105 - قراءة كتاب كنوز السيرة - حادثة الإفك - عثمان الخميس
فضيلة الشيخ عثمان الخميس
33:35
فتح على يوتيوب
التفريغ النصي
تم تفريغ النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، وجارٍ العمل على مراجعتها وتدقيقها.
بسم الله الرحمن الرحيم كنوز السيرة حادثة الإفك الإفك عظيم الكذب والافتراء قال الإمام الزهري رحمه الله حدثني عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فقالت هن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم وذلك بعدما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل فقالت هن من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين
آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت على راحلتي فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي راحلتي وكان
النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت
منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فلتحاول كل امرأة أن تضع نفسها أو ابنتها مكان عائشة رضي الله عنها فتاة صغيرة في ليل مظلم وحدها في مكان مقفر والناس كلهم قد ذهبوا تقول عائشة رضي الله
عنها فأممت منزل الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني ويرجعون إلي وهذا من فطنتها وذكائها رضي الله عنها وكان غيرها من النساء لصاحت وصارت تركض يمينا ويسارا شرقا وغربا تبحث عن أهلها ولكن
عائشة رضي الله عنها لكمال عقلها جلست في مكانها لأنها علمت أنها لو خرجت خلفهم ستضيع تقول فبين أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وهذا يدل على أمرين اثنين شجاعة عائشة رضي الله عنها
الثاني رعاية الله لها وذلك أن الله تبارك وتعالى ألقى عليها النوم حتى لا تفكر في القوم وفيما سيأتي إليها من حيوانات أو أناس أو غير ذلك قالت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني
من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي في هذا الرجل رضي الله عنه أنه كان هو وقبيلته كلهم معروفين بكثرة النوم حتى إنه جاء في حديث أن زوجته جاءت تشتكيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
وتقول يا رسول الله إن صفوان لا يصل الفجر فناداه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قال يا رسول الله إنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس فالقصد أن صفوان بن المعطل
كان متأخرا عن الجيش ولعله بسبب النوم وسار على طريقهم فوجد عائشة رضي الله عنها نائمة في مكانها تقول عائشة فرأى سواد إنسان نائم من بعيد فأتاني فعرفني حين رآني لأنها لما كانت نائمة
كان وجهها مكشوفا تقول وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطأ على يديها
فركبتها فانطلق يقود بالراحلة في نحر الظهيرة فوصلنا إليهم فهلك من هلك تقصد أن الناس تكلموا في عرضها لما رأوها قادمة مع صفوان لوحدها فتكلم فيها من تكلم من المنافقين حتى إنه نقل فيما
نقل من كلامهم كلام عبد الله بن أبي بن سلول أنه قال والله ما جاء إلا بعد أن فجر بها وفجرت به والعياذ بالله فلعنة الله عليه قالت فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في
قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيسلم ويقول كيفتيكم ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرضت عائشة يلاطفها ويسليها كما في الحديث المشهور لما قالت عائشة رضي الله عنها
ورأساه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أنا ورأساه وما ضرك يا عائشة لو مت لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك وهي أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سأله عمرو بن العاص رضي
الله عنه من أحب الناس إليك قال عائشة قال ومن الرجال قال أبوها قالت عائشة حتى خرجت بعدما نقهت معي أم مصطح قبل المناصع وهو مصطح وكنا لا نخرج إلا ليلة وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من
بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأولي بالتبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مصطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق
فقالت يا هنتاه أولم تسمعي ما قال قالت عائشة وما قال قالت عائشة فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت ما قال قالت فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم ثم قال
كيفتيكم أي لم يتغير من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم شيء ولكن الذي تغير أن عائشة علمت السبب الآن عرفت لماذا تغير حال الرسول صلى الله عليه وسلم معها فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي قال
صلى الله عليه وسلم نعم قالت عائشة وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس فقالت يا ابني هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة
عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت سبحان الله أوقت تحدث الناس بهذا فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي ثم دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم علي بن أبي طالب وأوسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستعمرهما في فراق أهله وهذه الفترة يذكر أنها استمرت أكثر من شهر والناس يتكلمون في عائشة ويخوضون فيها والوحي
منقطع والرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري حقيقة الأمر وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب أما علي رضي الله عنه فهو زوج ابنته وابن عمه وأقرب الناس إليه من حيث النسب
وأما أسامة فهو قد تربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه فلذلك استشارهما النبي صلى الله عليه وسلم لقربهما من بيته ولمعرفتهما بعائشة رضي
الله عنهم أما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب
فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك أسامة رضي الله عنه نظر في صالح عائشة ولذلك برأها وأما علي فنظر إلى صالح النبي صلى الله عليه وسلم والهم
الذي ركبه من هذه القضية فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة خادمة عائشة فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة قالت بريرة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه
عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يا معشر المسلمين من
يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا يريد صفوان بن المعطل ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخله فقام سعد بن معاذن الأنصاري وهو سيد
الأوس فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك أما سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقد احتملته الحمية فقال كذبت لعمر
الله لا تقتله ولا تقتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وهو من الأوس فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لا نقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين أي إن هذا التصرف منك تصرف
المنافقين وهذا يبين لنا أنه يجوز إطلاق كلمة المنافق على من تصرف تصرفات المنافقين أي في هذه الصفة وهذا يسمى النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي تقول عائشة فتساور الحيان وفي رواية
أخرى فتساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكتوا وترك أمر عبد الله بن
أبي بن سلول قالت عائشة فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبوايا عندي وقد كنت بكيت ليلتين ويوما يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت
علي امرأة من الأنصار فجلست تبكي معي وهذا مما يهون على صاحب المصيبة ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكين مثل أخي ولكن أعز
النفس عنه بالتسلي قالت عائشة رضي الله عنها فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت
بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفر الله وتعالى فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس
منه قطرة فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي أجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت والله ما أدري ما أقول
لرسول الله صلى الله عليه وسلم موقف عجيب وابتلاء من الله تبارك وتعالى لعائشة رضي الله عنها فقلت أنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث
حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي
يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون وقال لنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم
الله فيي بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لنا حينئذ أعلم أني بريئة والله يعلم
أني بريئة ولكن هو من أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قال تعالى إنا
سنلقي عليك قولا ثقيلا قالت فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فلما تكلم بها أن قال يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك فقالت أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا
أحمد إلا الله عز وجل فأنزل الله تبارك وتعالى لولا إذ سمعتم ضن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفق مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله
هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتمه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم
بهذا سبحانك هذا مهتان عظيم ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل
الله عليكم ورحمته وأنتم لا تعلمون إن الله رؤوف رحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى
منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم أن يؤتوا للقربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكر
بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى النفقة ولأنهم كانوا وقافين مع كتاب الله الدروس المستفادة من حادثة الإفك في قول الله تبارك وتعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا
تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم تتهم عائشة في عرضها والرسول صلى الله عليه وسلم يتهم في عرضه ويحزن صلى الله عليه وسلم ويبقون شهرا كاملا ويتكلم الناس فيها ويفرح المنافقون بهذا فأين
الخير هنا ذكر أهل العلم أمورا كثيرة ظهرت فيها الخيرية في هذه القضية منها أولا الابتلاء حيث ابتلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما ابتلى عائشة وابتلى صفوان بن المعطل فخرجوا من
البلاء كثيرا والابتلاء ثمراته طيبة لأن فيه رفع درجات ثانيا تنقية الصفوف فلو لم تحدث هذه الحادثة لما تميز المؤمنون من المنافقين فمثل هذه الحوادث يظهر فيها المنافقون رؤوسهم ويتكلمون
ويظهرون تبجحهم وهزأهم وسخريتهم بالمؤمنين ثالثا رابعا مدافعة الله تبارك وتعالى عن عباده المؤمنين ولذلك قال في الحديث القدسي من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب فظهر من هذه القصة أن
عائشة رضي الله عنها من أولياء الله تبارك وتعالى فلذلك دافع الله عنها وهذا يعطي الولي التقي إطمئنانا أن الله سيدافع عنه ولذلك قالت عائشة فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون فلجأت
إلى الله فما خيبها ربها سبحانه وتعالى خامسا إظهار حكم شرعي في قوله جل وعلا وما كان سيظهر هذا الحكم لولا أن وقعت هذه الحادثة فإذا حدثت حوادث أخرى فإننا سنعرف كيف نتعامل معها سادسا
وضع القواعد العامة لمثل هذه القضايا مثل أن الأصل في المسلم العدالة والأصل فيه أنه بريء حتى تثبت التهمة فهذه القواعد العامة ما كنا لنعرفها لولا أن وقعت هذه الحادثة سابعا فضح
المنافقين وتعريتهم أمام المؤمنين ثامنا فضل صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأن الله تبارك وتعالى دافع عنه كما دافع عن عائشة رضي الله عنها تاسعا بيان حكم القذف وهنا مسائل ذكرها ابن
القيم رحمه الله وهي عبارة عن فوائد طيبة جدا ذكرها في كتابه زاد المعاد نذكرها لعل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بها أولا فإن قيل فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها
وبما يليق به وهل لا قال سبحانك هذا بهتان عظيم كما قاله فضلاء الصحابة والجواب أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعلت هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاءا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس الوحي عن الرسول
صلى الله عليه وسلم شهرا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق ويزداد المنافقون
إفكا ونفاقا ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها لما قالت وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها
أبواها قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي وأيضا فكان من حكمة حبس الوحي شهرا أن القضية محصت وتمحضت وشرفت قلوب
المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحي الله إلى رسوله فيها وتقلعت إلى ذلك غاية التطلع فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون
فورد الوحي عليه مرود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه فوقع منهم أعظم موقع وألطفه وسروا به أتم السرور وحصل لهم غاية الهناء بهذا الوحي فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول
وهله وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم أضعافها بل أضعاف أضعافها ثانيا إن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه ويتولى هو بنفسه جل وعلا الدفاع
والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم وبأمر لا يكون له فيه عمل أي ليس الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يدافع عن زوجه بل الله يدافع عن رسوله وعن أهل بيته ولا ينسب إلى الرسول
صلى الله عليه وسلم بل يكون هو وحده أي الله جل وعلا المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته ثالثا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن
يشهد ببراءتها مع علمه فهذا لا يكفي أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها ولا يظن بها سوءا قط وحاشاه وحاشاها قال من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت في أهلي إلا خيرا ولقد
ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فكان عنده صلى الله عليه وسلم من القراء التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه
وحسن ظنه بربه وثقته به وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه رابعا من تأمل قول الصديقة
لما قال لها أبواها قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت وثقتها بمحبة رسول الله لها قالت ما قالت إدلالا لحبيب على حبيبه ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال
فوضعته موضعه والله ما كان أحبها إليه حين قالت لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي ولله ذلك الثبات والرزانة منها وهو أحبه وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا ثم صادفت منه الرضا
والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له وهذا غاية الثبات والقوة كنوز السيرة