادهم قالوا فكرة صائبة ثم ذهب إلى قريش وقال لهم إنكم تعلمون أن اليهود قوم غدر
وإنهم سيغدرون بكم قالوا كيف قال سمعتهم يتكلمون يقولون إننا سنأخذ عشرة من قريش ونعطيهم لمحمد لنثبت له حسن نوايانا وأننا صادقون وأننا معه فالتقت قريش مع اليهود فقالت اليهود لقريش
أعطونا عشرة من أولادكم حتى نضمن حقنا فقالت قريش في أنفسها نعم يريدون العشرة ليسلموهم لمحمد فقالوا لا لن يكون هذا قالت اليهود في أنفسها نعم قريش تريد أن تغدر بنا ولذلك لا تعلمون ففت
الله تبارك وتعالى ما كان بينهم من عهد ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عند ذلك خذلت قريضة قريشا وخذلت قريش قريضة واستمر الحصار ثم أرسل الله تبارك وتعالى جنودا من عنده عبارة عن ريح
عظيمة أرسلها الله تبارك وتعالى عليهم فتركوا أماكنهم ورجعوا إلى قريش ورجعوا إلى بلادهم خائبين كنوز السيرة تأخير صلاة العصر شغل صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر كما شغل أخوه سليمان
صلى الله عليه وسلم بالخيل حتى غابت الشمس فالنبي صلى الله عليه وسلم شغل بجيش مكة ومن جاء معهم حتى غابت الشمس فقال صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا فدعا عليهم صلى الله عليه
وسلم كنوز السيرة حذيفة رضي الله عنه وليلة الأحزاب قال حذيفة رضي الله عنه رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا ولم يجبه منا أحد ثم قال ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فقال قم يا حذيفة فأتني بخبر القوم قال
اذهب وأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ما أشعر بالبرد وهذا تثبيت من الله عز وجل قال حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما
في كبد القوس وأردت أن أرميه فتذكرت أنه كان يأتي قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته سبحان الله فالله أراد لأبي سفيان أن يسلم ويسلم قال فرجعت وأنا أمشي أيضا
في مثل الحمام فلما أتيت أخبرته بخبرهم فلما فرغت قررت أي برت فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نومان كنوز السيرة النبي صلى الله عليه
وسلم يدعو على الأحزاب وهنا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزمهم وزلزلهم فبعث الله عليهم جندا من جنده وهي ريح باردة أطفأت نارهم وقلعت
خيامهم وقلبت قدورهم برد وجوع وخوف والله على كل شيء قدير وتفرق شملهم وأعلن أبو سفيان الهزيمة على استحياء وأمر قريشا بالرحيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله وحده
أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده كنوز السيرة إجلاء بني قريضة جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوضعتم السلاح فقال نعم قال جبريل أما نحن فلم
نضع أسلحتنا بعد انهد إلى القوم يأمرك الله بهذا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس وقال لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريضة فخرج المسلمون استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم
إلى بني قريضة وعجلهم وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب استخلف ابن أم مكتوم على المدينة وجاء حتى نزل عند حصون بني قريضة وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد فقال إما أن
تسلموا وتدخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه وإما أن تقتلوا ذراريكم وتخرجوا وتقاتلوا حتى تقتلوا عن آخركم وقال الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم السبت حين يأمن المسلمون شركم
فرفضوها كلها فقال لهم والله إنكم حمر ولا شيء تقبلونه فخرج عند ذلك أحدهم وقال يا رسول الله ننزل على حكم سعد بن معاذ وذلك أن عبد الله بن أبي بن سلول كما مر سابقا شفع في بني قينقاع
فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم له فهؤلاء أرادوا حكم سعد بن معاذ لأنه كان حليفا لهم في الجاهلية فقالوا لعله يدافع عنا كما دافع عبد الله بن أبي بن سلول عن بني قينقاع وما علم الفرق
بين عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وبين سعد بن معاذ من رؤوس المتقين رضي الله عنه وقالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ كما نزل إخواننا على حكم عبد الله بن أبي بن سلول فأمر النبي
صلى الله عليه وسلم بسعد بن معاذ أن يؤتى به وكان قد أصيب في أكحله رضي الله عنه فلما جاء قال النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم أي سعد بن معاذ رضي الله عنه وأنزلوه من على
الحمار الذي جاء به فقال النبي صلى الله عليه وسلم أحكم في مواليك فصاروا يصيحون به أحسن أبا عمر في مواليك كما أحسن غيرك فقال سعد بن معاذ آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فقال إن
حكمي فيهم أن يقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل رجالهم وسب يذراريهم ونسائهم كنوز السيرة غزوة
بن المصطلق سنة ست للهجرة وتسمى غزوة المريسيع وكانت في السنة السادسة وقيل آخر السنة الرابعة من الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن رئيس بن المصطلق الحارث بن أبي ضرار سار في
قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بريدة بن الحصيب للتحقق من الأمر فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ثم رجع إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قاصدون لقتاله فلما تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من صحة الخبر ندب الصحابة وأمرهم بالخروج وخرج معه جماعة من المنافقين وذلك أن المنافقين كانوا
يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فلما سمع الحارث بن أبي ضرار بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف خوفا شديدا وتفرق عنه من كان معه من العرب فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى
المريسيع وهو ماء لخزاعة وراية المهاجرين كانت مع أبي بكر الصديق وراية الأنصار كانت مع سعد بن عبادة قال ابن القيم رحمه الله ولم يكن بينهم قتال وإنما أغار عليهم النبي صلى الله عليه
وسلم على الماء ولم يكن بينهم مقاتليهم فسبا ذراريهم وأخذ أموالهم كما جاء في صحيح البخاري أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وكان من جملة السبي في هذه الغزوة
جويرية بنت الحارث سيد قومه وكانت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها والمكاتبة هي أن يقول لها أن تعطيني شيئا من المال مثل مئة دينار أو مئتين حسب ما يتفق وإياها عليه فلما سمع النبي صلى الله
عليه وسلم بذلك أدى عنها ثم تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي حرة ولما سمع المسلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج بجويرية أعتقوا من كان معهم من ذراري وسبي بني خزاعة وقالوا أصهار
رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقعت حادثتان من رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول في تلك الغزوة كنوز السيرة ليخرجن الأعز منها الأذل كان مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجير يقال له
جهجاه الغفاري فازدحم جهجاه مع سنان بن وبرن الغفاري فالجهني على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني قائلا يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه قائلا يا معشر المهاجرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبي دعو الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول بذلك قال أو قد فعلوها وكاثرونا في بلادنا والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول سمن كلبك يأكلك أما
والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضره فقال لهم هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم لتحولوا إلى غير دياركم وسمع زيد بن أرقم
رضي الله عنه هذا الكلام وكان شابا صغيرا فذهب إلى عمه فأخبره فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عنده عمر رضي الله عنه فقال عمر يا رسول الله مر عباد بن بشر فليقتله فقال
الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يا عمر إذا تحدث الناس إن محمدا يقتل أصحابه ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم فلما ارتحل الناس جاء أسيد بن حضير رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم أما بلغك ما قال صاحبكم فقال وما قال فقال الرسول صلى الله عليه وسلم زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال أسيد بن حضير فأنت يا
رسول الله تخرجه منها إن شئت هو والله الذليل وأنت والله العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به والله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكه
ثم مشى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أصبح وصدر يومه ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس ووقعوا نياما وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريدهم أن يتكلموا بهذا الأمر فأتعبهم في
المشي حتى إذا وصلوا ناموا
فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحلف وقال والله يا رسول الله ما قلت وإنما كذب علي زيد وقال من حضر من الأنصار يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال
الرجل فصدقه قال زيد بن أرقم فأصابني هم لم يصبني مثله قط لأنه يتهم بالكذب أو بعدم الفهم يقول فجلست في بيتي من الحزن فأنزل الله جل وعلا إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله
والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا
إلى المدينة ليخرجن الأعز من الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون هنا بيّن الله تبارك وتعالى أن زيدا لم يكذب رضي الله عنه وإنما صدق بما قال وأن عبد الله بن
أبي بن سلول كاذب في مدعاه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد فقرأها عليه ثم قال له إن الله قد صدقك وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رجلا صالحا من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم فبلغه أن والده قال هذا الكلام عن رسول الله وأصحابه فوقف في وجه والده عند دخوله المدينة وقال له أأنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة إن الأعز منها الأذل تريد رسول
الله صلى الله عليه وسلم فبالله لرسول الله هو الأعز وأنت الأذل فحمية العقيدة طغت على حمية الولادة ثم قال والله لا تدخل إلى المدينة إلا وأنا قاتلك أو يأذن لك رسول الله صلى الله عليه
وسلم عند ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركه ودخل إلى المدينة وفي رواية أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أن والدي قال كيت وكيت فإن
أردت قتله فدعني أنا أقتله فإني أخشى أن أرى قاتل والدي فلا أصبر كنوز السيرة حادثة الإفك الإفك عظيم الكذب والافتراض قال الإمام الزهري رحمه الله حدثني عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج
النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت فأقرع بيننا في غزوة
غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من
المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فقمت حين آذنوا بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة
السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فلتحاول كل امرأة أن تضع نفسها أو ابنتها مكان عائشة رضي الله عنها فتاة صغيرة في ليل مظلم
وحدها وكان مغفر والناس كلهم قد ذهبوا تقول عائشة رضي الله عنها فأممت منزل الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني ويرجعون إلي وهذا من فطنتها وذكائها رضي الله عنها ولو كان غيرها من النساء
لصاحت وصارت تركض يمينا ويسارا شرقا وغربا تبحث عن أهلها ولكن عائشة رضي الله عنها فمال عقلها جلست في مكانها لأنها علمت أنها لو خرجت خلفهم ستضيع تقول فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني
عيني فنمت وهذا يدل على أمرين اثنين الأول شجاعة عائشة رضي الله عنها الثاني رعاية الله لها وذلك أن الله تبارك وتعالى ألقى عليها النوم وفيما سيأتي إليها من حيوانات أو أناس أو غير ذلك
قالت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي والغريب في هذا الرجل رضي الله عنه أنه كان هو وقبيلته كلهم معروفين بكثرة النوم حتى إنه جاء في حديث
فأجتكيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقول يا رسول الله إن صفوان لا يصل الفجر فناداه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قال يا رسول الله إنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك لا نكاد نستيقظ حتى
تطلع الشمس فالقصد أن صفوان بن المعطل كان متأخرا عن الجيش ولعله بسبب النوم وسار على طريقهم فوجد عائشة رضي الله عنها نائمة في مكانها تقول عائشة فرأى سواد إنسان نائم من بعيد فأتاني
فعرفني حين رآني لأنها لما كانت نائمة كان وجهها مكشوفا تقول وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه
حتى أناخ راحلته فوطأ على يديها فركبتها فانطلق يقود بالراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فوصلنا إليهم فهلك من هلك تقصد أن الناس تكلموا في عرضها لما رأوها قادمة
مع صفوان لوحدها فتكلم فيها من تكلم من المنافقين حتى إنه نقل فيما نقل من كلامهم كلام عبد الله بن أبي بن سلول أنه قال والله ما جاء إلا بعد أن فجر بها وفجرت به والعياذ بالله فلعنة
الله عليه قالت فقدمن المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك فأنا أعرف بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي
كنت أراه منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ويقول كيفتيكم
ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مات ومرضت عائشة يلاطفها ويسليها كما في الحديث المشهور لما قالت عائشة رضي الله عنها وارأساه فقال
النبي صلى الله عليه وسلم بل أنا وارأساه وما ضرك يا عائشة لو مت لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك وهي أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أحب الناس إليك قال عائشة قال ومن
الرجال قال أبوها قالت عائشة حتى خرجت بعدما نقهت معي أم مصطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلة وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول بالتبرز قبل
المناصع فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مصطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق فأقبلت أنا وأم مصطح قبل بيتي وقد فرغنا من
شأننا فعثرت أم مصطح في مرطها فقالت تعسى مصطح فقلت لها بئس ما قلتي أتسبين رجلا شهد بدرا فقالت يا هنتاه أولم تسمعي ما قال قالت عائشة وما قال قالت عائشة فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت
مرضا على مرضي لك أخيتي أن تتصوري نفسك وقد اتهمت في عرضك كيف تكون حياتك وكيف تنعمين وأعز ما عند المرأة قد تتهم بكذب أو بسرقة أو بغيبة أو بربى أو بتبرج لكن أن يصل الأمر إلى العرض
فهذا أخطر شيء تصاب به المرأة قالت فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم ثم قال كيف تيكم أي لم يتغير من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم شيء ولكن الذي تغير أن
عائشة علمت السبب الآن عرفت لماذا تغير حال الرسول صلى الله عليه وسلم معها فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي قال صلى الله عليه وسلم نعم قالت عائشة وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما
فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس فقالت يا بني هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأوسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستعمرهما في فراق أهله وهذه الفترة يذكر أنها استمرت أكثر من شهر والناس يتكلمون في
عائشة ويخوضون فيها والوحي منقطع والرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري حقيقة الأمر ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب أما علي رضي الله عنه فهو زوج ابنته وابن عمه وأقرب
الناس إليه من حيث النسب وأما أسامة فهو قد تربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه فلذلك استشارهما النبي صلى الله عليه وسلم لقربهما من بيته
ولمعرفتهما بعائشة رضي الله عنهم أما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا
وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك أسامة رضي الله عنه نظر في صالح عائشة ولذلك برأها وأما علي فنظر إلى صالح النبي صلى
الله عليه وسلم والهم الذي ركبه من هذه القضية فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة خادمة عائشة فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا
أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم على المنبر يا معشر المسلمين إن يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا يريد صفوان بن المعطل ما علمت عليه إلا خيرا وما كان
يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذن الأنصاري وهو سيد الأوس فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه وربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك أما سعد بن عباده وهو سيد
الخزرج فقد احتملته الحمية فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وهو من الأوس فقال لسعد بن عباده كذبت لعمر الله فإنك منافق تجادل عن
المنافقين أي إن هذا التصرف منك تصرف المنافقين وهذا يبين لنا أنه يجوز إطلاق كلمة المنافق على من تصرف تصرفات المنافقين أي في هذه الصفة وهذا يسمى النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي
تقول عائشة فتساور الحيان وفي رواية أخرى تساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى
سكتوا وسكت وترك أمر عبد الله بن أبي بن سلول قالت عائشة فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وقد كنت بكيت ليلتين ويوما يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا
أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فجلست تبكي معي وهذا مما يهون على صاحب المصيبة ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكين مثل
أخي ولكن أعز النفس عنه بالتسلي قالت عائشة رضي الله عنها فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرا
لا يوحى إليه في شأني فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفر الله وتوبي
إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قال صدمعي حيث أرسلتني حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم موقف عجيب
فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني
بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ثم تحولت فاتجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن
الله مبرئي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر منه من أن يتكلم الله فيي بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في
النوم رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في
يوم شات منه من ثقل القول الذي ينزل عليه قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا قالت فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال يا عائشة أما الله
عز وجل فقد برأك فقالت أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل فأنزل الله تبارك وتعالى وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء
فأولئك عند الله هم الكاذبون وليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
ولولا إذ سمعتمه قلتم إما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم والله يعلم وأنتم لا
تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمرهم بالبحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما
زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم فلما أنزل الله قرآنا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مصطح لقراءته منه وفقره والله لا أنفق على
مصطح شيئا أبدا فأنزل الله جل وعلا إن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكر بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى النفقة وهذا يدل على أنهم كانوا وقافين مع كتاب الله الدروس
المستفادة من حادثة الإفك في قول الله تبارك وتعالى تتهم عائشة في عرضها والرسول صلى الله عليه وسلم يتهم في عرضه ويحزن صلى الله عليه وسلم ويبقون شهرا كاملا ويتكلم الناس فيها ويفرح
المنافقون بهذا فأين الخير هنا ذكر أهل العلم أمورا كثيرة ظهرت فيها الخير وخيرية في هذه القضية منها أولا الابتلاء حيث ابتلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما ابتلى عائشة وابتلى صفوان
بن المعطل فخرجوا من البلاء كالذهب الخالص والابتلاء ثمراته طيبة لأن فيه رفع درجات ثانيا تنقية الصفوف فلو لم تحدث هذه الحادثة لما تميز المؤمنون من المنافقين فمثل هذه الحوادث يظهر
فيها المنافقون رؤوسهم ويتكلمون ويظهرون تبجحهم وهزأهم وسخريتهم بالمؤمنين ثالثا فضل عائشة رضي الله عنها ومحبة الله لها حيث أنزل فيها قرآنا يتلى رابعا مدافعة الله تبارك وتعالى عن
عباده المؤمنين فقال في الحديث القدسي من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب فظهر من هذه القصة أن عائشة رضي الله عنها من أولياء الله تبارك وتعالى فلذلك دافع الله عنها سبحانه وتعالى وهذا
يعطي الولي التقي اطمئنانا أن الله سبحانه وتعالى سيدافع عنه ولذلك قالت عائشة فلجأت إلى الله فما خيبها ربها سبحانه وتعالى خامسا إظهار حكم شرعي في قوله جل وعلا لولا جاءوا عليه بأربعة
شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون وما كان سيظهر هذا الحكم لولا أن وقعت هذه الحادثة فإذا حدثت حوادث أخرى فإننا سنعرف كيف نتعامل معها سادسا وضع القواعد العامة
لمثل هذه القضايا مثل أن الأصل في المسلم العدالة والأصل فيه أنه بريء حتى تثبت التهمة فهذه القواعد العامة ما كنا لنعرفها لولا أن وقعت هذه الحادثة سابعا فضح المنافقين وتعريتهم أمام
المؤمنين ثامنا فضل صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأن الله تبارك وتعالى دافع عنه كما دافع عن عائشة رضي الله عنها تاسعا بيان حكم القذف وهنا مسائل ذكرها ابن القيم رحمه الله وهي عبارة
عن فوائد
طيبة جدا ذكرها في كتابه زاد المعاد أولا فإن قيل فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به وهل لا قال
سبحانك هذا بهتان عظيم كما قاله فضلاء الصحابة والجواب أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعلت هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاءا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم
القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس الوحي عن الرسول صلى الله عليه
وسلم شهرا في شأنها ويوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته
والصديقين من عباده ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها لما قالت أشكو بثي وحزني إلى الله والافتقار إلى الله والذل
إليه وحسن الظن به والرجاء له ولينقطع رجاؤها من المخلوقين وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها قومي إليه وقد أنزل الله عليه
براءتها فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي وأيضا فكان من حكمة حبس الوحي شهرا أن القضية محصت وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحي الله
إلى رسوله فيها وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع فواف الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون فورد الوحي عليه مرود الغيث على الأرض
أحوج ما كانت إليه فوقع منهم أعظم موقع وألطفه وسروا به أتم السرور وحصل لهم غاية الهناء بهذا الوحي فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت
هذه الوحي هذه الحكم أضعافها بل أضعاف أضعافها ثانيا إن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه جل وعلا الدفاع
والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم وبأمر لا يكون له فيه عمل ثالثا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع
علمه فهذا لا يكفي أو ظنه الظن المقاربة للعلم ببراءتها ولا يظن بها سوءا قط وحاشاه وحاشاها ولذلك لما استعدر من أهل الإفك قال من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت في أهلي
إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فكان عنده صلى الله عليه وسلم من القراء التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين ولكن لكمال صبره
وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه وثقته به وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظمه وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه رابعا من تأمل قول
الصديقة لما قال لها أبواها قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله من نظر إلى قولها ذلك وتأمله علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها لربها
وإفراده بالحمد في ذلك المقام وتجريدها التوحيد وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له وثقتها بمحبة رسول الله لها قالت ما
قالت إدلالا لحبيب على حبيبه ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال فوضعته موضعه والله ما كان أحبها إليه حين قالت لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي ولله ذلك
الثبات والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا
ثم صادفت منه الرضا والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له وهذا غاية الثبات والقوة كنوز السيرة موقف إيماني بقي أن نعرف أن بعض المؤمنين كأبي أيوب
الأنصاري رضي الله عنه قالت لهم رأته يا أبا أيوب هل سمعت ما قال الناس في عائشة فالتفت إليها وقال يا أم أيوب ما أفعلينه أنت قالت لا ما أفعله قال والله لعائشة خير منك وفيهما نزل قوله
تعالى لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا فهي أم المؤمنين وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه عنه وعنها والطيبات للطيبات اختارها الله
للرسول صلى الله عليه وسلم أتفعله لا والله ما تفعله أبدا كنوز السيرة حكم من يتهم عائشة بالزنا وبعد هذا كله من يتكلم في عائشة الآن بعد أن برأها الله تبارك وتعالى واتهمها بالزنا فلا
شك أنه كافر خارج من ملة الإسلام لأنه مكذب لله جل وعلا بل على الصحيح من أقوال أهل العلم كل من اتهم أي زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا فإنه كافر لأنه مكذب لقول الله
تبارك وتعالى والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات عمرة الحديبية سنة ست للهجرة أري الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام وهو في المدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام وأنهم طافوا
واعتمروا وحلق بعضهم وقصر آخرون فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ففرحوا فرحا شديدا إلى بيت الله تبارك وتعالى فأمر الصحابة بالتجهز فتجهزوا ليخرجوا مع النبي صلى الله عليه
وسلم واستنفر صلى الله عليه وسلم العرب ومن حولهم من البوادي ليخرجوا معه فأبطأ كثير من الأعراب واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وخرج منها كما هو مشهور في يوم الاثنين في أول ذي القعدة
وكان قد أخذ من نسائه في تلك السفرة أم سلمة ولم يأخذ معه سلاحا صلى الله عليه وسلم إلا سلاح المسافر إذ لم يكن خروجه صلى الله عليه وسلم لقتال وإنما خرج للعمرة ووصل صلى الله عليه وسلم
إلى الحديبية والحديبية تقع غرب مكة على بعد 22 كيلو مترا على الطريق إلى جدة وقد تغير اسمها اليوم إلى منطقة الشميسي واختلف أهل العلم هل هي من الحل أم من الحرم وذهب بعضهم إلى أنها
جمعت بين الحل والحرم وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قال صلى الله عليه وسلم
زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين يقول الراوي فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم
بقترة الجيش فتفاجأ أهل مكة بالغبار يرونه من بعيد وصار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل وهذه كلمة تقال للناقة إذا
أرادوها أن تمشي فألحت فقالوا خلأت القصواء والقصواء هي ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه سنة غابت عن الكثيرين في هذا الزمان وهي أن يسمي الإنسان دابته وبعض حاجياته فقال النبي صلى
الله عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل وحابس الفيل هو لما أراد أبرهة أن يهدم الكعبة وكان قد جاء معه بالفيلة ويترأس الفيلة فيل عظيم يقال له محمود
فكانوا إذا أرادوه إلى طريق مكة امتنع عليهم وبرك فإذا أرادوه إلى غير ذلك الطريق قام مسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل حبس القصواء حابس الفيل وهي رحمة الله تبارك وتعالى بهذا
البيت وأهل هذا المكان قال والذي نفسي بيده ويسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس
تربضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته فوالله ما زال يجيش لهم بري حتى صدروا عنه وهذه آية وعلامة على صدق النبي صلى الله عليه
وسلم وعلى أنه مبعوث من رب العزة تبارك وتعالى فبينما هم كذلك إذ جاء أبو ديل بن ورقاء الخزاعي في نثر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال
أبو ديل بن ورقاء إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافين وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد
ولكن ناجئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم وما ددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا دماءهم وإن هم أبوا
فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره قال أبو ديل سأبلغهم ما تقول وقالوا حتى أتى قريشا قال إنا جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم
أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن
مسعود فقال أي قومي ألستم بالوالد قالوا بلى قال أولست بالولد قالوا بلى قال فهل تتهمونني قالوا لا قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي أي امتنعوا علي جئتكم بأهلي
وولدي ومن أطاعني قالوا بلى قال فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته قالوا اته فآتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل
فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك
فقال له أبو بكر أمصص بذر اللات أنحن نفر عنه وندعه وأبو بكر هنا سب عروة بن مسعود فقال عروة بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم من ذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبو بكر قال أما
والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وذلك أن عروة بن مسعود كانت عليه دية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فساعده أبو بكر في ديته تلك وفي بعض الروايات أنه قال له
ولكن هذه بتلك قال الراوي وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم معه السيف وعليه المغفر
فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المغيرة يد عروة بنعل السيف وقال له أخر يدك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعروة كان رجلا معظما في قومه ولما أنزل القرآن
على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يعنون به عروة بن مسعود فرفع عروة رأسه فقال من هذا فقال له المغيرة بن شعبة فقال له عروة أي غدر ألست
أسعى في غدرتك وكان المغيرة صاحب قوما في الجاهلية فغدر بهم وقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء فيذكر أن عروة
بن مسعود دفع المال بدل المغيرة ودفع الديات عنه لأنه ثقفي والمغيرة ثقفي ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم
نخامه إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمره مبتدروا وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وعن عمر بن العاص
رضي الله عنه أنه قال قبل أن أسلم كان محمد أبغض خلق الله إلي فلما أسلمت كان والله أحب خلق الله إلي والله ما كنت أشبع منه نظرا إجلالا له صلى الله عليه وسلم حتى لو قيل لي صفه ما
استطعت قال المسور فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك والله إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا والله إن يتنخم نخامة
إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمره مبتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له هذه الأمور التي
رآها عروة بن مسعود من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلوا ذلك لأمر ألا وهو أنه قال عروة بن مسعود أول ما جاء هؤلاء أشواب من الناس سينصرفون عنك وليسوا بفرسان وسيتركونك تقتل ولم
يكن من عادتهم أنه إذا بصق يأخذون نخامته في المدينة أبدا ما نقل هذا إلا هنا وكذلك اقتتالهم على وضوئه أما بقية الأمور كخفض الصوت وعدم حد النظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وابتدار
الأمر فهذا في كل مكان وزمان فقال رجل من بني كنانة يقال له الحليس وهو من الأحابيش قال دعوني آته قال اته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال
رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت وهذا يبين لنا أن لكل مقام مقالة وأن الهدية ليس خاصا بالحج بل حتى العمرة فيها هدي وتقليدها هو وضع علامة على الإبل يعرف منها من
يراها أنها هدي سيقدم لله جل وعلا وأما الإشعار فهو جرح السنام ليخرج منه الدم ويسيل على جسد البعير وهذا وإن كان في ظاهره إيذاء للحيوان إلا أن له مصالح كثيرة منها أنه عندما يراه
الرائي من بعيد يعرف إنه قدم هديا لله جل وعلا وإذا فقد فوجده أحدهم عرف أنه هدي وغير ذلك كنوز السيرة صلح الحديبية سنة ست للهجرة لما رجع الأحابيش قام رجل من قريش اسمه مكرز بن حفص فقال
دعوني آته وهذا يبين لنا أن قريشا خائفة من الحرب وقالوا أنه يرسلون رجلا لكي يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه وسلم
هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل مكرز يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمر فلما جاء سهيل بن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم قد سهل لكم من أمركم وهذا من باب
التفاؤل بالأسماء الحسنة فبنى النبي صلى الله عليه وسلم سهالة الأمر على مقدمتين الأولى ما كان يعرفه من سهيل والثانية اسم سهيل من السهولة فجاء سهيل فقال للنبي صلى الله عليه وسلم هات
اكتب بيننا وبينكم كتابا فدع النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب وهو علي بن أبي طالب فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فما أدري ما هي ولكن اكتب بسمك اللهم كما كنت
تكتب وفي بعض الطرق اكتب كما كان يكتب آباؤك وفي بعض طرق هذا الحديث أن علي كتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال فقال المسلمون والله ما نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله
عليه وسلم اكتب بسمك اللهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله قال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن
عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله فقال علي بن أبي طالب لا أمحوها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمحوها فقال لا أمحوها
وهذا تعظيما لسم النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الطرق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ضع يدي عليها فمحاها لأنه ما كان يقرأ فقال النبي صلى الله عليه وسلم على أن تخلوا بيننا وبين
البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطه ولكن ذلك من العام المقبل وقال وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان الله كيف
يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمر يرسف في قيوده وهو مسلم وقد قيده أبوه في بيته فرآه أبوه حين رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا
محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نقضي الكتاب بعد فقال سهيل فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأجزه لي فقال
سهيل ما أنا بمجيزه لك قال النبي صلى الله عليه وسلم بلى فافعل قال ما أنا بفاعل فقال مكرز بلى قد أجزه لك قال أبو جندل أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما قال عمر فأتيت
نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقا قال له النبي صلى الله عليه وسلم بلى قال ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال الرسول صلى الله عليه وسلم إني رسول الله ولست
أعصيه وهو ناصري قلت أوليس كنت تحدثنا أن سنأتي البيت فنطوف به قال بلى فأخبرتك أن نأتيه العام قال عمر لا قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنك آتيه ومطوف به قال عمر فأتيت أبا بكر فقلت يا
أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا قال أبو بكر أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي
ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يبين لنا رجاحة عقل أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال عمر أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به قال أبو بكر
بلى فأخبرك أنك ستأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به قال عمر فعملت لذلك أعمالا فما زلت أصوم وأتصدق وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا وهذا يسمى في
الشرع الحصر والإنسان إذا أحصر فإنه يهدي الهدي الذي معه ويتحلل من إحرامه وهذا لمن كان معه الهدي كما قال الله تعالى وأتم الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا
رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلة فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في
الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام واتقوا الله وعلموا أن الله شديد العقب فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد
دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحدا منهم
حتى فعل ذلك فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما نرى هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة وما نفذوا هل تعتبر هذه معصية نقول هم ما
نفذوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما لم ينفذوا أمره هم تمنوا أن ينزل الله تبارك وتعالى أمره لهم أو أن يغير النبي صلى الله عليه وسلم رأيه ويعزم على الدخول لأنهم كانوا متلهفين
لدخول مكة ولكن أم سلمة رضي الله عنها كانت راجحة العقل وفهمت أن الصحابة رضي الله عنهم إنما امتنعوا عن ذلك لأجل هذين الأمرين فأشارت عليه بأن ينحر ويحلق ثم ينظر كيف تكون ردة الفعل
فقبل رأيها صلى الله عليه وسلم فنحر وحلق فلما رأى الصحابة ذلك نحروا وحلقوا بدون أمر ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تبارك وتعالى وحلقوا بدون أمر ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تبارك
وتعالى