1 - 2 قراءة كاملة لكتاب كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس (المقطع الأول)

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

تم تفريغ النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، وجارٍ العمل على مراجعتها وتدقيقها.

بسم الله الرحمن الرحيم كنوز السيرة عرض لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ولادته حتى وفاته كنوز السيرة للشيخ الدكتور عثمان بن محمد الخميس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ومنها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما أما بعد فالحمد لله الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وأسبغ على أوليائه نعمه ظاهرة وباطنة وبعث فيهم رسولا من أنفسهم مولدا ومن أنفسهم عجما وعربا وهو أمينه على وحيه وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده المبعوث بالدين القويم والنهج المستقيم أرسله الله رحمة للعالمين وإماما للمتقين وحجة على الخلائق أجمعين أرسله الله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوى من الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه وسد دون جنته الطرق فلن تفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وهو أرجح الناس عقلا وحلما وأوفرهم علما وفهما وأقواهم يقينا وعزما وأشدهم بهم رأفة ورحمة وزكاه روحا وجسما وآتاه حكمة وحكما وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقال جل جلاله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به ويدخل في عداد أتباعه والناس بين مستقل ومستكثر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء نسأل الله بمنه وكرمه وعظيم نوله أن نكون من أتباع هذا النبي الكريم ظاهرا وباطنا آمين آمين آمين قال القاضي عياض عن منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه لا خفاء على من مارس شيئا من العلم أو خص بأدنى لمحة من فهم بتعظيم الله تعالى قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام وتنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام فمنها ما صرح به تعالى في كتابه ونبه به على جليل نصابه وأثنى عليه من أخلاقه وآدائه وحض العباد على التزامه وتقلد إيجابه فكان جل جلاله هو الذي تفضل وأولى ثم طهر وزكى ثم مدح بذلك وأثنى ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى فله الفضل بدءا وعودا والحمد أولى وأخرى ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال وعلمها علم يقين من جاء بعده صلى الله عليه وسلم عن أنس رضي الله عنه قال وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم منوها بفضله حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فجاءت قراءة من أنفسكم وقراءة أخرى من أنفسكم وقال جل ذكره وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وقال ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك ورفع الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة وقيل بشهادة التوحيد وقيل بالأذام وكلها لا شك من رفع الذكر وقال جل ذكره إن الله وملائكته يصلون على النبي وقال جل ذكره من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا وغير ذلك كثير وإن الحديث عن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ليبعث في النفس الحياة ويعيد لها الأمل وذلك أن من يقرأ سيرة سيد المرسلين يقرأ الدعوة إلى الحق والصبر فيها ولها ويقرأ الحلم والأخلاق المتميزة والعبادة الكاملة والبذل والجهاد إنه يقرأ الحياة كلها يقرأ الحياة التي ينبغيها ويقرأ الحياة التي ينبغي أن يعيشها المسلم وسنحاول من خلال هذه الورقات التعرف على حياة سيدنا وإمامنا وقدوتنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة الفصل الأول ما قبل بعثته صلى الله عليه وسلم اسمه ونسبه هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وفهر هذا هو قريش فكل قرشي فهري وهو صلى الله عليه وسلم مضاري أن يرجع نسبه إلى مضر ثم إلى عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصطفى قريشا من كنانه وصطفى من قريش بني هاشم وصطفاني من بني هاشم وجد النبي صلى الله عليه وسلم الخامس عبد مناف وكان على المشهور له أربعة من الولد وهم هاشم المطلب عبد شمس ونوفل فرسولنا صلى الله عليه وسلم يرجع نسبه إلى هاشم وهاشم هذا اسمه عمر ولقب بهاشم لأنه كان يهشم الخبز أي يكسره ويقطعه ويقدمه للحجاج وهو أول من أطعم الثريد للحجاج والثريد هو الخبز مع اللحم وهو كذلك أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء ورحلة الصيف قال الشاعر عمر الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافي سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصيافي وأولاد هاشم عبد المطلب وأسد وعمر ونضلة وتزوج هاشم من بني النجار من أهل المدينة وعبد المطلب لقب كذلك واسمه شيبة الحمد وقال لقب بعبد المطلب لأنه كان عند أخواله بني النجار في المدينة لما توفي والده فذهب المطلب أخو هاشم إلى المدينة وأتى بابن أخيه ليكون عند أعمامه فلما دخل به مكة ظن أهل مكة أنه عبد اشتراه المطلب فقالوا هذا عبد المطلب فقال لهم المطلب لا إنما عبد المطلب ما هو ابن أخي هاشم فغلب عليه ذلك اللقب وصار لا يسمى إلا بعبد المطلب وعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في زمنه حادثتان لم يغفلهم التاريخ الحادثة الأولى حفر زمزم خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام كان قد تزوج سارة ولكنه لم يرزق منها بوليده فأهدته سارة جارية لها اسمها هاجر فولدت له إسماعيل ثم وقعت الغيرة في قلب سارة وطلبت من إبراهيم عليه السلام أن يبعدها عنها فانطلق بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء إلى مكة المكرمة وتركهما هناك نادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا قال إلى الله قالت رضيت بالله فرجعت وظلت في مكة مع ولدها إسماعيل حتى فني الماء فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا قال فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل تعني الصبي فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم لو تركته كان الماء ظاهرا فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها فمر ناس من قبيلة جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذاك وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هم بالماء فأتوا إليها فقالوا يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك أو نسكن معك ولما بلغ إسماعيل مبلغ الرجال تزوج امرأة منهم ثم إن إبراهيم قال لسارة إني مطلع تركتي فجاء فسلم فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد قال إذا جاء غير عتبة بابك فلما جاء أخبرته فقال أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك قال ثم إنه بدى لإبراهيم أن يزورهم بعد أن تزوج إسماعيل فجاء فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد فقالت ألا تنزل فتطعم وتشرب فقال وما طعامكم وما شرابكم قالت طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بركة بدعوة إبراهيم ثم إنه بدى لإبراهيم أن يزورهم مرة رابعة قال الشيخ في الهامش لأنه زارهم وإسماعيل كان صغيرا لما أمره الله أن يذبح ولده ثم لما كان مع زوجته الأولى التي طلقها ثم مع زوجته الثانية وهذه هي الزيارة الرابعة فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له فقال يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتا قال أطع ربك قال إبراهيم إنه قد أمرني أن تعينني عليه قال إذن أفعل أو كما قال فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم حتى ارتفع البناء وضعف إبراهيم عن نقل الحجارة فجعل يناوله الحجارة ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ثم مرت السنون تلو السنين حتى خفيت معالم زمزم وقد ذكر أن عبد المطلب كان نائما يوما ما فرأى في المنام أنه يؤمر بحفر زمزم ودل على مكانها في النوم فقام إلى المكان الذي أمر في المنام بحفره فحفره ووجد الماء ثم أقام بعد ذلك سقاية الحاج الوقعة الثانية مجيء أبرهة الحبشي لهدم الكعبة وقصة أبرهة كما ذكرها أهل العلم هي بنا أبرهة الحبشي كنيسة عظيمة بصنعاء لم ير في زمانها مثلها فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من كنانه فخرج حتى دخل الكنيسة في وقت لم يره فيه أحد فجاء وأحدث في الكنيسة أي تبرز في الكنيسة فلما أخبر أبرهة بذلك قال من صنع هذا فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك إنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب غضبا شديدا وقال لأهدمن الكعبة وهنا لابد من التنبيه على نقطة مهمة وهي أنه لا شك أن هذا الرجل سمع بمنكر وهو أن أبرهة أراد أن يصرف حج العرب من مكة إلى هذه الكنيسة فغضب لأجل هذا الأمر فأنكر ذلك المنكر بأن لطخ الكنيسة بالعذرة وهذا في مقابله أوجد عند أبرهة غضبا شديدا فعزم بعد ذلك على هدم الكعبة وقد نص أهل العلم وقال أنه لا يجوز إنكار المنكر بإيقاع منكر أعظم منه بل لابد أن يكون إنكار المنكر بحيث أن لا يقع بعد ذلك أو على إثره منكر أعظم منه غضب أبرهة لهذا الفعل وحلف ليسيرا إلى البيت حتى يهدمه ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت وسار بستين ألفا وأخرج معه الفيلة والعرب لا تعرف الفيلة في ذلك الوقت ويذكر أن رئيس الفيلة فيل يسمونه محمودا فلما تجهز وسار سمع العرب بذلك فأعظموه وفضعوا به ورأوا أن قتاله حق عليهم وهم وإن كانوا على الشرك لكنهم كانوا يعظمون بيت الله تبارك وتعالى يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه من العرب إلى حرب أبرهة ولكن أبرهة هزم ذا نفر وأصحابه وأسره معه ثم مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن معتبين الثقافي فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف وليس بيتك فقال لنا هذا الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا معه رجلا يقال له أبو رغال ليدله على الطريق فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى نزل بالمغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هناك فبعد ذلك رجم العرب قبره أبي رغال وذلك أنهم يرون أنه كان رجل سوء لأنه كان دليلا لأبرهة إلى هدم بيت الله الحرام وفيه يقول جرير في هجوه الفرزدق وكان يتهاجيان دائما وبينهما نفرة يقول جرير إذا مات الفرزدق فارجموه كرجمكم لقبر أبي رغال فلما نزل أبرهة بالمغمس فبعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود على خيل له حتى أتى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم لقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم لقتال أبرهة وبعث أبرهة رجلا يقال له حناطة إلى مكة وقال سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم ثم قل له إن الملك يقول إني لم آت لحربكم وإنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا لنا دونه فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فأتني به وقال قريش بما قال أبرهة وخرج معه عبد المطلب لأنه سيد قريش في ذلك الزمن فلما دخل عبد المطلب على أبرهة احتار أبرهة ماذا يفعل وذلك أنه أراد أن يكرم عبد المطلب قال إن أجلسته معي على عرشي كان في هذا منقصة لي وإن تركته وأنا على العرش كان في ذلك منقصة لي فنزل عن عرشه وجلس مع عبد المطلب على الأرض وأول ما كلمه قال لعبد المطلب ماذا تريد قال لقد أخذتم مئتين من الإبل لي فأعيدوها فغضب أبرهة وقال لقد ظننتك أكبر من هذا وأعظم جئتني تسألني عن إبلك ولا تطلب مني أن أرجع عن البيت وأن لا أهدمه قال عبد المطلب كلمة كانت في وقتها حساسة جدا ثم صارت بعد ذلك مثلا يضرب قال عبد المطلب أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه فقال أبرهة ما كان لي امتنع مني قال أنت وذاك فقال أبرهة ردوا عليه إبله فلما رجع عبد المطلب إلى قريش وقال لهم أخرجوا من مكة فلا طاقة لكم بقتال أبرهة فخرجوا إلى الجبال ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده وقال عبد المطلب اللهم إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك ويغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدى لك ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب وانطلق ومن معه إلى الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ماذا يفعل أبرهة فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ في له وعبأ جيشه ويأتي الفيل محمودا إلى مكة برك ولم يمشي معهم وبالتالي لم تمشي بقية الفيلة فقال بعضهم ما منع الفيل قالوا لا ندري قال اضربوه فضربوا الفيل فأبى فوجهوه إلى اليمن فقام ووجهوه إلى الشام فقام ووجهوه إلى المشرق فقام فلما وجهوه إلى مكة ثم بعد ذلك فوجئوا بأن أرسل الله تبارك وتعالى عليهم الطير الأبابيل كما قال الله تبارك وتعالى من سجيل فجعلهم كعصف مأكول نعم هكذا أرسل الله تبارك وتعالى الطير الأبابيل ورمت أبرهة ومن معه بحجارة من سجيل فأهلكهم الله تبارك وتعالى جميعا وقيل إنه بقي بعضهم حتى يخبروا قومهم بما فعل الله تبارك وتعالى كنوز السيرة أعمامه صلى الله عليه وسلم يذكر أن عبد المطلبي كان له 12 ولدا وهم الحارث وهو أكبرهم حمزة العباس أبو طالب أبو لهب حجل الزبير الغيداق المقوم صفار وقيل ضرار عبد الكعبة وعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم وأولاد عبد المطلبي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام الأول قسم أدرك الإسلام ودخل فيه وهما حمزة والعباس الثاني قسم أدرك الإسلام ولم يدخل فيه وهما أبو طالب وأبو لهب الثالث قسم لم يدرك الإسلام وعلى المشهور أن عبد المطلبي لما حفر زمزم منعته قريش من أخذه لها ولم يكن له ولد يمنعه فحزن لأجل هذا ونذر قائلا لئن رزقني الله عشرة من الولد لأذبحن أحدهم تقربا لله فرزقه الله تبارك وتعالى أولئك الأولاد فأراد أن يوفي بنذره فعمل قرعة فوقعت القرعة على ولده عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم فلما أراد ذبحه قامت إليه قريش ومنعته فقال عبد المطلب فكيف أصنع بنذري فأشاروا عليه بأن يأتي العرافة فيسألها فجاءها وسألها فأمرته أن يقرع بين ابنه عبد الله وعشرة من الإبل فقرع فوقعت القرعة على عبد الله فقالت له زد عشرة فزاد عشرة من الإبل فوقعت القرعة على عبد الله فقالت له زد عشرة وهكذا كلما زاد عشرة من الإبل كانت تقع القرعة على ولده عبد الله حتى بلغت الإبل مئة فأقرع فوقعت القرعة على الإبل عند ذلك قام عبد المطلب فنحر الإبل ثم تركها لا يرد عنها أحدا من البشر أو السباع وكانت الديات عند العرب في ذلك الوقت عشرا من الإبل فبعد هذه الحادثة صارت الدية عند العرب مئة من الإبل والإسلام أقرها فالدية الآن في دين الله تبارك وتعالى مئة من الإبل ولم يكن لها أخ فيكون خالا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا عبد يغوث بن وهب ولكن بنو زهرة يقولون إنهم أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت منهم خالاته صلى الله عليه وسلم والثانية فريعة بنت وهبن الزهرية وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعها بيده وقال من أراد أن ينظر إلى خالة رسول الله فلينظر إلى هذه كنوز السيرة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول على المشهور وقال الله تبارك وتعالى على البشرية بولادة سيد المرسلين وأمام المتقين وقائد الغر المحجلين وذلك بعد حادثة الفيل بأشهر في مكة المكرمة وولد يتيم الأب لأن أباه مات وأمه حامل به وكانت ولادته صلى الله عليه وسلم ولادة معتادة ولم يتمكن المؤرخون كما يذكر أهل العلم من تحديد يوم مولده وشهره على وجه الدقة أما يوم المولد من أيام الأسبوع فهو يوم الاثنين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك يوم ولدت فيه ولكن في أي اثنين الله أعلم قيل في التاسع من ربيع الأول وقيل في الثاني عشر وقيل غير ذلك وقيل في رمضان وقيل في الثاني عشر من ربيع الأول وتحديد يوم ميلاده صلى الله عليه وسلم لا يرتبط به شيء من الناحية الشرعية وأما ما يقوم به كثير من الناس في كثير من بلاد المسلمين من الاحتفال بيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عمل غير صالح وذلك لأمور منها أولا أنه لا يعرف المسلمين ثانيا لم يحتفل النبي صلى الله عليه وسلم بيوم مولده في حياته أبدا مع أنه عاش ثلاثا وستين سنة صلى الله عليه وسلم ثالثا لم يحتفل الصحابة ولا التابعون ولا الأئمة المتبوعون بيوم مولده ولو كان خيرا لسبقونا إليه رابعا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بذلك مع أنه قال ليس شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به خامسا المتفق عليه بين أهل العلم أن الثاني عشر من ربيع الأول هو يوم وفاته صلى الله عليه وسلم فلو احتفلنا في هذا اليوم فكأننا نحتفل بيوم وفاته فلما لم يأمرنا به صلى الله عليه وسلم فليس بخير والخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع قال النبي صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أي مردود على صاحبه كنوز السيرة مرضعاته صلى الله عليه وسلم وما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أرضعته ثويبة وهي مولاة عمه أبي لهب وكانت قد أرضعت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عمه حمزة فيكون أخا للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وأمهما جميعا من الرضاعة ثويبة مولاة أبي لهب ولم يدم هذا الأمر طويلا لأنه كان من عادة العرب أنهم يلتمسون المراضع لأولادهم لمدة سنتين ثم تفطمه وتعيده إلى أمه ونترك حليمة السعدية تذكر لنا قصتها مع النبي صلى الله عليه وسلم تقول حليمة السعدية خرجت من بلدي مع زوجي وابن لي صغير أرضعه في نسوة من بني سعد بن بكر ألتمس الرضعاء وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا فخرجت على أتاني لي قمراء أي بيضاء معنا شارف لنا أي ناقة والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع والله ما في ثدي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكننا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه وذلك إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل فيه بركة سبحان الله هذه المسكينة حليمة السعدية لا تدري أن الخير والبركة كلها في هذا اليتيم صلى الله عليه وسلم قالت فرجعت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثديايا بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم نام وما كنت أحبه وكنا ننام معه قبل ذلك من بكائه وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل أي مملوءة لبنى فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة فقال لي صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة فقلت والله يا حليمة والله إني لأرجو ذلك ثم خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي أي حملت النبي صلى الله عليه وسلم فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم أي سبقتهم في المسير حتى إن صواحبي ليقلن لي يبنة أبي ذؤيب ويحكي أربعي علينا أي لا تسرعي أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهم بلى والله إنها لهي هي فيقول والله إن لها شأنا ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا بها معنا شباعا لبنى فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطر لبن لأن الأرض جدبا حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم أسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنة وفصلته أي فطمته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا أي قويا فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت ابني عندي حتى يغلب فإني أخشى عليه وباء مكة وهي لا تخشى عليه الوباء ولكنها تريده لما رأت من الخير عند مجيئه صلى الله عليه وسلم قالت فما زلت بها حتى ردته معنا كنوز السيرة طفولته صلى الله عليه وسلم وحادثة شق صدره الشريف وهكذا بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني سعد من عمره أو الخامسة وقع حادث عجيب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقه فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا إن محمدا قد قتل لأنهم رأوا الملك جاء إليه وشق صدره وأخرج قلبه فخرجت حليمة مع زوجها ينظران إلى مقتل النبي صلى الله عليه وسلم فوجداه قائما صلى الله عليه وسلم ولكنه منتقع اللون لأن هذا الأمر غريب بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وهذه آية من آياته والله جل وعلا على كل شيء قدير وعندها خافت حليمة على النبي صلى الله عليه وسلم فردته إلى أمه وفاة أمه صلى الله عليه وسلم ولما بلغ سادسة من عمره خرجت أمه به لتزور قبر والده في طريق المدينة فزارت قبر أبيه وكان معها في سفرها هذا جده عبد المطلب وخادمتها أم أيمن فبعد أن زارت قبر والده وهم في الطريق إلى مكة ماتت أمه صلى الله عليه وسلم في مكان بين مكة والمدينة يقال له الأبواء فبعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يتيم الأب وعندما بلغ سادسة من عمره يتيم الأب والأم بأبي هو وأمي ثم كفله جده ورباه ولما بلغ الثامنة من عمره مات جده عبد المطلب فأخذه عمه أبو طالب ورباه حتى بلغ سن الرجال صلى الله عليه وسلم وقد قام أبو طالب بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خير قيام كنوز السيرة حادثة النبي صلى الله عليه وسلم مع الراهب بحيرا ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة له فمر الركب على راهب يقال له بحيرا في مكان يقال له بصرا نزل به أبو طالب ومن معه أكرم ضيافتهم ثم قال من معكم قالوا نحن قال ما معكم أحد آخر قالوا معنا صبي عند متاعنا قال أتوني به فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ورآه بحيرا الراهب نظر في وجهه وكان يعرف أن هذا الوقت وقت خروج نبي فوجد خاتم النبوة وهو عبارة عن ورمة في كتف النبي صلى الله عليه وسلم من الخلف بحجم البيضة فقال بحيرا لأبي طالب إنكم حينما أشرفتم من العقبة لم يبقى حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا ولا تسجد هذه إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل تسجده وقد وجدناه في كتبنا فرجع به فإني أخاف عليه اليهود فرجع به إلى مكة قال الذهبي رحمه الله وهو حديث منكر جدا وأين كان أبو بكر كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين ونصف وأين كان بلال في هذا الوقت فإن أبا بكر لم يشعر به إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد وأيضا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها ولم نرى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أبا طالب قط بقول الراهب ولا تذاكرته قريش ولا حكته أولئك الأشياخ ولم يكن أبا دور هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك فلو وقع لاشتهر بينهم أي مشتهار ولبقي عنده صلى الله عليه وسلم حس من النبوة ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه صلى الله عليه وسلم وأيضا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا لخديجة وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية كنوز السيرة حلف الفضول وحضر صلى الله عليه وسلم حلف الفضول وذلك حين بلغ الخامسة عشرة من عمره وهذا الحلف تدام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت وحمر النعم هي الإبل الحمراء التي تشتاق إليها نفوس العرب وتحبها كنوز السيرة شبهة تعر النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفضل الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة قال فحله فجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه قال فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا وبدأ أهل البدع يشنعون كيف تعر النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون والرد على هؤلاء يكون بما يأتي أولا هذا الحديث صحيح الإسناد لا غبار عليه فقد أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الصلاة باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها فهذا الحديث قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقال الزهري رحمه الله لما بنت قريشن الكعبة لم يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام الحلم ثانيا التعري عند أهل العلم يجوز إن كان لمصلحة شرعية راجحة كجواز التعري أثناء العلاج فتعري النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة أولا وعلى قربة يتقرب بها لله جل وعلا وهي بناء الكعبة كما حدث لنبي الله موسى عليه السلام لما اتهمه قومه برجولته فبرأه الله مما قالوا وهذا كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فبنوا إسرائيل يغتسلون عراتا ينظر بعضهم إلى بعض وكان موسى صلى الله عليه وسلم يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل فقالوا والله ما بموسى من بأس وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا فقال أبو هريرة والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ثالثا ليس في الحديث أنه تعرى أمام الناس صلى الله عليه وسلم رابعا حينما تعرى أمام عمه فقط لم يقر على ذلك وأغشي عليه وما رؤي عريانا بعد ذلك كنوز السيرة قبل البعثة كان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة يرعى الغنم مقابل مال قليل لأهل مكة فعن جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران ونحن نجن الكباث وهي ثمر الأراك السواك قال فقلنا يا رسول الله كأنك رعيت الغنم قال نعم وقال صلى الله عليه وسلم ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة قال أهل العلم لعل الحكمة من إلهام الأنبياء من رعيهم وخص الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر وبعد رعي الغنم اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة كنوز السيرة زواجه صلى الله عليه وسلم بلغ خديجة بنت خويلد ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم من كريم الأخلاق والأمانة فبعثت إليه وخديجة من أشراف قومها من بني مخزوم وأرسلت معه غلاما لها يقال له ميسرة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمالها وتاجر لها ولما رجع إلى مكة أخبرها ميسرة بما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من كريم خلقه وحسن تعامله وما كانت من بركة وقعت له صلى الله عليه وسلم كل هذا جعلها تعجب به فتحدثت عن إعجابها به مع صديقاتها وكان ممن تحدثت معها صديقة لها يقال لها نفيسة عندها ذهبت نفيسة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرضت عليه أن يتزوج خديجة فقبل صلى الله عليه وسلم وذهب مع أعمامه إلى عم خديجة وتم الزواج وكانت سنها على المشهور أربعين سنة وقيل ثمان وعشرين سنة وكان سن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين وقد أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حبا شديدا ولم يتزوج عليها في حياتها أبدا أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة فولدت له عبد الله والقاسم وفاطمة وزينب ورقية وأم كالثوم رضي الله عنهم كنوز السيرة إعادة بناء الكعبة لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخامسة والثلاثين من عمره وقع أمر مهم وهو أن قريشا قررت إعادة بناء الكعبة وكانت ساقطت بعض حجارتها وكان قد جاءها سيل شديد أثر في بنيانها كثيرا واختلفوا هل يرممون البيت أو يهدمونه ويبنونه من جديد فمن قائل يهدم ويبنى من جديد ومن قائل بل يرمم لأنهم خشوا إذا هدموا البيت أن يصابوا بأذى لأن ما حدث لأبرهة قريب جدا فقام الوليد بن المغيرة وقال والله لنهدمنه ولنبنينه من جديد فقالوا إنا نخاف أن نصاب بأذى فقال وأي أذى وأنتم إنما أردتم الخير قالوا فابدأ أنت فجاء الوليد إلى الكعبة ورفع الفأس وقال اللهم لن ترع يعني لا تخف يا رب لا نريد إيذاءك وإنما نريد الخير وهذا لا شك يدل على جهلهم بالله تبارك وتعالى فضرب ثم انتظر فلم يصب بأذى فقال أيها الناس اهدموا فقالوا لا حتى تصبح وأنت سليم فلما أصبح وإذ لم يصب بأذى فقاموا جميعا فهدموا بيت الله الحرام ولكنهم لما أرادوا إعادة بنائه قالوا لا يدخل في بنائه إلا مال طيب فلا يقبل مال ربا ولا ميسر ولا مهربغي ولا مال مسروق وهذا شيء عجيب فهم على كفرهم يعرفون المال الحلال من المال الحرام وقدر الله أن المال الحلال الذي جمعوه كان قليلا لم يكفي لبناء الكعبة فبنوا الكعبة على ما هي عليه الآن ثم جعلوا هذا القوس الذي نراه والذي يسميه كثير من الناس حجر إسماعيل وليس لإسماعيل صلى الله عليه وسلم حجر بل هو الحجر أو الجدر كما كان يسميه أهل مكة أو الحطيم وهذا الحجر ستة أذرع منه تعتبر من الكعبة ولذلك إذا أردنا أن نطوف حول الكعبة لا يجوز لنا أن نطوف من داخل الحجر لأننا مطالبون أن نطوف حول الكعبة لا أن نطوف في الكعبة وكان للكعبة بابان فجعلوا لها بابا واحدا وكان الباب ملاصقا للأرض فرفعوه حتى يدخلوا من شاء ويمنعوا من شاء فالله صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو قال نعم قالت فما لهم لم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت بهم النفقة قالت فما شأن بابه مرتفعا قال فعلى ذلك قومك ليدخلوا من شاء ويمنعوا من شاء ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكره وأن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض وذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عين الحكمة إذ إن قريشا ستقول انظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم يدعي أنه مرسل من الله أول ما فتح مكة هدم بيت الله ولذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن من الحكمة أن يؤخر هذا الأمر ولكن هل تأخر هذا الأمر كثيرا لا لم يتأخر كثيرا ففي خلافة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه سنة خمس وستين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو سنة أربع وستين قام عبد الله بن الزبير فأدخل الحجرة في الكعبة ووسع الكعبة وآطال بنيانها وأنزل الباب إلى الأرض وانزل الكعبة بابين كل ذلك كما أراده النبي صلى الله عليه وسلم قال عطاء إن عبد الله بن الزبير جمع الناس فقال يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها فقال ابن عباس فإني قد فرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها فقال ابن الزبير لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده فكيف ببيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماه الناس أن ينقضها فلما أنزل بأول الناس يصعد إليها أمر من السماء فصعد رجل وألقى من البيت حجارة فلما لم يرى الناس أنه أصابه شيء تتابعوا فنقضوا البيت حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه وقال ابن الزبير إني سمعت عائشة رضي الله عنها تقول قال عبد الله بن الزبير صلى الله عليه وسلم من الحجر حتى أبدى أسن نظر الناس إليه أساس إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع فابن الزبير زادها طولا وعرضا رضي الله عنه وجعل للكعبة بابين أحدهما يدخلون والآخر يخرج منه فلما قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين من الهجرة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسن نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد منه فأقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده إلى بنائه وهذا أمر عجيب فعبد الله بن الزبير رضي الله عنه نفذ وصية النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الملك بن مروان لما استخلف ظن أن عبد الله بن الزبير إنما زاد هذا من عند نفسه فأمر بنقضه وأعاد الكعبة كما كانت زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان فقال عبد الملك ما أظن أبا خبيب يعني عبد الله بن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها فقال الحارث بلى أنا سمعته منها فقال عبد الملك قال قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدى لقومك من بعدي أن يبنوه فهل أمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع وأنه كذلك ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شاكرا لك وهل تدرين لم كان قومك رفعوا الباب قالت قلت لا قال تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط فقال عبد الملك للحارث أنت سمعتها تقول هذا قال نعم قال فنكت عبد الملك ساعة بعصاه ثم قال وددت أني تركته وما تحمل وفي رواية لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بن ابن الزبير رضي الله عنه وفي عهد الدولة العباسية في خلافة المهدي أراد الخليفة أن يعيد بناء الكعبة وأن يدخل الحجر فيها مرة ثانية قال ما تقول فقال الإمام مالك لا تفعل قال لما قال أخشى أن يتخذه الملوك لعبة هذا يهدم وهذا يبني فتركه الخليفة وبقي البيت على حاله إلى يومنا هذا فإن قال قائل فهل نعيده الآن ونبنيه كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم وقال مصيره إلى العلماء يجتمعون ثم ينظرون الأمر فإن رأوا ذلك فالأمر إليهم قال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم كنوز السيرة ذكاء وفطمة بعد أن بنت قريش الكعبة تنازعوا في من يضع الحجر الأسود في مكانه وكل يريد أن يتشرف بوضعه فقالوا نحكم فينا أول داخل علينا فقدر الله تبارك وتعالى أن يكون أول داخل عليهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الأمين فنزع رداءه وطلب من رؤساء القبائل أن يحمل كل واحد منهم من طرف حتى أوصلوا الحجر إلى الكعبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ووضعه في مكانه وقد جاء في الحديث نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم كنوز السيرة الفصل الثاني دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وقال النبي صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره امتن الله تبارك وتعالى على الإنسانية أجمع بمبعثه صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تحدثنا عن قصة مبعثه صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها أول ما بدأ به صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها وهكذا حتى جاءه الحق فقال اقرأ فقال صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده من الخوف فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني قالت زملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي قالت خديجة وهي المثبتة والتي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كلا والله ما يخزيك الله أبدا وهذا الكلام من خديجة تبدأه بالنفي ثم بالقسم والله ما يخزيك الله أبدا كل هذا دليل على ثقة هذه المرأة بربها تبارك وتعالى ومعرفتها الحقة بمحمد صلى الله عليه وسلم والسبب الذي من أجله بنت هذا الكلام هو ما ذكرته بعد ذلك بقولها إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وكأنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم من كانت هذه صفاته لا يمكن أن يقع الخزي من الله عليه أبدا لأن هذه الصفات صفات كمال ثم انطلقت به حتى أتت به ورقة ابن نوفل وهو ابن عم لها وكان قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني ما شاء الله أن يكتب فقالت له خديجة يابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزله الله على موسى يا ليتني فيها جذعا إذ يخرجك قومك عندها استبعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرجه قومه وذلك أنه يرى أن قومه يحبونه حبا شديدا ولا يسمونه إلا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم ولهذا قال أوى مخرجيهم قال نعم لم يأتي رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وهذه قاعدة مهمة وأصل عظيم بنا عليه ورقة ابن نوفل رأيه وقال له أن كل الأنبياء أوذوا وعودوا فمنهم من قتل ومنهم من طرد ومنهم من أوذي ومنهم من خوف وهذا كثير قال وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي بعد ذلك وهذه المدة قدرها أهل العلم بستة أشهر وقال بعضهم إنها بلغت ثلاث سنين وورقة ابن نوفل رحمه الله يعتبر مسلما وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين ولكن هل كان صحابيا الصحيح أنه لم يكن صحابيا وذلك أنه لم يدرك الرسالة لأنه مات بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وقبل تبليغه صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة محاولة انتحار النبي صلى الله عليه وسلم قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك وهذه الزيادة ليست من كلام عائشة رضي الله عنها بل هي من كلام الزهري وهو من التابعين ولم يدرك تلك الحادثة ولم يذكر من حدثه بهذا من الصحابة ولهذا قال فيما بلغنا وبلاغات الزهري وغيرها من قبيل الحديث المنقطع وهو ضعيف فلا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا وقال الكرماني هذا هو الظاهر قال الشيخ الألباني رحمه الله هذا العزو للبخاري خطأ فاحش وليس كذلك وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلن الحق أن نقول إنها زيادة منكرة من حيث المعنى لأنه لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كانت دافع له على ذلك أنواع الوحي قوله صلى الله عليه وسلم إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب الثالث أن يتمثل الملك رجلا فيخاطب النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعي عنه كما في حديث جبريل لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه يذكر حديث جبريل الرابع أنه كان يأتيه كمثل صلصلة الجرس وكان هذا أشده عليه حتى إن جبين الرسول صلى الله عليه وسلم ليتفسد عرقا في اليوم الشديد البرد الخامس أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله تبارك وتعالى عليها فيوحي إليه ما شاء مثل ما جاءه جبريل في الغار السادس ما يوحيه الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مباشرة بدون واسطة ملك كما في معراجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة وفرض الصلاة عليه هناك كنوز السيرة كيف وصل الشرك إلى مكة كانت خزاعتهم ولاة البيت الحرام قبل قريش وكانوا يتوارثون الولاية على البيت كابرا عن كابر واستمرت على ولاية البيت ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة وفي زمانهم جلبت الأوثان إلى مكة على يد زعيمهم عمر بن لحي وكان قوله فيهم كالشرع المتبع لمكانته عندهم وكان عمر بن لحي هذا قد خرج إلى الشام فرأى أهل الشام يعبدون الأصنام فقال ما هذه الأصنام التي تعبدون قالوا هذه أصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال ألا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته فآطاعوه استخف قومه فآطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمر بن لحي يجر قصبه في النار وقد كانت العرب على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولكن لطول العهد نسوا كثيرا من تفاصيل الشرع واستمر هذا الأمر وقال للبيت الحرام حتى تزوج قصي بن كلاب من ابنة رئيس خزاعة ثم بعد ذلك استعان بالعرب على قتال خزاعة فهزمهم وأجلاهم عن مكة وتسلم قصي الرئاسة وقصي من قريش وكان مما بقي عند العرب من العبادات التي كانت على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم الحج فكانوا يطوفون ويسعون ويقفون في المدينة ويقفون في عرفات ومزدلفة ويهدون البدن ولكنهم صاروا يقولون في تلبيتهم لما بعد العهد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ملكته وما ملك قال ابن عباس رضي الله عنهما إذا سرك أن تعلم جهل العرب فقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين قال ابن كثير رحمه الله من ذلك ما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمر بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام قال الله تبارك وتعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام يبحرون أذنها أن يشقونها ويجعلون لبنها للطواغيت ويمنعون الناس منها وأما السائبة فهي البعير يسيب فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبه أحد ويكون للآلهة وأما الوصيلة فهي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى فإن ولدت ذكرا فهي للآلهة وأما الحام وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من أمم المشركين وقد اتخذت العرب مع الكعبة طواغيت تعظمها كتعظيم الكعبة فجعلوا لها سدنة وهم الخدم والحجاب يذبح لها ويطاف حولها كله يعرفون فضل الكعبة أما قريش فكانت لها العزة وهبل وكانت اللات لثقيف وكانت مناه للأوس والخزرج وكان ذو الخلاصة لدوس كنوز السيرة بدء الدعوة أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وبشر صلى الله عليه وسلم ثم انقطع الوحي مدة ثم عاد إليه مرة ثانية بعد ثلاثة أعوام وتسمى هذه الفترة فترة النبوة قبل الرسالة وصار صلى الله عليه وسلم يدعو المقربين منه إلى دين الله تبارك وتعالى فكان أول من أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم من النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن العبيد بلال بن رباح عن همام بن الحارث عن عمار بن ياسر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر وأسلم على يد أبي بكر الصديق الزبير بن العوام عثمان بن عفان طلحة بن عبيد الله سعد بن أبيه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وعن عمر بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو في مكة وهو حينئذ مستخف فقلت ما أنت قال أنا نبي قلت ومن نبي قال أرسلني الله قلت قال نعم قلت بما أرسلك قال بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام وتصل الأرحام قال قلت نعم ما أرسلك به فمن اتبعك على هذا قال حر وعبد قال فكان عمر بعد ذلك يقول لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام قال فأسلمت قلت فأتبعك يا رسول الله قال لا ولكن الحق بقومك فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة ابن أبي معيط بمكة فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد استخفيا من المشركين فقال يا غلام هل عندك من لبن تسقينا قلت إني مؤتما ولست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا وقال صلى الله عليه وسلم إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد كنوز السيرة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وممن أسلم في أول الأمر أبو ذر الغفاري وقصته كما يأتي قال أبو ذر خرجنا من قومنا غفار وهم يحلون الشهر الحرام وخرجت وأنا وأخي أنيس وأمنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس يعني أنه يخونه في أهله فجاء خالنا فنثى علينا الذي قيل له أي أذاع وأفشى الذي قيل له فقلت له أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لك فيما بعد فأتي الكاهنة فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها أي أن أنيسا كان شاعرا فجاء إلى مكانه وقالوا أنيسا ففاخر الناس بالشعر على ناقة مقابل ناقة ثم احتكموا إلى الكاهن فحكم لأنيس أنه أشعر فأخذ الناقتين قال أبو ذر للراوي عنه عبد الله بن الصامت وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين قلت أي عبد الله بن الصامت لمن قال لله قلت فأين توجهت قال أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلون الشمس قال أبو ذر فقال لنا أخي أنيس إن لي حاجة بمكة فاكفني مع أمي حتى أذهب وأرجع فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي أي تأخر علي ثم جاء فقلت ما صنعت قال لقيت بمكة رجلا على دينك يزعم أن الله أرسله قال أبو ذر فقلت فما يقول الناس قال يقولون شاعر كاهن ساحر لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر قال أبو ذر قلت لأنيس فاكفني حتى أذهب فأنظر فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم أي ذهبت إلى رجل أرى أنه ضعيف فيهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابع فأشار إلي وقال الصابع الصابع فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي من الضرب فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر فأتيت زمزما فغسلت عني الدماء وشربت من مائها وقد لبثت يبن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكان بطني فبدي سخفة جوع فبين أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم أي على آذانهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتان تدعوان إسافا ونائلة فأتتا علي وهما في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الآخر فما تناهتا عن قولهما قال فأتتا علي فقلت هن مثل الخشبة غير أني لا أكني فانطلقتا تولولان وتقولان لو كان ها هنا أحد من أنفارنا فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان قال ما لكما قالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قالتا إنه قال لنا كلمة تملأ الفم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى فلما قضى صلاته صلى الله عليه وسلم فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام فقلت له السلام عليك يا رسول الله فقال وعليك وعليك ورحمة الله ثم قال من أنت قلت من غفار قال فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده عن جبهته فقد عني صاحبه وكان أعلم به مني ثم رفع رأسه ثم قال متى كنت ها هنا قلت قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنها مباركة إنها طعام طعم فقال أبو بكر يا رسول الله فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلته بها ثم غبرت ما غبرت ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب أهاليها فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم فأتيت أنيسا فقال لي ما صنعت قلت صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتيت أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يأمهم إماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم وقال نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلمنا فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلم نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفار غفر الله لها وأسلموا سالمها الله كنوز السيرة إسلام الطفيل بن عمر الدوسي رضي الله عنه كان الطفيل سيدا مطاعا شريفا في دوس ودوس في اليمن فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهوه أن يجتمع به أو أن يسمع كلامه قال الطفيل بن عمر فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة فقمت منه قريبا فآبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي واثك لأمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فدخلت عليه وقلت يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا فوالله ما برحوا بي يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لألا أسمع قولك ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعت قولا حسنا فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت يا نبي الله إني مرء مطاع في قومي وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال اللهم اجعل له آية قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع بين عيني نور مثل المصباح فقلت اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظن بها مثله فتحول فوقع في رأس سوطي فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا فقلت إليك عني يا أبتي فلست منك ولست مني قال لما يا بني قلت أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قال لما يا بني قال أي بني فدينك ديني قلت فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم أتني حتى أعلمك مما علمت فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم ثم أتتني صاحبتي فقلت إليك عني فلست منك ولست مني قالت ولما بأبي أنت وأمي قالت فديني دينك فقلت فاذهبي إلى حما ذي الشرا وتطهري منه قالت بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرا شيئا قلت لا أنا ضامن لذلك قالت فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا علي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت يا رسول الله أبطأوا علي فادعوا عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اهدي دوسا ارجع إلى قومك وادعهم وارفق بهم قال فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين كنوز السيرة جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة لما نزل قول الله تبارك وتعالى يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فهجر ولا تمن تستكثر ولربك فاصبر جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى التوحيد وذلك أن الله تبارك وتعالى وربك فالنوم والتدثر والدفع إلى الجهاد والكفاح والمشقة فقال يا أيها المدثر قم فأنذر كأنه قيل له إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا وأما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم وما لك والراحة وما لك والفراش الدافئ قم للأمر العظيم الذي ينتظرك قم للجهد والنصب والكد والتعب قد مضى وقت النوم والراحة وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد هكذا أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم ويجهر بالدعوة إلى الله وقد روى لنا أبو هريرة وقال رضي الله عنه بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهره بها فقال لما أنزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحا فقالوا من هذا الذي يهتف قالوا محمد فاجتمعوا إليه فقال يا بني فلان يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي وفي رواية لو حدثتكم أن خلف هذا الوادي جيش مصبحكم أكنتم مصدقي وفي رواية لو حدثتكم أن خلف هذا الوادي جيش مصبحكم أكنتم مصدقي لكفا ولكن أبا الله تبارك وتعالى إلا أن يشهدوا بالحق وأن يقولوا الكلمة التي تكون شاهدة عليهم وعلى تكبرهم وعنادهم وإعراضهم عن الحق الذي عرفوه فقالوا ما جربنا عليك كذبا قط وهكذا يشهد أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم على المشهور بعد ثلاث وأربعين سنة وقال لهم ما جربوا عليه الكذب أبدا وسيأتينا من قصة أبي سفيان لما يسأله هرقل في بداية السنة السابعة من الهجرة هل كان محمد يكذب قبل أن يقول ما قال فقال لا فقال صلى الله عليه وسلم إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقام عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب فقال تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فأنزل الله تبارك وتعالى آيات يدافع فيها عن نبيه صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى ثم كانت بعد ذلك الدعوة الجهرية وأمر الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر وأن يصبر على أذى المشركين فبين سعد بن أبي وقاص في نثر يصلون في شعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين بلحا جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام وبدأ الناس يدخلون في دين الله تبارك وتعالى وبدأ الناس يدخلون في دين الله تبارك وتعالى وكان قد أسلم أبو بكر وعلي وزيد وبلال وخديجة ثم أسلم عمار بن ياسر وأسلم كذلك عثمان والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله ثم أسلم أبو عبيدة وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم وعثمان بن مضعون وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت وفاطمة بنت الخطاب وكل هؤلاء كان إسلامهم سرا وبعد أن أنزل الله قوله جل وعلا فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكر خرافات الشرك وترهاته ويذكر حقائق الأصنام وحقائق عبدتها وأنها لا تستحق أن يسجد لها وأن تعبد من دون الله تبارك وتعالى وبدأ يسفه الأحلام ويبين الضلال صلى الله عليه وسلم عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تكفر بمحمد قال فإني إذا ميت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله تبارك وتعالى ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ولما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى مشى رجال من أشراف مكة إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وسفها أحلامنا وعاب ديننا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيك فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه فلم يستجب له وقال لهم على ما هو عليه ولما قرب موسم الحج اجتمع كفار مكة وكبراؤها إلى الوليد بن المغيرة وقالوا ما نقول إذا جاء الناس فقال لهم الوليد أجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا فقالوا له بل أنت قل ونسمع قال لا قالوا نقول كاهن قال لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا نقول مجنون قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قالوا ما هو بمجنون قال ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله هزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفسهم ولا عقدهم قالوا فما نقول فقال لهم والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناه وما أنتم بقائلين شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك ولكن هل بقي الأمر هكذا لا لقد دافع الله تبارك وتعالى عن نبيه فقال عن الوليد بن المغيرة ومن معه فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما يفكر واتبعت قريش أساليب عدة في محاربة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فمن هذه الأساليب التي استخدموها مع النبي صلى الله عليه وسلم أولا السخرية والاحتقار فقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بتهم وشتائم وتألفت جماعات للاستهزاء بالإسلام ورجاله فاتهم وقال تعالى وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ووصم بالسحر والكذب قال تعالى وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب وكذلك صاروا ينظرون إليه نظرا ويزلقوه بأبصارهم فيوقعونه في مهلكة من حسدهم قال الله تعالى وإن يكاد الذين كثروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون واتهموه بأنه تعلم من صبيين من نجران فأنزل الله لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين وسخروا أيضا من أصحابه قال الله تعالى إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين وقالوا عن القرآن الكريم وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وقالوا إن هذا إلا إذ كن افتراه وأكتبه وأعانه عليه قوم آخرون وأرادوا لجهلهم أن يعارضوا القرآن الكريم بأساطير الأولين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث الناس ودعاهم إلى الله تبارك وتعالى وقرأ عليهم القرآن ثم قام جاء النظر بن الحارث فجلس مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول ثم يحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول كما قال الله تبارك وتعالى ثانيا الإيذاء وهو نوعان النوع الأول الإيذاء النوع الأول فأول هذا الإيذاء ما وقع من أبي لهب قبحه الله وكان قد زوج ولديه عتبة وعتيبة من بنتي النبي صلى الله عليه وسلم رقية وأمك الثوم قبل البعثة فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الله تبارك وتعالى وجهر بالدعوة أمر أبو لهب ولديه أن يطلق بنتي النبي صلى الله عليه وسلم فطلقاهما وكانت امرأة أبي لهب أم جميل واسمها أروا بنت حرب لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلا وكانت امرأة سليطة اللسان ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد وفي يدها حجارة فوقفت عليهما فأخذ الله بصرها فلم ترى النبي صلى الله عليه وسلم لم ترى إلا أبا بكر فقالت يا أبا بكر أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهرفاه أما والله إني لشاعرة ثم قالت مذم من عصينا ودينه قدر ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله أما تراها رأتك فقال ما رأتني فقد أخذ الله ببصرها عني والعجيب أن الله جل وعلا كما صرف بصرها عن نبيه صلى الله عليه وسلم كذلك صرف لسانها عنه فقالت مذمما ولم تقل محمدا النوع الثاني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس إذ قال بعضهم لبعض أيكم يأتي بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فانبعث أشق القوم وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه يقول عبد الله وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كانت لي منعه فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحته عن ظهره فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ثم قال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات يدعو عليهم فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة بل يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وأنه نبي حقا صلى الله عليه وسلم كما قال الله تبارك وتعالى قال اللهم عليك بأبي جهل اللهم عليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعد السابع يقول عبد الله ولم أحفظه والذي نفسي بيده لقد رأيت الذي عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعا في القليب قليب بدر وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال أبو جهل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال واللات والعزة لئن رأيته لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه فأتى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقيه بيديه فقال له الناس ما لك يا أبا الحكم ما الذي حدث قال إن بيني وبينهما لخندقا من نار وهولا وأجنحة قال أبو هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وعن عروة بن الزبير قال سألت عبد الله بن عمر بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله هذا ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم وأما ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم ومنه عثمان بن عفان كان عمه يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته مصعب بن عمير لما علمت أمه بإسلامه طردته من بيتها وأجاعته وكان من أنعم الناس عيشا بلال بن رباح كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ويطرحه في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزة فيقول بلال أحد أحد هذا عذاب أمية لبلال وأما أمية فكان ينال عذابا أكثر من هذا العذاب وهو بقول بلال أحد أحد إذ كانت أشد على أمية من عذاب بلال رضي الله عنه فمر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به فاشتراه رضي الله عنه وقيل إن أبا بكر لما جاء ليشتريه قال بكم تبيعونه قالوا قل أنت قال تبيعونه بخمسمئة قال أمية بعتك فقال أمية لو دفعت أقل من هذا لأعطيناك فقال أبو بكر يظهر قيمة بلال عند الله تبارك وتعالى لو طلبت أكثر من هذا لدفعت عمار بن ياسر وأمه وأبوه كانوا يخرجونهم إلى البطحاء ويعذبونهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة فمات ياسر وماتت سمية أم عمار في العذاب وهي كما يقال أول شهيدة في الإسلام وبلغ للطهاد أشده حتى إن خباب بن الأردت رضي الله عنه يقول أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة فقلت ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه وقال قد كان من كان قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعظم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ومع هذه الاضطهادات كلها كان الله تبارك وتعالى مع أوليائه كما قال إن الله يدافع عن الذين آمنوا ولما زاد الإيذاء وقد كانت هذه الاضطهادات في بداية السنة الرابعة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى الحبشة فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه وكانت الهجرة الأولى سنة خمس من النبوة فهاجر اثنى عشر رجلا وأربع نسوة وكان رئيسهم عثمان بن عفان ومعه بنت النبي صلى الله عليه وسلم رقية رضي الله عنها وحدث في تلك السنة في رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحرم وهناك جمع كبير من قريش في نواديهم كما هي عادتهم فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم هذه السورة بمحتوته من معاني وألفاظ عجيبة لم يسمعوا مثلها أبدا فلما وصل صلى الله عليه وسلم إلى هذه الآية فاسجدوا لله واعبدوا سجد صلى الله عليه وسلم فلم يتمالك أحد منهم نفسه حتى خروا ساجدين فكل أهل مكة سجدوا ووصل الخبر إلى أهل الحبشة أن قريشا كلها دخلت في الإسلام فرجعوا إلى مكة في السنة نفسها في شوال فلما وصلوا تبين لهم أن الأمر ليس كذلك وأن ذلك السجود إنما وقع منهم اعترافا وإقرارا من داخلهم ومن داخل نفوسهم بصحة نسبة هذا القرآن إلى الله تبارك وتعالى لاتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم المهاجرون إلى الحبشة المهاجرات إلى الحبشة أم سلمة أم حبيبة بنت أبي سفيان كنوز السيرة قصة الغرانيق قال الله في سورة النجم أفرأيتم اللات والعزة ومنات الثالثة الأخرى هذه الآيات لما نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم تلاها على المسلمين والمشركين وأن الشيطان أوحى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلا هاتين الآيتين أنه قال تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى وأنه لما سمع بهذا النبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ذلك فأنزل الله عز وجل وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرضوا والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شطاق بعيد فالنبي رحمه الله عند تفسير هذه الآية عشر مقامات فمن ذلك أولا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقق أنه رسول من عنده ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان ثانيا أن الله قد عصم رسوله من الكفر وآمنه من الشرك واستقر ذلك من دينه فإن المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشك فيه طرفة عين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ثالثا أن الله قد عرف رسوله بنفسه وبصره بأدلته وآراه ملكوت سماواته وأرضه وعرفه سنن من كان قبله من إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه رابعا كيف خفي على النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكفر الذي لا يجوز وروده من عند الله ولو قاله أحد لتبادر الكل إليه بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع وقد رويت هذه القصة بأسانيد لا تثبت فما من طريق إلا روي مرسلا أو معضلا أو موضوعا سواء كان هذا موصولا أو غير موصول وروي هذا الحديث مرفوعا وموقوفا وروي مرسلا وموصولا حتى قال الحافظ بن حجر رحمه الله كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا إلا أن جمهور المفسرين والمحدثين ذهبوا إلى نفي صحتها وأنه غير واحد من أهل العلم ويتلخص الجواب عن هذه القصة بما يلي أولا من جهة المتن فقد وقع في سياقه وألفاظه الطراب مما يجعل النفس لا تطمئن لقبول هذه القصة وقد سئل إمام الأئمة بن خزيمة عنها فقال هذا من وضع الزنادقة ثانيا أنها تعارض الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ثم سجد فسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيها ذكر للغرانيق ثالثا أنها تخالف صريح آيات القرآن التي تنص على أن الله لم يجعل للشيطان سلطانا على النبي صلى الله عليه وسلم وقوله سبحانه إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وأي سلطان أعظم من أن يلقي الشيطان على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وكذلك تخالف صريح الآيات الدالة حفظ الذكر وصيانته من التحريف والتبديل والزيادة والنقص كقوله وقوله وقوله تعالى رابعا قد قام الدليل القطعي وانعقد الإجماع على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أو لسانه أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه قال تعالى خامسا إن سياق الآيات من سورة النجم فيه قرينة واضحة على بطلان هذه الرواية فلا يستقيم السياق الذي يذم آلهة المشركين في أربع آيات متعاقبة ثم يمدحها بعد ذلك وهذا ينزه عنه كلام البشر فكيف بكلام الله جل وعلا الذي هو أفصاله سادسا من المعلوم أن مشركي قريش كانوا أحرص الناس على دفع نبوته صلى الله عليه وسلم ودحض حجته والتشكيك في رسالته والبحث عن أي مدخل يمكن أن ينفذوا من خلاله ولو صحت هذه القصة لكانت مستمسكا لهم لفتنة كثير ممن أسلم سابعا قبول هذه القصة يستلزم قبول المؤمنين الشرك من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعاهم إلى التوحيد فكأنه نقض لدعوته وحاشاه عن ذلك ثامنا أنكر هذه القصة جمع من أهل العلم كابن حزم والقاضي عياض وابن كثير والشوكاني وغيرهم ويبقى السؤال لماذا سجد المسلمون والمشركون كذلك أما سجود المسلمين فإنه اقتداء بنبيهم وأما سجود المشركين فيجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة كنوز السيرة الهجرة الثانية إلى الحبشة لما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة ورأوا حقيقة الأمر وجليته وأن تلك كانت إشاعة هاجروا مرة ثانية إلى الحبشة وبقي بعضهم كعثمان رضي الله عنه وزوجه رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم هاجر مرة ثانية وتبعهم آخرون فكانت الهجرة الثانية وكان فيها ثلاثة وثمانون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وثمانية أو تسعة عشرة امرأة كنوز السيرة نصرة أبي طالب للرسول صلى الله عليه وسلم ذهب سادات قريش إلى أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فقالوا له يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك ولم تنهيك وإنا والله لا نصبر على هذا يأتي ويقرأ القرآن بين أظهرنا هذا ما لا نتحمله أبدا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين وهذا تهديد شديد من قريش لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى أبو طالب هذا الأمر قد اشتد بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فذكر له ما قالوا فأبقي علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه سيخذله وأنه ضعف عن نصرته فقال صلى الله عليه وسلم يا عم والله لو وضع الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته ثم استعبر صلى الله عليه وسلم وبكى وقام وترك أبا طالب عمه واجما من هذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وسلم وإن كانت لا تصح سنداء وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم والله لو وضع الشمس في يميني والقمر في يساري إلى آخره كما ذكر أهل العلم إلا أن السيرة يتسامح بها ولا بأس بذكرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه لم يتنازل ولكن هل قال هذه الكلمة بذاتها أو قال غيرها فلما مشى النبي صلى الله عليه وسلم وترك أبا طالب واجما انتبه أبو طالب ثم نادى النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إليه صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت والله لا أسلمك لشيء أبدا وقال الله لن يصل إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا امضي لأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي وقال الله لن يصل إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت أنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا لذاك مبينا وفي هذه الأبيات يبين أبو طالب أنه لن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه أيضا أبى أن يدخل في الإسلام وقال له من الحكمة في ذلك أنه لو دخل في الإسلام لاجترأ عليه كفار مكة كما اجترأوا على غيره ولكنه بقي على دينهم فلم يتجرأوا عليه قال هذه الأبيات فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فرحا بما سمع من أبيات ومن كلام أثلج صدره من عمه أبي طالب فلما رأت قريش أن أبا طالب قد أبى أن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مجمع على فراقهم ذهبوا إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له يا عمارة نعطيك أبا طالب فتكون ولدا له ونأخذ محمدا بدلا منك ثم نقتله وجاءوا أبا طالب وقالوا يا أبا طالب إن هذا الفتى أي عمارة بن الوليد بن المغيرة فخذه لك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل فقال أبو طالب والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنكم هذا والله ما لا يكون أبدا والملاحظ من موقف أبي طالب من النبي صلى الله عليه وسلم ومن كفار مكة يستغرب كيف أن أبا طالب لم يسلم ولم يتابع النبي صلى الله عليه وسلم ولو وقفنا مع قول أبي طالب لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا لذاك مبينا هذا الذي منع أبا طالب من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حق ولذلك قال الله تبارك وتعالى فهم يعلمون الحق ويعلمون أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق وأنه رسول من عند الله وأن الذي يتلوه ليس شعرا ولا سحرا ولا كهانة ولكنه الكبر والعياذ بالله تعالى كنوز السيرة إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما ومن الله تبارك وتعالى بإسلام رجلين أما الأول فهو حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وآخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب وسبب إسلامه أن أبا جهل عدو الله مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصفا فآذاه وسبه ورسول الله صلى الله عليه وسلم سابقا ثم قام أبو جهل فحمل حجرا فضرب به رأس النبي صلى الله عليه وسلم فشجه حتى نزف منه الدم ثم انصرف عنه إلى نادي قريش فجلس معهم وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان رأت ذلك فلما أقبل حمزة من القنص متوشحا قوسه جاءته هذه الأمة فأخبرته بما رأت وبما رأت وما فعل أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم فغضب حمزة رضي الله عنه وكان رجلا شديدا في عنفوان شبابه ومن أشجع قريش في ذلك الوقت ومحمد بن أخيه فخرج يسعى حتى جاء أبا جهل فلما دخل قام على رأسه وقال له تشتم ابن أخي وأنا على دينه فشج وجهه شجة منكرة فثار رجال من بني مخزوم قوم أبي جهل وثار رجال من بني هاشم لحمزة حتى كادت أن تكون معركة بين الحيين فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا فقلت أنا على دينه وأنا لم أسلم بعد فما هو إلا أن شرح الله تبارك وتعالى صدره للإسلام فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إني قلت كذا وكذا فماذا أصنع فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح الله صدره للإسلام فشرح الله جل وعلا صدره وأسلم وكان إسلامه نصرا للمؤمنين والنصر الثاني عمر بن الخطاب فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب وكان أحبهما إليه عمر وقصة إسلامه فيها أكثر من رواية هي أن عمر رضي الله عنه قال خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وأنا أستمع وأعجب من تأليفه فقلت في نفسي هذا والله شاعر كما قالت قريش فقرأ صلى الله عليه وسلم إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون فقلت في نفسي كاهن فقرأ ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين فوقع الإسلام في قلبي ولما أسلم عمر جاء إلى رجل يقال له جميل بن معمر وهذا الرجل نقالة للحديث لا يحفظ سرا فقال له أريد أن أخبرك شيئا قال وما هو فقال له أسلمت فقام هذا الرجل فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ وعمر بن الخطاب يجري خلفه ويقول كذب ولكني أسلمت فقاموا إلى عمر رضي الله عنه فصاروا يضربونه وهو يضربهم وهكذا حتى ارتفعت الشمس وذكرت بعض الروايات أنهم ضربوه حتى سقط مغشيا عليه من شدة ضربهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر وقال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر كنوز السيرة شهادة الأعداء دخل الأخنس بن شريق على أبي جهل فقال له إني سائلك فاصدقني وليس هاهنا أحد يسمعنا قال سل عما بدى لك فقال صادق أم كاذب قال أبو جهل ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهبت بنو قصي بالسقاية والرفاجة والنبوة فما يكون لسائر قريش تنازعنا نحن وبن عبد منافن الشرف أطعموا فأطعمنا وأعطوا فأعطينا وحملوا فحملنا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفر سيرهان قالوا منا نبي فأنا يدرك هذا لا والله لا نصدقه أبدا والأمر كما قيل الفخر ما شهدت به الأعداء كنوز السيرة عتبة بن ربيعة يحاول مع النبي صلى الله عليه وسلم كان عتبة بن ربيعة في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وحده فقال عتبة يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا فقالوا له بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه فقام إليه عتبة فجلس إليه فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا فانظر فيها لعلك تقبل منها بعضها فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا الوليد قل أسمع مني قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه فصار يتكلم والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم أقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع أنت مني قال أفعل فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فعمل إننا عاملون فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسألون سجد صلى الله عليه وسلم ثم رفع رأسه فقال قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك وإنما قرأ عليه كلام رب البشر سبحانه وتعالى وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاذ وثمود قام عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال يعني لا تفعل لا تدعو الله علينا أن يأتينا بصاعقة فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض وهم يرونه قادما نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال إني سمعت قولا والله ما سمعت مثله والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها في وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فاصنعوا ما بدى لكم كنوز السيرة المقاطعة بعد أن خرج عتبة بن ربيعة من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما قال رأت قريش أنه لا بد من حل لهذه المشكلة التي وقعت لهم فرأوا أن تكون المقاطعة التامة لبني هاشم فاجتمعوا وتحالفوا على بني هاشم واتفقوا على أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يكلموهم وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا تأخذهم بهم رأفة ويسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلوه وتم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة فانحاز المسلمون وبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدا أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض بني المطلب ومن معه إلى شعب يقال له شعب أبي طالب واستمرت هذه المقاطعة ثلاثة أعوام واشتد الحصار على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى بلغهم الجهد وألجئوا إلى أكل الأوراق والجلود والغريب في هذه المقاطعة أن كفار بني هاشم وكفار بني المطلب خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبين لنا أن الحمية العربية كانت قوية ومؤثرة ولو قال قائل خرج بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم من أبناء عمومته فما بال بني المطلب ولما لم يخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل مع أن عبد شمس ونوفلا وهاشما والمطلب كل هؤلاء إخوة أبوهم عبد مناء والجواب أن بني المطلب وبني هاشم علاقتهما مع بعضهما أقوى من علاقة بني هاشم مع بني عبد شمس أو بني نوفل وكذلك من علاقة بني المطلب مع عبد شمس أو نوفل وهذا من قديم فعن جبير بن مطعم قال فأتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم بالموضع الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام إنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وكانت العرب في الجاهلية قبل الإسلام بل وقبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عن هاشم والمطلب البدران ويقولون عن عبد شمس ونوفل الأبهران وفي هذه السنوات الثلاث يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم من الاغتيال فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام تركه أبو طالب فترة ثم أيقظه وغير مكانه لينام غيره مكانه كنوز السيرة قصة نقض الصحيفة وبعد ثلاث سنوات نقضت هذه الصحيفة وكان هذا الرجل يصل بني هاشم في الشعب ويوصل إليهم بعض الأطعمة فذهب إلى زهير بن أبي أمية وزهير هذا أمه عاتكة بنت عبد المطلب فهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشعب وأخوالك بحيث تعلم فقال ويحك فما أصنع وأنا رجل واحد أما والله لو كان معي رجل آخر قال قد وجدت لك رجلا آخر قال فمن قال أنا قال له زهير أبغنا رجلا ثالثا فذهب هشام بن عمر إلى المطعم بن عدي والمطعم من بني المطلب قال له أرحام بني هاشم وبني المطلب ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم فقال المطعم ويحك ماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغنا ثالثا قال فعلت قال من قال زهير بن أبي أمية قال أبغنا رابعا فذهب هشام بن عمر إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قاله للمطعم فقال فهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال أبغنا خامسا وهذا يبين لنا أن الكثيرين ما كانوا يرضون بهذا ولكنها سلطة الكبار اتخذ القرار أبو جهل وعتبة وأبو سفيان وأبو لهب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم اتخذوا هذا القرار وكان على الجميع السمع والطاعة فذهب هشام بن عمر إلى زمعة بن الأسود بن المطلب ويقال إنه والد سودة بنت زمعة أم المؤمنين فقال له زمعة وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد قال نعم قال من قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وأنا فقال زمعة بن الأسود وأنا معكم فاجتمعوا وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة وكبار قريش هم الذين كتبوها وهم الذين اتفقوا عليها كيف يستطيع هؤلاء الخمسة أن ينقضوا تلك الصحيفة قال زهير أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم فوافقوا على ذلك فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم حول الكعبة وغدا زهير فطاف بالبيت سبعة ثم أقبل على الناس وقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكا لا يباعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة فقام أبو جهل وقال كذبت والله لا تشق هنا قام زمعة بن الأسود فقال لأبي جهل أنت والله أكذب فقام أبو البختري فقال صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به فقام المطعم بن عدي فقال صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها فقام هشام بن عمر فقال صدقتم وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها وقال صدقتم وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها وإن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه قالوا أنصفت فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فوجدها قد أكلت ما بقي فيها إلا قولهم باسمك اللهم وما كان غير ذلك قد أكل كله فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجع من معه إلى مكة مرة ثانية كنوز السيرة العودة إلى الدعوة رجع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى إلى الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فلم يصبر كفار قريش وانطلقوا إلى أبي طالب قائلين له ليكف عن ابن أخيك لسانه فجاء أبو طالب وجاء معه نفر من قريش فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له ماذا تريد منا قال أريد كلمة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم قالوا كلمة قال كلمة فقام أبو جهل وقال وأبيك أعطيك مئة كلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله فقال أبو جهل أما هذه فلا هذه الكلمة لا نعطيكها أبدا أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا يا محمد فأنزل الله تبارك وتعالى وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أنمشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يجب ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق نرى أن كفار مكة امتنعوا عن قول لا إله إلا الله فلما لم يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله ثم بعد ذلك يبقون على دينهم الذي هم عليه لأن أبا جهل وعتبة وعقبة ابن أبي معيط والوليد ابن المغيرة وأبا لهب وغيرهم كثير كل هؤلاء يعلمون علم اليقين معنى لا إله إلا الله وملايين المسلمين الآن في زماننا هذا لا يعرفون معنى هذه الكلمة أبو جهل يعلم أنه إذا قال لا إله إلا الله أنه سيلتزم بها وأنه سيترك جميع الأصنام وأنه لن يدعو إلا الله ولن يذبح إلا لله ولن ينذر إلا لله ولن يخاف إلا من الله ولن يستغيث إلا بالله ولن يصلي إلا لله ولن يطوف إلا لله ولن يطيع إلا الله ورسوله يعلم ما يترتب على هذه الكلمة ولكن الكثير من المسلمين الآن يقولون لا إله إلا الله ولكنهم يذبحون لغير الله وينذرون لغير الله ويخافون من غير الله ويستغيثون بغير الله ويسألون غير الله تبارك وتعالى وهذا كله بسبب الجهل كنوز السيرة وفاة أبي طالب سكتت قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن ثم كانت وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر سنة عشر من النبوة بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب رضي الله عنه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم عليه وهما يعيدان والنبي يعيد وهما يعيدان فلم يزال به حتى قال آخر كلمة هو على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزل قول الله تبارك وتعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربا من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ونزل كذلك قول الله تبارك وتعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وفي هذه القصة من الفوائد الشيء الكثير منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إسلام أبي طالب وبالله لو قال أبو طالب تلك الكلمة لنفعته وذلك أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل على غلام يهودي وهو على فراش الموت فقال له قل لا إله إلا الله فالتفت الغلام إلى أبيه فقال له أبوه أطع أبا القاسم فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ثم مات ونجى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار فوالله لو قالها أبو طالب لنجاه الله من النار ووالله تمنينا جميعا أن يكون أبو طالب قالها والله ما حزنا أبدا ولن نحزن أبدا لو آمن أبو طالب ونتمنى أن يؤمن جميع الناس ولكننا مع النصوص وهو أن أبا طالب عما النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم مع أنه ناصره ودافع عنه وحماه وخرج معه إلى الشعب بل ورباه في صغره ومع هذا كله يموت على الشرك قال ابن كثير رحمه الله كان أبو طالب يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومقال ونفس ومال ولكن مع هذا لم يقدر الله تبارك وتعالى له الإيمان لما له تعالى من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ولولا ما نهان الله عنه من الاستغفار للمشركين لا استغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه وذكروا أنه استشهد في حنين وقد ثبت أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما أغنيت عن عمك أي أبا طالب فإنه كان يحوطك ويغضبك فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار نسأل الله تبارك وتعالى الهداية والعافية كنوز السيرة وفاة خديجة رضي الله عنها بعد أن حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت عمه أبي طالب جاءته الصدمة الثانية بخبر موت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها فتوفيت بعد عمه أبي طالب بأشهر وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فقرأ عليها السلام من ربها وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب كنوز السيرة الدعوة في الطائف وبعد وفاة أبي طالب ووفاة خديجة رضي الله عنها خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف فالنبي صلى الله عليه وسلم ظل تلك السنوات العشر في مكة يدعو إلى الله تبارك وتعالى ثم رأى صلى الله عليه وسلم أن يخرج من مكة ويبدأ بالدعوة خارجها فأول ما فكر صلى الله عليه وسلم بالطائف فخرج مشيا على قدميه ومعه زيد بن حارثة مولاه وخادمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه في أول الأمر فكان يسمى بزيد بن محمد حتى نزل قول الله تبارك وتعالى أدعوهم لآبائهم فصار ينادى بعد ذلك بزيد بن حارثة ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف وحبيب أبناء عمر بن عمير الثقفي ودعاهم إلى الله وإلى نصرة دينه فقال أحدهم عن نفسه إنه يمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وقال الآخر لنبي الله صلى الله عليه وسلم أما وجد الله أحدا غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك هكذا عامل هؤلاء الثلاثة النبي صلى الله عليه وسلم بتلك القسوة وذلك الاستهزاء وهو قد خرج من بلده ودخل إلى بلد هو غريب فيها يدعو إلى الله تبارك وتعالى ولكنهم واجهوه بهذه الكلام وليت الأمر بقي على ذلك ولكن الطين زاد بالله فإنهم قالوا له أخرج من بلادنا ثم أغروا به سفهاءهم فلما أراد الخروج تبعه السفهاء والعبيد والصبيان يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه حتى أصابوا عراقيبة واختضب النعال بالدم وكان زيد رضي الله عنه يقي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فصار النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وهؤلاء يضربونه صلى الله عليه وسلم حتى التجأ إلى حائط لعتبة وشيبة بنى ربيعة في الطائف فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحائط فجاء إلى حبلة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار ودعا بدعاء ملؤه اللجوء والرغبة بما عند الله تبارك وتعالى والذي من خلاله يظهر للمؤمن كيف أنه يجب عليه دائما أن يصدق مع الله وأن يلتجأ إليه في كل مكان فقال صلى الله عليه وسلم ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بغضبك أو يحل علي سخطك لك العتبة حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك فلما رآه بنى ربيعة عتبة وشيبة تحركت له الرحم وذلك أنهما من ولد عبد شمس بن عبد مناف فدعوا غلاما لهما وهو نصراني يقال له عداس وقالا له خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل فلما جاء عداس وضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فمد يده صلى الله عليه وسلم وقال بسم الله ثم أكل كنوز السيرة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته بعد رجوعه من الطائف صلى الله عليه وسلم أراد الله جل وعلا أن يخفف عنه وأن يبين أنه معه سبحانه وتعالى ولكنه يبتليه ليرفع درجته أخرج الإمامان البخاري ومسلم بسنديه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثت أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد قال صلى الله عليه وسلم لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أضلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني وقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فسلم علي ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت فقال النبي الكريم الرحيم الحليم المشفق على أمته صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا وهكذا يجب على الداعية إلى الله تبارك وتعالى أن ينظر إلى العصاة وإلى الصادين النادين عن أمر الله تبارك وتعالى نظرة المشفق عليهم ثم سلاه الله تبارك وتعالى بأمر آخر وهو أنه في طريق عودته بعث إليه نفرا من الجن والجن كالإنس مكلفون مأمورون بالإيمان منهيون عن الكفر من أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار فبعث الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الجن ذكرهم الله تبارك وتعالى فقال وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ومعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم هكذا أرسل الله تبارك وتعالى نفرا من الجن كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إن كان أحزنك كفر أهل مكة وكفر أهل الطائف وإيذاؤهم لك وتعالى إليك من آمن بك من الجن وهذه لا شك تفرح النبي صلى الله عليه وسلم وتسعده كنوز السيرة عودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء ليجيره حتى لا يؤذى بعد وفاة عمه أبي طالب فقال الأخنس بن شريق أنا حليف والحليف لا يجير فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمر يطلب منه الجوار فقال سهيل إن بني عامر لا تجير على بني كعب فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المطعم بن عدي فقال المطعم نعم ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال إلبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه منكم أحد وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وأولاده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته وقام أبو جهل إلى المطعم بن عدي فقال أم جير أنت أم متابع قال بل مجير فقال أبو جهل قد أجرنا من أجرت وهذا التصرف من المطعم بن عدي يظهر لنا أمرا مهما يجب علينا أن نقف عنده قليلا ألا وهو أن الله تبارك وتعالى لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثه من العرب وذكر أهل العلم في ذلك حكما كثيرا فمن أعظم هذه الحكم أن العرب لهم من الصفات ما ليس لغيرهم فنجد أن العربية كريم يضرب في كرمه المثل شجاع لا يهاب شيئا يحافظ على حق الجار ألم يقل عن ترة ذاك الجاهلي وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها وهم أهل صدق اللسان وسيأتينا في قصة أبي سفيان مع هرقل والله لولا أن العرب تحسب علي كذبة لكذبت يقول هذا وهو في جاهليته وفيهم الأنفة والأخوة والأمانة ويموت الرجل في سبيل أن يدافع عن أمانته وقصة السموء لمعمر إلقيس مشهورة جدا لما جعل عنده ابنته أمانة مات في سبيل الدفاع عنها جميعا ولغير ذلك من الحكم اختار الله تبارك وتعالى العرب دون غيرهم فهذا المطعم ابن عدي على الشرك متابع لقومه ومعادل للنبي صلى الله عليه وسلم يبغض دينه قاطع النبي صلى الله عليه وسلم مع من قاطع ومع هذا كله يأتيه النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له أجرني حتى أدخل إلى بلدي فيقول نعم ثم ماذا يفعل يأمر أولاده أن يتسلحوا دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أجاره فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم ابن عدي ثم هذا أبو جهل يسأل المطعم ابن عدي أمجير أم متابع قال بل مجير قال قد أجرنا من أجرت قال ابن خلدون رحمه الله إن العرب قد اجتمعت فيهم صفات كثيرة من الحسن وإنما كانوا يحتاجون إلى دين يربطهم ويقوم من سلوكهم فبعث الله تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بهذه الشريعة السمحة وبهذا الدين القويم فلما اختارت العرب هذا الدين نصر الله بهم الدين ونشره في المعمورة وحق لهم ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم ما نسي هذا للمطعم ابن عدي ففي قضية أسرى بدر لما خير بين القتل والمن والفداء قال لو كان المطعم ابن عدي حيا ثم سألني أولئك النتنا لأعطيتهم إياه أو لتركتهم له كنوز السيرة أهل المدينة وكانوا ستة رجال من الحجاج وكانوا ستة نفر من أهل يثرب وكلهم من الخزرج وهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وكانوا من سعادتهم أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من اليهود أن نبيا مبعوثا في هذا الزمان وكانت اليهود دائما تقول للأوس والخزرج هذا أوان خروج نبي وسنتابعه ونقتلكم شر قتله فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا من الخزرج قال من موال اليهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه وذكر لهم دعوته والدين الذي يدعو إليه وقرأ عليهم بعض آيات من كتاب الله تبارك وتعالى فقال بعضهم لبعض تعلمون والله يا قوم إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه فأسرعوا إلى إجابته وأسلموا فأسلموا وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم وزوج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها ابنة أبي بكر واختلف أهل العلم في سوده فقيل تزوجها قبل عائشة وقيل بعد عائشة رضي الله عنهما كنوز السيرة الإسراء والمعراج قيل في السنة الثانية عشرة من البعثة وقيل غير ذلك هذا هو المشهور أنه قبل هجرته بسنة وشهرين كان الإسراء والمعراج في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول قال صلى الله عليه وسلم مبينا حادثة الإسراء التي وقعت له إنه بينما كان في الحطيم بين النائم واليقضان عند البيت إذ سمع قائلا أحد الثلاثة بين الرجلين وقال لأصحابه صلاة العتمة بمكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جبريل وهو أقرب الناس شبها بدحية ابن خليفة الكلبي فأخذوني وانطلقوا بي إلى زمزم فلم يكلموني حتى وضعوني عند بئر زمزم وأتاني جبريل ففرج صدري فشق ما بين هذه إلى هذه إلى مراق البطن حتى فرغ من صدري وجوفي فغسله بماء زمزم بيده حتى أنقى جوفي فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أتيت بطست من ذهب فيه تور من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري فغسل قلبي ثم حشى به صدري ولغاديدي ثم أطبقه وقال فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان محمد رسول الله المقفي الحاشر خلقك قيم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم أخذ بيدي فانطلق بي حتى أتى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به وأهلا به فنعم المجيء جاء يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم ففتح لنا فلما خلصت علوت من السماء الدنيا فإذا فيها آدم أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى قلت لجبريل من هذا قال هذا أبوك آدم صلى الله عليه وسلم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام فقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح نعم لابن أنت ودعا لي بخير ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقال لخادمها افتح فقالت له في السماء الأولى فلما خلصت إذا بيحيا وعيسى وهم ابنى خاله فقلت من هذان قال هذان يحيا وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعوا لي بخير ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا له مثل ما قالوا في السماء الأولى والثانية فلما خلصت إذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فقال لي هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بإدريس قلت من هذا قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد علي ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بهارون عليه السلام قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام وذلك بتفضيل كلام الله له فقال موسى ربي لم أظن أن يرفع علي أحد قلت من هذا قال موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح فقالوا له مثل ذلك فلما خلصت فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور شيخ جليل مهيب قلت من هذا قال هذا أبوك إبراهيم صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفع لي البيت المعمور في السماء السابعة والذي يقال له وهو بحيال الكعبة فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم يصلي فيه سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه أبدا ثم على به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عز وجل وجاء سدرة المنتهى قال ثم رفعت لي سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة يسير الراكب في ظل الفنن منها مئة سنة يستظل بالفنن منها مئة راكب فقال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار تخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذان يا جبريل قال أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال أصبت أصاب الله بك الفطرة التي أنت عليها وأمتك ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جناب ذو اللؤلؤ وإذا ترابها المسك فسمعت من جانبها وجسى فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا بلال قال فسمعت من جانبها وجسى فقلت ما هذه الخشفة فقيل هذه الرميصاء بنت ملحان امرأة أبي طلحة قال بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بقصر أبيض فقلت لمن هذا يا جبريل ورجوت أن يكون لي فقال لعمر بن الخطاب ثم سرت هنيهة فرأيت قصرا هو أحسن من القصر الأول من ذهب مربع يسمع فيه ضوضاء بفنائه جارية تتوضأ إلى جانب القصر فقلت لمن هذا القصر يا جبريل ورجوت أن يكون لي فقال هو لرجل من أمة محمد قلت فأنا محمد لمن هذا القصر قال لرجل من العرب قلت أنا عربي فقلت لمن هذا القصر قال لشاب من قريش قال فظننت أني أنا هو فقلت أنا قرشي لمن هذا القصر قال لعمر بن الخطاب وإذا فيه من الحور العين فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرته فوليت مدبرا وإذا بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فضرب بيده فإذا طينه مسك أذفر فضربت بيدي إلى تربته في مجرى الماء فإذا مسكة مذفرة فإذا حصاه لؤلؤ ومر برائحة طيبة فقال ما هذه الرائحة يا جبريل قال هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل وما شأنها قال بينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقطت المدرى من يدها فقالت بسم الله فقالت لها بنت فرعون أبي فقالت لها الماشطة لا ولكن ربي وربك ورب أبيك قالت أولك رب غير أبي قالت نعم ربي وربك ورب أبيك الله قالت أقول له إذن قالت قولي له فدعاها فقال لها يا فلانة أولك رب غيري قالت نعم ربي وربك الله عز وجل قال جبريل فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقاهي وأولادها فيها فقالت لها الماشطة إن لي إليك حاجة قال وما هي قالت أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا قال ذلك لك علينا لما لك علينا من الحق فأمر بأولادها فألقوا في البقرة بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله فتكلم الرضيع بإذن الله تبارك وتعالى وقال لها يا أمة قعي ولا تقاعسي اصبري فإنك على الحق اقتحمي ثم ألقيت مع ولدها فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان وهم عيسى عليه السلام وابن ماشطة بنت فرعون وصاحب جريج وولد المرأة التي ألقيت في الأخدود في قصة أصحاب الأخدود فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في النار فإذا قوم يأكلون الجيف فقال هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ورأى رجلا أحمر أزرق جعدا شعثا إذا رأيته قلت من هذا يا جبريل قال هذا عاقر الناقة ومر على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار فقال من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون وقال صلى الله عليه وسلم لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ورأى صلى الله عليه وسلم الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ومررت بالملأ الأعلى عند سدرة المنتهى عندها جبريل وقال صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم ثم فرضت علي الصلاة خمسون صلاة كل يوم فأوحى الله إلي ما أوحى ثم رفع جبريل رأسه ورأيته في خلقه الذي خلق عليه عند سدرة المنتهى في صورته له ستمائة جناح في حلة من رفرف قد سد الأفق ينفض من ريشه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم وقال صلى الله عليه وسلم اسمه مكتوبا في السماء محمد رسول الله فنزلت فرجعت فمررت على موسى عليه السلام فاحتبسه موسى فقال يا محمد بما أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة في اليوم والليلة فقال له إني عالجت بني إسرائيل قبلك وإن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة في اليوم والليلة وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل النعم إن شئت فرجع به جبريل إلى ربه تبارك وتعالى قال يا رب خفف على أمتي فإن أمتي لا تستطيع قال فحط عني خمسة فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسة فقال موسى إن أمتك لا تستطيع فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف وما زال النبي صلى الله عليه وسلم بين ربه وموسى حتى أمره الله تبارك وتعالى بخمس صلوات قال فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم قال يا محمد قال لبيك وسعديك قال إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي وكيف أنهم يتثاقلون عن هذه الصلوات الخمس كيف لو كان الأمر كما كان في أوله كيف لو كانت خمسين صلاة من سيؤديها من سيحرص عليها لا شك أن موسى عليه السلام كان حكيما عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف وكان الله تبارك وتعالى سيطلب من محمد صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى ربه ولذلك فإن الله تبارك وتعالى لرحمته جعلها خمسا في العمل ولكنه أبقى الأجر على خمسين فلله الحمد والمنة وفي رواية ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار الذي هو البراق مسرجا ملجما لأركبه يسخر للأنبياء قبلي فاستصعب حين أراد أن يركبه فقال له جبريل ما يحملك على هذا أب محمد تفعل هذا فوالله ما ركبك أحد قط أكرم على الله عز وجل منه فارفض عرقا فركبته فسار حيث أتيت بيت المقدس فقال جبريل بإصبعه فخرق بها الحجر وشد به البراق وردته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد ووضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء من بيت المقدس فرأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى بن عمران عليه السلام قائم يصلي فإذا رجل آدم طوال أسحم كثير الشعر شديد الخلق كأنه من رجال شنوءة فإذا موسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي فإذا هو ربعة أحمر مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس كأنه خرج من ديماس أي من مكان الاستحمام أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه ونفسه صلى الله عليه وسلم فقال له إبراهيم يا محمد أقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء أرضها واسعة وأنها قيعان غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واجتماع الأنبياء مع النبي صلى الله عليه وسلم هنا الله أعلم كيف كان ولكننا نؤمن به وليس ذلك على الله بعزيز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأذن مؤذن فأممتهم فتقدمت إلى القبلة فصليت فيه ركعتين فالتفت فإذا النبيون أجمعوا فلما فرغت من الصلاة رأيت من حائط بيت المقدس الشرقي جهنم في الواد الذي بالمدينة ورأيت ملكا يقلب جمرا كالقطف وإذا جهنم تنكشف مثل الزرابي قال جبريل يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فإذا رجل عابس يعرفه الغضب في وجهه فبدأني بالسلام فسلمت عليه فأري مالكا خازن النار والدجال في آيات أراهن الله إياه ورأى الدجال في صورته ليس رؤيا منام ولكنها رؤيا عين فيلمانيا ضخم والفيلماني هو عظيم الجثة أقمر حجانا يعني أبيض ورأيت عمودا أبيض كأنه لؤلؤ تحمله الملائكة قلت ما تحملون قالوا هذا عمود الإسلام أمرنا أن نضعه بالشام فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا فنفرت هؤلاء ما هذا قالوا ما نرى شيئا إلا ريحا فأضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان هذه هي قصة الإسراء والمعراج أما الإسراء فكان من مكة إلى بيت المقدس وأما المعراج فهو من بيت المقدس إلى السماء والمعراج من العروج وهو الصعود والإسراء من السري وهو المشي وليلا فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم في مكة فضع بأمره كيف يخبرهم وكيف سيصدقونه فأصبح وقد أخبر بما كان صلى الله عليه وسلم وسعى الناس بذلك إلى أبي بكر فقالوا له هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس فقال لهم أبو بكر أو قال ذلك قالوا نعم قال لئن كان قد قال ذلك فقد صدق قالوا أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة وقعد النبي صلى الله عليه وسلم معتزلا حزينا قال له صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو جهل وما هو فقال صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة قال أبو جهل إلى أين قال إلى بيت المقدس قال أبو جهل ثم أصبحت بين ظهره وظهره قال نعم فقال أبو جهل وكأنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم لا يكذبه بعد ذلك وخاف أن يجحده فقال أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فقال أبو جهل هيا يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فانتفضت إليه المدينة وجاءوا حتى جلسوا إليهما فقال أبو جهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حدث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة فقالوا إلى أين قال إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت بين ظهرانينا قال نعم فمن بين مصفق قال أبو جهل ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا قالوا وتستطيع أن تنعت لنا المسجد أراد أهل مكة أن يختبروا النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن بعض أهل مكة قد وصلوا إلى بيت المقدس ورأوه وهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سافر إلى بيت المقدس أبدا فقال صلى الله عليه وسلم فما زلت أنعت حتى سألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط فأثنيت على ربي وسألته أن يمثل لي بيت المقدس وهنا المؤمن إذا اشتد به الأمر فلا ملجأ يلجأ إليه إلا إلى الله لجأ إلى الله جل وعلا فماذا فعله قال فجل الله لي بيت المقدس فرفعه إلي أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أراه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه فقال القوم أمنعت فوالله لقد أصاب فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم وإن من آيتي أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم جمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان فلما كان اليوم الذي ذكر أشرف فيه الناس ينتظرون حتى كان قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ناس نحن لا نصدق محمدا بما قال فضرب الله رقابهم مع أبي جهل وهذا يبين لنا أنهم معاندون للنبي صلى الله عليه وسلم وإلا بعد هذا الوصف الدقيق من النبي صلى الله عليه وسلم يصرون على استكبارهم وعلى ضلالهم والعياذ بالله وهذا الإسراء الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم له حكم كثيرة فمن حكمه أولا أن الله تبارك وتعالى أتاح لرسوله صلى الله عليه وسلم الاطلاع على المظاهر الكبرى بقدرته سبحانه وتعالى حتى يزداد ثقة بالله تبارك وتعالى ثانيا ظهور أواصر القربى بين الأنبياء إذ إن الأنبياء جميعا دينهم واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد فالأنبياء بينهم من المودة الشيء العظيم وهذا ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء في كل سماء يأتيها يرحب به أنبياء تلك السماء وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنا بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هل لا وضعت هذه اللبنة وأنا خاتم النبيين ثالثا تحقق أن هذا الدين هو دين الفطرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم فاخترت اللبن فقيل لي اخترت الفطرة كنوز السيرة انشقاق القمر ثم بعد هذه الحادثة وقعت حادثة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم وهي حادثة عجيبة ذكرت بالتواتر ألا وهي انشقاق القمر طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم علامة ودلالة على صدقه وكأنه ما أتاهم بشيء من ذلك فطلبوا منه صلوات الله وسلامه عليه أن يشق القمر نصفين فقال أرأيتم لو شق الله لكم القمر نصفين أتؤمنون قالوا وما لنا لا نؤمن فدع النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى فشق الله لهم القمر نصفين فلما نظروا إلى القمر وهو نصفين بينهما جبل أبي قبيس قالوا لقد جاء بسحر فقال قائل منهم إن كان قد سحركم فلا يستطيع أن يسحر الناس جميعا فلما جاء السفار قالوا لهم ما أعجب ما رأيتم قالوا في ليلة كذا رأينا القمر فلقتين قالوا لقد جاء بسحر عظيم سحر الناس أجمعين وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى في سورة القمر يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر أي سحر قوي كنوز السيرة بيعة العقبة الأولى قد مر بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بعض أهل المدينة وأنهم آمنوا به وتابعوه فلما كان في الموسم من السنة الثانية عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم جاء الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه والذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم هم معاذ بن الحارث وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة وكلهم من الخزرج إلا أبو الهيثم وعويم بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وهي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في قوله هكذا كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان لتفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو له كفارة ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه قال فبايعناه على ذلك ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه يعلمهم الإسلام ويدعو غيرهم تبارك وتعالى وهاتان قصتان لرجلين أسلما على يد مصعب بن عمير فكان في إسلامهما خير عظيم كنوز السيرة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما إن أسعد بن زرارة خرج يوما مع مصعب بن عمير فدخلا في حائط لبني ظفر وجلسا على بئر يقال لها بئر مرق واجتمع إليهما رجال من المسلمين وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير كان سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وكانا على الشرك فلما سمعا بذلك قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير اذهب إلى هذين الذين قد أتيا يسفروا فسجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا فإن أسعد بن زرارة بن خالتي ولولا ذلك لك فيتك هذا فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه فجاء أسيد فوقف عليهما متشتما وقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنكما تكره فقال أنصفت ثم ركز حربته وجلس وكيف أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور من عبادة الأصنام إلى عبادة رب العباد سبحانه وتعالى قال راوي القصة فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم وذلك في عبادة الأصنام وفي إشراقه وتهلله ثم قال له ماء سيد ما أحسن ذلك وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قال له اغتسل وطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين ثم قال إن ورائي رجلا انتبعكما لم يتخلف أحد من قومه ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس فقال سعد أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف أسيد على قومه قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا فقالا نفعل إن أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وبنوا حارثة لن يقتلوا أسعد بن زرارة ولكن هكذا تصرف أسيد بن حضير رضي الله عنه ليثير سعد بن معاذ ليقوم ويدافع عن ابن خالته أسعد بن زرارة فقام سعد مغضبا للذي ذكر له وخرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما كما عرف أنه لا أحد سيقتل أسعد ولا شيء فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة والله يا أبا أمامه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني وقال لأسعد بن زرارة قال مصعب لسعد بن معاذ أو تقعد فتسمع إن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قال راوي القصة فعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فقال له كما قال لأسيد ففعل كما فعل أسيد فلما رجع إلى قومه قال يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله فما أمسى فيهم رجل ولم رأة إلا مسلم ومسلمة إلا رجل واحد يقال له الأصيرم وقد أسلم يوم أحد وظل مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون وكانت في السنة الثالثة عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إذ حج من المسلمين من أهل المدينة بضع وسبعون نفسا من ضمن حجاج قومهم من المشركين وكان المسلمون يقولون حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخوف قال كعب بن مالك رضي الله عنه خرجنا إلى الحج ووعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمر بن حرام سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمنا عبد الله بن عمر بن حرام وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بموعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا من النبي صلى الله عليه وسلم قال كعب رضي الله عنه فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطى مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب وهي أم عمارة وأسماء بنت عمر من بني سلمة فاجتمعنا ننتظر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب والعباس يومئذ على دين قومه إلا أنه عم النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعرف ماذا هم صانعون بابن أخيه فلما اجتمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم كان أول المتكلمين عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا لانحياز لكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده فقال كعب قد سمعنا ما قلت تكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال النبي صلى الله عليه وسلم تبايعوني فقالوا يا رسول الله نبايعك على ماذا قال على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقوموا في الله وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة قال كعب رضي الله عنه وتل القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قام البراء بن معرور فأخذ بيده ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم والذي بعثك بيه فقال لنمنعنك مما نمنع أزرنا منه فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وفي رواية أن جابرا قال فقمنا نبايع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وفيه قتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإن أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله يريد أسعد رضي الله عنه أن يثير فيهم محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم وصافحهم إلا المرأتين فإنه ما صافح امرأة قط فقال عليهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس أما نقباء الخزرج فأسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك والبراء بن معرور وعبد الله بن عمر بن حرام وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وأما نقباء الأوس وسعد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر وبعد أن تمت هذه البيعة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين بايعوه صاح الشيطان وقال يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصباه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله يا عدو والله لأتفرغن لك ثم أمرهم أن يرجعوا إلى رحالهم لما سمعت قريش هذا الصوت جاءوا إلى أهل يثربا فقالوا لهم يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي منه من العرب أبغض إلينا من أن ننشب معه الحرب منكم فقال مشرك يثرب والله ما وقع شيء من هذا ولا تم شيء من هذا وصاروا يحلفون بالله ما وقع شيء من هذا فآت الناس عبد الله بن أبي بن سلول وكان من كبار الخزرج فجعل يقول هذا باطل وما كان هذا وقالوا لي يفعلوا مثل هذا إلا وأخبروني فاستمرت قريش تبحث وتستقصي الأخبار حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح والبيعة قد تمت فلما نفر الحجيج سارع فرسانهم إلى أهل يثرب ولكن بعد فوات الأوان ولكنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمر فطاردوهما وفرا منهم فأعجزهم المنذر وأمسكوا سعد بن عبادة فربطوا يديه إلى عنقه وجعلوا يضربونه ويشدون شعره حتى أدخلوه مكة فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب فخلصاه من أيديهم وذلك أن سعد بن عبادة من سادات أهل المدينة بدأ المسلمون يهاجرون وحاول المشركون صدهم عن الهجرة وكان أول المهاجرين أبو سلمة وقد هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة وأخذ معه زوجته أم سلمة وولدهما سلمة فجاءه أصهاره فقالوا له أما نفسك فلا نستطيعها أرأيت صاحبتنا هذه على ما نتركك تسير بها في البلاد فوالله لا ندعها معك فأخذوا منه زوجته ومن الطبيعي جدا أن ولده سلمة الصغيرة رجع مع أمه فغضب آل أبي سلمة كيف تأخذون من الرجل زوجته فقالوا إذا فعلتم ذلك فنحن نأخذ ابننا فأخذوا سلمة من أمه فتشتت أمر هذه العائلة الصغيرة فسلمة أخذها قومها وسلمة أخذه قوم أبيه هاجر أبو سلمة وحده إلى المدينة وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها وأخذ ابنها منها تخرج إلى الأبطح تبكي حتى تمسي واستمرت على ذلك سنة كاملة وهي تبكي في راق ابنها وزوجها فرق لها أحد ذويها وقال ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وولدها فقالوا لها إلحقي بزوجك إن شئتي فذهبت إلى أهل زوجها فأعطوها ولدها ثم هاجرت خلف زوجها إلى المدينة ولكنها لما خرجت لم يكن معها أحد فلقيها في الطريق عثمان بن طلحة وبعد أن عرف حالها شيعها يجاريها في السير ووصل بها إلى المدينة وهو على الشرك ولكنها أخلاق العرب فلما وصل إلى المدينة قال زوجك في هذه القرية ادخليها على بركة الله ثم انصرف إلى مكة هذه صورة من صور المهاجرين وكيف عانوا عند خروجهم من مكة إلى المدينة الله عنه أسلم صهيب وظل في مكة فترة من الزمن ثم رأى أن يهاجر إلى المدينة فلما أراد الهجرة جاءه كفار مكة وقالوا أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك سبحان الله ما سرق مالهم ولا غشهم ولا راباهم وإنما اشتغل بعرق جبينه ومع هذا قالوا له لا تخرج أنت ومالك أبدا فقال لهم صهيب أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي قالوا نعم قال فإني قد جعلت لكم مالي فبلغ هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربح صهيب وذكر بعض أهل العلم أن قول الله تبارك وتعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوكم بالعباد أنها نزلت في صهيب الرومي رضي الله عنه كنوز السيرة المهاجرون إلى المدينة رضي الله عنه قال قال أبو بكر مضى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى أتينا المدينة ليلا فنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني أنزل الليلة على بن النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك فخرج الناس حين دخلنا المدينة في الطريق على البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء محمد رسول الله وبات عند بن النجار فلما أصبح انطلق حتى نزل حيث أمر قال البراء وكان أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير فقلت له ما فعل رسول الله فقال هو مكانه وأصحابه على أثري ثم أتانا بعده عمر بن أم مكتوم ثم أتا بعده عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وبلال ثم أتانا بعدهم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ثم أتانا بعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه كنوز السيرة هجرة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة ألا تجيئني بزينب قال بلى قال فخذ خاتمي فأعطها إياه فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيا فقال لمن ترعى فقال لآب العاص قال فلمن هذه الغنم قال لزينب بنت محمد فأعطاه الخاتم حتى كان الليل خرجت إليه فركبت وراءه حتى أتت المدينة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها هي أفضل بناتي أصيبت فيي كنوز السيرة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي شهر صفر من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع أهل مكة على أمر عظيم ما اجتمعوا على مثله قط وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وتعاقدوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الرأي كان رأي أبي جهل رأس قريش في ذلك الوقت قال أبو جهل والله إن لي فيه رأيا وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه ونستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القفل فلم يقدر بن عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضون منا بالعقل أي بالدية فعقلناه لهم وبعد هذا الاجتماع الخطير أرسل الله تبارك وتعالى جبريل عليه السلام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يأمره بالهجرة فذهب النبي في الهاجرة قبيل الظهر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة قالت عائشة بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا وذلك في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت يا رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فبقي النبي صلى الله عليه وسلم إلى عتمة الليل وإذا كفار مكة عند باب النبي صلى الله عليه وسلم يريدون قتله إذا خرج وفيه أنزل الله تبارك وتعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين كيف صنع الله بهم كما قال جل وعلا إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسج ببردي فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم وقد أبقى النبي صلى الله عليه وسلم عليا في مكة حتى يرد الأمانات التي عنده لأهل مكة ونريد أن ننبه إلى أمرين اثنين نرى أنهما من أهم الأمور أولهما أن كفار مكة كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم كاذب ساحر شاعر مجنون وغير ذلك من الصفات التي اتهموه بها وهم في هذا كاذبون فهم لا يصدقون ما يقولون إذ كانوا يضعون أماناتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فهل يجوز أن يعطي عاقل الأمانة لرجل يرى أنه كذاب أو مجنون أو أنه ساحر هذا لا يمكن أبدا فدل هذا على أنهم لا يكذبون كما قال الله تبارك وتعالى فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون الأمر الثاني أمانة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أرادوا قتله لم يقل أنا آخذ أموالهم لأنهم يريدون قتلي فأنا أستحقها فلما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من بيته وأولئك الشبان الأقوياء المسلحون ينتظرونه عند الباب ليقتلوه ألقى الله تبارك وتعالى عليهم النوم جميعا وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وكان الله قد أخذ أبصارهم فلا يرونه والنبي صلى الله عليه وسلم يتلو وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون فلم يبق منهم رجل إلا وضع النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا ومضى إلى بيت أبي بكر فخرج من خوخة في دار أبي بكر ليلة حتى لحق بغار ثور اتجاه اليمن وظل مريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم واقفين حتى جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ورآهم عند الباب فقال لهم ماذا تنتظرون قالوا محمدا قال خبتم وخسرتم قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب وانطلق لحاجته فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فوجدوا التراب فقاموا ينفضونه وقالوا والله ما أبصرناه ثم نظروا داخل البيت فرأوا عليا قالوا هذا والله محمد فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا وقام علي عن الفراش فسقط في أيديهم وقالوا له أين محمد قال لا علم لي ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار هو المدينة كان من ذكائه صلى الله عليه وسلم أن سلك قريشا وكان طريقا آخر يضاده تماما وهو طريق اليمن مشى خمسة أميال في اتجاه اليمن والأنظار كلها والعقول تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم سيهاجر إلى المدينة وهكذا كان ولكنه أراد أن يعمي عليهم الأمر فذهب إلى جهة اليمن ومكث في مكان يقال له جبل ثور ثلاثة أيام ومشى متجها إلى غار ثور على أطراف قدميه لأن الطريق كان وعرا فحفيت قدماه صلى الله عليه وسلم وطفق يشتد به الأمر حتى انتهى إلى الغار في قمة الجبل ولما انتهى إلى الغار قال أبو بكر والله ما تدخله يا رسول الله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخل أبو بكر فكسحه ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسده به وبقي ثقبان آخران فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر فلم يتحرك مخافة أن ينجح فانتبه الرسول صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه من شدة الألم على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا أبا بكر قال لدغت فداك أبي وأمي فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا لدغه فذهب ما يجده من ألم وهذا أيضا يبين لنا أمرين اثنين الأول شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه يلدغ فلا يتحرك حتى لا يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم الثاني بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنه مجرد أن تفل في جرحه أذهب الله جل وعلا عنه ما يجده وظل في الغار ثلاث ليال وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما قالت عائشة وهو غلام شاب ثقف اللقن فيدرج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فيها فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكان يرعى غنمه عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وكان يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي وكان يأتي إلى أثر عبد الله بن أبي بكر وهو راجع وهو ذاهب فيمشي بالغنم حتى يذهب أثره وأما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أفلت في صبيحة الليلة التي عزموا فيها على قتله وحاولوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآذوه حتى يعلمهم مكان النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعلمهم بشيء حتى إذا يأسوا منه ذهب أبو جهل إلى بيت أبي بكر الصديق فخرجت إليه أسماء بنت أبي بكر قالت لا أدري فرفع أبو جهل يده فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها وجعلت قريش مكافأة قدرها مئة ناقة لكل من يدلها على مكان النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان حيا أو ميتا وجدت الفرسان والمشات وقصاص الأثر في الطلب لأن مئة ناقة شيء عظيم وقروا في الجبال والوديان يبحثون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن دون فائدة كنوز السيرة الله ثالثهما أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوة فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما وفي لفظ ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ولما هدأت قريش في الطلب تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للخروج من الغار وذلك أن عبد الله بن أبي بكر كان يأتيهما بالأخبار وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل أجير وهو عبد الله بن أريقط كان دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وكان كافرا ومع هذا استعان به النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قال أهل العلم تجوز الاستعانة بالكافر عند الحادثة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى عبد الله بن أريقط الراحلتين وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال والنبي صلى الله عليه وسلم استأمنه وهو كافر وكان من الممكن أن يخبر قريشا بمكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ويأخذ المئة ناقة ولكنه ما استأمنه إلا لأنه كان أمينا فلما كانت ليلة الاثنين جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين وكانتا لأبي بكر فقال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله خذ إحدى راحلتي هاتين يعني لك وقرب إليه أفضلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن وقلت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما يعني شيئا تربط به فلما ارتحلا ذهبت تعلق السفرة فإذا ليس لها عصام فشقت نطاقها قسمين فعلقت السفرة بأحد هذين القسمين وانتطقت بالآخر ومنها لقبت بذات النطاقين والنطاق هو ما يربط على البطن وخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة قلت أفي غنمك لبن قال نعم قلت أفتحلب قال نعم فأخذ شاتا فقلت أنفض الضرع من التراب والشعر والقذا فحلب في كعب كثبة من لبن ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضى فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه فوافقت حين استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى بقيت وبرد أسفله فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قال ألم يأين الرحيل قلت بلى قال فارتحلنا كنوز السيرة سراقة بن مالك يبحث عن المكافأة وتابع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم ويحدثنا سراقة بقصته قال بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة وعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي من وراء أكمة فتحبسها علي فأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عالية حتى أتيت فرسي فخررت عليها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره قال فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا اقتربت من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر سمعت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام مرة ثانية فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم كيف أن فرسي امتنعت أن سيظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الديه وعرضت عليه الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلى أن قال أخفي عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع سراقة بن مالك ووجد الناس في الطلب فجعل يقول لهم قد استبرأت لكم الخبر قد كفيتكم ما هاهنا سبحان الله في أول الأمر يريد قتلهما يريد المكافأة وفي آخر النهار جعل يدافع عنهما ويخفي أمرهما فهذا من الله تبارك وتعالى كيف أنه يحفظ نبيه صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة خيمة أم معبد ومر النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك حتى أتى خيمة امرأة يقال لها أم معبد قالت والله ما عندنا شيء ما أعوزكم وكانت سنة شهباء فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شات في كسر الخيمة فقال ما هذه الشات يا أم معبد قالت شات خلفها الجهد عن الغنم فقال هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك فقالت أتأذنين أن أحلبها قالت نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها وسمى الله ودعا فتفاجت عليه ودرت فدعا بإناء لها فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه أبا بكر وعامرا وعبد الله بن أريقط حتى رو ثم شرب وحلب ثانية حتى ملأ الإناء ثم أعطاه إياها وغادر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك جاء زوج أم معبد يسوق أعنزا عجافا ما فيها لبن فلما رأى اللبن عجب فقال من أين لك هذا والشات عازب ولا حلوبة في البيت فقالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا فذكرت له ما وقع فقال زوجها إني والله أرى أنه صاحب قريش الذي تطلبه صفيه لي يا أم معبد فوصفته بصفات فقال لها هذا والله من يبحث عنه أهل مكة وسمعت أشعار يقال إنها للجن جزى الله رب العرش خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبدي هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمدي فيالق صي ما زو الله عنكم به من فعال لا يجاز وسؤددي ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصدي سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشات تشهدي كنوز السيرة الفصل الثالث دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفي يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى قباء قال عروة بن الزبير سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غدات إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطال انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم فأمر بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن نادى بأعلى صوته يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يجيؤون أبا بكر يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل على نبي الله صلى الله عليه وسلم بردائه فعرف الناس أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم وبقي علي بن أبي طالب ثلاثة أيام يؤدي الأمانات عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم هاجر ماشيا على قدميه أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام على المشهور كنوز السيرة أول مسجد أسس على التقوى أسس صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وصلى فيه وهو أول مسجد أسس على التقوى ولما كان اليوم الخامس وهو يوم الجمعة ركب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله له وأردف أبا بكر وأرسل إلى بن النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم فسار جهة المدينة فأدركته الجمعة في قرية اللبني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي وهذه أول جمعة صلىها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعد أن صلى الجمعة انطلق إلى داخل المدينة فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطوة وهم يقولون له يا رسول الله هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة فكان يقول لهم خلوا سبيلها فإنها مأمورة فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي فبركت فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأنصار فنزل عنها النبي صلى الله عليه وسلم في بن النجار وكان من توفيق الله له فإنه أحب أن ينزل على أخواله ليكرمهم بذلك وهذه من صلة الرحم فجعل الناس يكلمون الرسول صلى الله عليه وسلم في النزول إليهم فكل واحد منهم يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول أسكن عندي أسكن عندي فقام أبو أيوب الأنصاري وأخذ رحل النبي صلى الله عليه وسلم ثم دخل به إلى بيته فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المرء مع رحله فجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فقال والراحلة عندي وبعد أيام وصلت زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أسامة بن زيد وأم أيمن وكل أولئك خرج معهم عبد الله بن أبي بكر ومعه كذلك أولاد أبي بكر الصديق وبقيت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي العاص بن الربيع لم تستطع أن تهاجر معه لأنه كان على دين قومه بناء المسجد النبوي بعد أن استقر بالنبي صلى الله عليه وسلم المقام قام ببناء المسجد النبوي في المكان الذي بركت فيه الناقة وكان المكان لغلامين يتيمين فاشتراه وبنى المسلمون المسجد وشارك النبي صلى الله عليه وسلم في البناء بيديه الكريمتين عليه الصلاة والسلام وكان يقول وهو يبني معهم اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فكان الأنصار يعملون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل وكان في ذلك المكان قبور للمشركين وكان فيه خراب ونخل وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت والخراب فسويت وبالنخل فقطعت وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة في ذلك الوقت إلى بيت المقدس لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى مكة وبنى بجانب هذا المسجد بيوتا وهي الحجر بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم وبعد أن تكامل البنيات انتقل صلى الله عليه وسلم إلى تلك البيوت كنوز السيرة المؤاخات بين المهاجرين والأنصار ثم آخر رسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وذلك في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار وأنهم يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام وذلك إلى أن أنزل الله تبارك وتعالى بعد بدر وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فرجع التوارث إلى الأقارب ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن وإنما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن بن عوف إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجها فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله في أهلك ومالك أين سوقكم فدلوه على سوق بني قينقاع فمن قلب إلا ومعه فضل من إقط وسم ثم تابع الغدو ثم جاء يوما وبه أثر صفرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم أي ما الأمر قال تزوجت قال كم سقت إليها قال نواة من ذهب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل فقال لا فقالوا فتكفون المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا نعم سمعنا وآطعنا وهذا يدلنا على أمرين اثنين أيضا أولا سخاء الأنصار كما قال الله تبارك وتعالى ثانيا يظهر لنا كذلك موقف المهاجرين وذلك أنهم لم يستغلوا طيبة الأنصار ولذلك لم يقبل عبد الرحمن بن عوف عرض سعد بن الربيع ولم يقبل المهاجرون عرض الأنصار أن يقاسموهم نخيلهم رضي الله عنه اشتهرت رواية في كتب التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المهاجرين والأنصار أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال هذا أخي ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك قال ابن كثير رحمه الله أما مؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم وعليه فإن من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخات إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخات النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم ولا مهاجري لمهاجري آخر كما ذكر من مؤاخات حمزة وزيد بن حارثة إن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صغاره في حياة أبيه أبي طالب وقد نص شيخ الإسلام بن تيمية والحافظ العراقي على أنه لم يصح في هذا شيء كنوز السيرة معاهدات مع اليهود بعد ذلك عقد النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدات مع اليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة وهم لم يدخلوا في الإسلام فعقد معهم النبي صلى الله عليه وسلم معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد من المدينة بل تركهم فيها ولم يتجه إلى المسلمين تقول لا يغرنكم أنكم أفلتتم منا إلى يثرب فسنأتيكم ونستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم فعن عائشة رضي الله عنها قالت سهر الرسول صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني قالت فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بك فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام وهذا من توفيق الله تبارك وتعالى له كنوز السيرة بدء السرايا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى أنزل الله تبارك وتعالى والله يعصمك من الناس فأخرج الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله وهذا يبين شدة اليقين بالله وكان الله عز وجل قد أمر نبيه بالصبر والكف عن المشركين حتى أذن الله تبارك وتعالى بالقتال والدفاع بقوله جل وعلا أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير وبعد هذا الإذن من الله بالقتال بدأت السرايا وكان من هذه السرايا سرية نخلة وذلك أنه في السنة الثانية من الهجرة بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي إلى مكان يقال له نخلة في 12 رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومه ثم ينظر فيه فسار عبد الله بن جحش ثم قرأ الكتاب بعد يومين فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فانضي حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم فقال عبد الله بن جحش عندما قرأ الكتاب سمعا وطاعة ثم أخبر أصحابه بذلك فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض فنهضوا كلهم ولكن في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وفيها عمر بن الحضرمي وعثمان ونوفل بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان فتشاور المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم دخلوا الحرام والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم والواحد الفرد رجب هذه أشهر محرمة منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى يومنا هذا قال تعالى فهم أدركوا هذه العير في آخر يوم من رجب الحرام فإذا أخذوا ما عندهم من مال وقاتلوهم فقد قاتلوا في الشهر الحرام وإن تركوهم دخلوا إلى البلد الحرام مكة فوقعوا بين ثلاث حالات الحالة الأولى أن يقاتلوهم في الشهر الحرام الحالة الثانية أن يتركوهم حتى يدخلوا مكة ويقاتلونهم غدا في الأشهر الحلال ولكن في المكان الحرام الحالة الثالثة وهي أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام ولا يقاتلوهم في البلد الحرام ولكن تفلت العير وتدخل إلى مكة وتنجو وكان كفار قريش كما هو معلوم قد أخذوا أموال المسلمين بل أخذوا دورهم وآذوا من آذوا وقتلوا آخرين فكان أخذ العير نوعا من رد بعض الحقوق وللإنسان أن يرد حقه منه وقالوا ممن ظلمه ولو وصل الأمر إلى القتال فتشاور المسلمون ثم اجتمعوا على اللقاء فرمى أحدهم عمر بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم بن كيسان وأفلت منهم نوفل وقدموا بالعير والأسيرين إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وقد عزلوا من ذلك الخمس وذلك كان أول خمس في الغنيمة وهذان كان أول أسيرين وذلك كان أول قتيل في الإسلام فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما حدث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلوه وقال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ثم أوقف النبي صلى الله عليه وسلم أي تصرف في العير والأسيرين وقالوا يتكلمون في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا إنه أحل ما حرم الله وأكثروا في القيل والقال حتى أنزل الله تبارك وتعالى الوحي يدافع به عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال الله تبارك وتعالى وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل يقول الله تبارك وتعالى للمشركين أنتم تنكرون على المسلمين أن قتلوا رجلا في الشهر الحرام ونحن نوافقكم على أن هذا العمل لا يجوز ولكن أنتم يا من تعيبونهم في هذا انظروا ماذا تفعلون يقول الله تبارك وتعالى وصد عن سبيل الله أي الذي تفعلونه وكفر به والمسجد الحرام أي وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه وهو طرد المسلمين من مكة وإخراجهم بالتهديد والتعذيب أكبر عند الله فكانت هذه الآية مما طيب الله تبارك وتعالى بها قلوب المؤمنين فكأن الله جل وعلا يقول لهم ليس هؤلاء من لهم أن يعيبوا عليكم ذلك لأن فعلهم أكبر من فعلكم بكثير عند ذلك أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراح الأسيرين وأدى الدية عن المسلمين كنوز السيرة تحويل القبلة فصلوا إلى بيت المقدس فلابد أن يعطي مكة ظهره ومن أراد أن يصلي إلى مكة لابد أن يعطي بيت المقدس ظهره فصلوا إلى بيت المقدس أما البراء بن معرور رضي الله عنه فصلى إلى مكة فاستغرب أصحابه منه فلما قضوا الصلاة قالوا ويحك ماذا فعلت قال والله إني كرهت أن أجعل هذه البنية في ظهري فقالوا ويحك إن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس قال لا أدري فتركوه ووصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد كنت على قبلة لو صبرت وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن تكون مكة هي القبلة وكان في مكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس كنوز السيرة معركة بدر الكبرى سببها أن عيرا لقريش جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان ولما قرب رجوعها بعث النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ليقوما باستكشاف خبرها فوصل إلى مكان يقال له الحوراء مكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير وخبره بالعدد فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين قائلا هذه عير قريش فيها أموالهم فخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ولم يعزم على أحد واستعد الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج وخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ولم يتخذوا أهبة كاملة وخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وهم فارسان بفرسين هما الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وكان معهم سبعون بعيرا كل اثنين أو ثلاثة على بعير وكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد على بعير واحد كل فترة يركب أحدهم وينزل اثنان ومصعب بن عمير القراشي وأعطى علم كتيبة المهاجرين لعلي بن أبي طالب وأعطى علم كتيبة الأنصار لسعد بن معاذ وجعل قيادة الميمنة للزبير وعلى الميسرة المقداد بن عمر والقيادة العامة بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار ويخاف بعد وقعة بن الحضرمي فعلم أن محمد بن حضرمي محمدا صلى الله عليه وسلم قد خرج لملاقات العير فاستأجر رجلا يقال له ضمضم بن عمر مستصرخا لقريش بن نفير ليمنعوه من محمد وأصحابه فخرج ضمضم إلى مكة سريعا فصرخ ببطن الوادي وجدع أنف البعير وحول رحله وشق قميصه وكل هذه الأشياء للإثارة كانت تستخدمها العرب في السابق لكي يبين أن الأمر جلل ومن ذلك أن العرب كانت تقول أنا النذير العريان يعني أن المسألة وصلت إلى حد لا يحتمل التسامح ولا التراخي وقال يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير بن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل عليه دين فقال أسقط عنك ديني واخرج بدلي وحشدوا من حولهم من قبائل العرب ولم يتخلف من بطون قريش إلا بن عدي فإنهم لم يخرجوا معهم وكان هذا الجيش نحو 1300 مقاتل معهم 600 فرس ولو عملنا مقارنة لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه 310 والمشركون 1300 المسلمون معهم فرسان بقائدين المشركون معهم 600 فرس فهذا عدد المسلمين وعدتهم وذاك عدد المشركين وعدتهم المسلمون خرجوا للعير الكفار خرجوا للقتال حتى الاستعداد النفسي مختلف إذن الآن المشركون متفوقون في ثلاثة أمور أولا العدد ثانيا العدة ثالثا الاستعداد النفسي وكانت قيادة المشركين لأبي جهل عمر بن هشام وخرجوا من ديارهم كما قال تبارك وتعالى وستطاع أبو سفيان أن ينجو بالعير وذلك أنه لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج غير طريقه وقصة تغيير طريقه تدل على ذكائه فإنه كان يسير على الطريق المعروف من الشام إلى مكة ولكنه كان حذرا متيقظا لقي مجدي بن عمر وكان يعيش في ذاك المكان قال له هل مر بك جيش فقال مجدي بن عمر ما رأيت أحدا أنكره إلا إني رأيت راكبين أناخا على هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فذهب أبو سفيان إلى مكان الراحلتين وأخذ من أبعار بعيريهما ففتهوا فإذا فيه النواة فقال هذه والله علائف يثرب فرجع وغير طريقه ونجى بالعير فأرسل إلى أهل مكة أن ارجعوا فقد نجت العير وإنكم إنما خرجتم لتحرزوا أموالكم وعيركم فإنها قد نجت فقام طاغية قريش أبو جهل فقال والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم بها ثلاثة فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسق الخمر وتعزف لنا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فقام الأخنس بن شريق وأمر بالرجوع فعصوه فقال أما أنا فراجع ورجع معه بن زهرة وكانوا قريبا من ثلاثمئة واجتمع النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بخروج أهل مكة بأصحابه يستشيرهم فقال هؤلاء أهل مكة قد خرجوا فماذا ترون فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن رضي الله عنه ثم قام عمر فقال وأحسن ثم قام المقداد فقال وأحسن من مقولة المقداد بن عمر رضي الله عنه يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له الرسول خيرا ودعا له بخير قال عبد الله بن مسعود والله لتمنيت أن لي موقف المقداد لما رأى من فرح النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمات ولكن ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يريد غيرها لأن أبا بكر وعمر والمقداد كل هؤلاء من المهاجرين والنبي صلى الله عليه وسلم أراد كلمة من الأنصار لأن الأنصار إنما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم يدافعون عنه في المدينة وينصرونه في المدينة ولم يبايعوه على القتال خارج المدينة فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم منهم كلمة هل هم موافقون وراضون وأنهم مصرون على أنهم يدافعون عنه في المدينة فقط فقال أشيروا علي فتكلم سعد بن معاذ وكان قائد الأنصار في هذه المعركة وهو صاحب اللواء فقال كأنك تريدنا يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجل أريدكم أن تتكلموا ولا أريد أن أجبركم على قتال ولا أريد أن أكرهكم عليه فقال سعد بن معاذ مقولة أفرحت وأثلجت صدر النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضي يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله وفي رواية أن سعد بن معاذ قال للرسول صلى الله عليه وسلم وما تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فضعا حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت واخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك فوالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخذته لخذناه معك فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشط لذلك ثم قال سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ثم ارتحل الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل قريبا من بدر كنوز السيرة قصة طريفة نافعة بعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر إلى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة فقبضوا عليهما وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يصلي فسألوا الرجلين من أنتما قالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقي لهم من الماء فكره القوم ذلك ورجوا أن يكون لأبي سفيان لأنهم يريدون العير فضربوهما حتى يعترفا أنهما لأبي سفيان قال الغلامان نحن لأبي سفيان فتركوهما فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة التفت إلى أصحابه وقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش ثم التفت إلى الغلامين وقال أخبراني عن قريش قال هم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراء هذا الكثيب وأشار إلى مكان فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم كم القوم قال كثير قال ما عدتهم قال لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قال يوما تسعا ويوما عشرا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قال فيهم عتبة وشيبة بن ربيعة وفيهم أبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر وطعيمة بن عدي والنظر وزمعة وأبو جهل وأمية بن خلف وسموا له رجالا من مكة وقال الله عليه وسلم على الناس وقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ثم اقترح سعد بن معاذ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون في عريش بعيدا عن المعركة حتى يكون هذا أحفظ للنبي صلى الله عليه وسلم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه نعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بقومنا فإنه قد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك وكان النبي صلى الله عليه وسلم على رأيه خيرا وكان في العريش صلى الله عليه وسلم ثم عبأ النبي صلى الله عليه وسلم جيشه ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده صلى الله عليه وسلم هذا مصرع فلان إن شاء الله وهذا مصرع فلان إن شاء الله يشير إلى الأماكن التي سيقتلون فيها ويسلمون تلك الليلة هادئ الأنفس قال الله تبارك وتعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء وينزل عليكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام الأرض التي نزل بها المسلمون كانت قاسية فأنزل الله تبارك وتعالى عليها المطر فصارت لينة والأرض التي نزل فيها المشركون كانت لينة فأنزل الله عليها المطر فأصبحت قيلة لا يستطيعون الوقوف عليها من الزنا وكان ذلك في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة كنوز السيرة الاستعداد للقتال استعدت قريش للقتال واستعد النبي صلى الله عليه وسلم للقتال وأرسلت قريش عمير بن وهب يتجسس للتعرف على مدى قوة المسلمين فدار عمير بفرسه وقال نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعه ولا لهم ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا أعدادكم فما خير العيش بعد ذلك وقامت معارضة بقيادة أبي جهل فأنكر عليه قوله وأمر الناس بالقتال والجنة فأطاعوا أبا جهل كنوز السيرة حيلة حلال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يعدل الصفوف كان سواد بن غزية متقدما على الصف فضربه بالقدح على بطنه يقول له ارجع استوي يا سواد فقال سواد يا رسول الله أوجعتني فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه حتى يستقيد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم استقد فقام سواد واعتنق النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا يا سواد فقال يا رسول الله قد حضر ما ترى أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة بدء المعركة اصطفى المسلمون واصطفى المشركون ثلاثمائة وبضعة عشر مقابل ألف من المشركين فخرج من أهل مكة ثلاثة عتبة وشيبة بنى ربيعة فانفصلوا من صف المشركين وطلبوا المبارزة قالوا من يبارزنا وهذا نوع من الإحماء للقتال كانت تستخدمه العرب فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار عوف ومعوذ ابن الحارث وعبد الله بن رواحة فلما التقوا قال المشركون للمسلمين من أنتم قالوا رهط من الأنصار فقالوا لهم أكفاء كرام ما لنا بكم حاجة إنما نريد بني عمنا ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي معه في عبد مناف فهو من أبناء المطلب بن عبد مناف والنبي من أبناء هاشم بن عبد مناف قال قم يا حمزة وقم يا علي فاختار أقاربه صلى الله عليه وسلم فلما قاموا ودنوا منهم قالوا أكفاء كرام فتبارز عبيدة بن الحارث مع عتبة بن ربيعة وحمزة مع شيبة وعلي مع الوليد بن عتبة فأما حمزة فقتل صاحبه وأما علي فقتل صاحبه وأما عبيدة فاختلف هو وقرنه في ضربتين فكل واحد ضرب الثاني ضربه ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة بن الحارث وهو مصاب وقد قطعت رجله ومات بعد ذلك بثلاثة أيام رضي الله عنه وانتهت هذه المبارزة فغضبت قريش عند ذلك وكروا على المسلمين كرة رجل واحد فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه تعالى فقال اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا وبالغ في الابتهال ورفع يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه أبو بكر الصديق وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك عندها أوحى الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وأوحى الله تبارك وتعالى إلى رسوله أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين أي إنهم ردف لكم يساعدونكم وقال الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة ثم قال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع وفيهم نزل قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدوا بل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر ثم أخذ حفنة من الحفنة فاستقبل بها قريشا فقال شاهت الوجوه ورمى بها صلى الله عليه وسلم فما من أحد إلا وأصابه ما رماه الرسول صلى الله عليه وسلم وفي هذا قول الله تبارك وتعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وشد المسلمون على الكفار فكان النصر مواقف ذات عبر عمير بن الحمام رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة وكان يقول قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإنك من أهلها فأخرج تمرات فجعل يأكل منها ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمت تمرات ودخل وقاتل حتى قتل رضي الله عنه قال ابن عباس رضي الله عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة في السوط فوقه وصوت الفارس أقدم حيزوم فجاء الأنصاري فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة وقال أبو داود المازني رضي الله عنه إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري وجاء رجل من الأنصار بالعربة فقال العباس بن عبد المطلب أسيرا والعباس خرج مع المشركين وكان كارها فأسر قال يا رسول الله أسرت العباس فقال العباس لا والله ما هذا أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق وما أراه في القوم فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول الله قال النبي صلى الله عليه وسلم أسكت فقد أيدك الله بملك كريم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إني لفي الصف يوم بدر إذ ألتفت فإذا عن يميني وعن يساري فتياني حديث السن إذ قال لي يا عم أرنا أبا جهل قلت فما تصنعان به قال أخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت والذي نفسي بيده لئن رأيته لأخبرنكما فقال أحدهما والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك فلم أنشب أن رأيت أبا جهل يجول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال الرسول صلى الله عليه وسلم هل مسحتما سيفيكما فقال لا لا فنظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال كلاكما قتله ولما سقط أبو جهل جاءه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال له قد أخزاك الله يا عدو الله فقال أبو جهل هل فوق رجل قتلتموه وهو مع ما كان من كفره وعناده إلا إنه كان من شجعان العرب ثم قال أبو جهل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخبرني لمن الدائرة اليوم فقام عبد الله بن مسعود ووضع رجله على عنق أبي جهل فقال أبو جهل لقد ارتقيت مرتقا صعبا يا رويعي الغنم قال ابن مسعود فاحتززت رأسه عند ذلك ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا فرعون هذه الأمة فلما رآها قال هل لك في فأنا خير من هذه الأدراع التي معك قال ما رأيتك اليوم قط أما لكم حاجة في اللبن فطرح عبد الرحمن بن عوفن الأدراع وأخذهما يمشي بهما وقال أمية لعبد الرحمن من الرجل منكم المعلم بريشة النعامة في صدره قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه وكان أمية هو الذي يعذب بلالا في مكة فقال بلال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فقال عبد الرحمن بن عوف أي بلال أسيري قال لا نجوت إن نجا ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال عبد الرحمن بن عوف فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط فقلت أنج بنفسك ولا نجاء لك فوالله ما أغني عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما وكان عبد الرحمن بن عوف يقول يرحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري كنوز السيرة نتيجة المعركة استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار أما كفار مكة فقتل منهم سبعون وأسر مثلهم وعامتهم من القادة والزعماء عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في بئر يقال لها بدر ثم مشى صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث وجاء إلى بدر حتى قام على شفة الركا أي على وجه البئر وقال لهم أسماء آبائهم يا فلان بن فلان يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون والمشهور عند أهل العلم أن الميت لا يسمع كلام الحي إلا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إنه ليسمع قرع نعالهم أما بعد ذلك فإنه مشغول بنفسه ويكون سماعهم هنا خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أول من قدم بمصاب قريش رجل يقال له الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له ما وراءك فقال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام أي أبا جهل وأمية بن خلف في رجال من الزعماء سماهم فلما أخذ يعد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو عند الحجر والله إن يعقل هذا فاسألوه عني قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هاهو ذا جالس في الحجر قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا وهكذا تلقت قريش أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر ومن الطرائف أن رجلا يقال له الأسود بن المطلب أصيب ثلاثة من أبنائه يوم بدر وكان يحب أن يبكي عليهم وقريش قد أعلنت بمنع البكاء على القتلى وكان ضرير البصر فسمع ليلا صوت نائحة فبعث غلامه وقال انظر هل أحل النحيب لأنه يريد أن يبكي والبكاء ممنوع حتى لا يذكر الناس بهذه المصيبة قال لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني ابنه فإن جوفي قد احترق فرجع الغلام فقال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته فقال الأسود بن المطلب أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود على بدر سرات بنيه صيص ومخزوم ورهط أبناء أبي الوليد وبكي إن بكيت على عقيل وبكي حارثا أسد الأسود وبكيهم ولا تسمي جميعا وما لأبي حكيمة من نديدي ألا قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا كنوز السيرة وفاة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم قال أسامة بن زيد أتانا الخبر حين سوين التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم خلفني عليها مع عثمان وكانت مريضة عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر وأمر عثمان أن يبقى معها كنوز السيرة أسرى بدر لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة استشار أصحابه في الأسرى فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بن العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكون لنا عضدا قال الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان وذكر قريبا له فأضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنقه حتى يعلم الله تبارك وتعالى أنه ليست في قلوبنا هذا وهؤلاء صناديدهم وآئمتهم وقادتهم فهوى النبي صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فأيذا هما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي من أصحابك من أخذ الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة وأشار إلى شجرة قريبة وأنزل الله جل وعلا ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض أي لكي يثخن في الأرض وأما الكتاب الذي سبق من الله تبارك وتعالى فهو قول الله جل وعلا فإما منا بعد وإما فداء وذلك أن قائد الجيش إذا أسر المشركين فهو مخير بين أربعة أمور أولا أن يقتلهم ثانيا أن يفاديهم بمال أو مقابل أسرى أو ما شابه ذلك ثالثا أن يعفو عنهم بدون مقابل رابعا أن يسترقهم عبيدا عند المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم قبل الفداء من بعضهم ومن على بعضهم صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة فرض صيام رمضان وفي هذه السنة أي الثانية من الهجرة فرض الله تبارك وتعالى صيام رمضان في قول الله جل وعلا فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوم خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ففرض الله تبارك وتعالى الصيام في هذه السنة كنوز السيرة إسلام عمير بن وهب الجمحي رضي الله عنه وبعد هذه الهزيمة المنكرة لقريش في بدر جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر وكان لعمير ولد يقال له وهب وهو ممن أسر في بدر فتذاكر المصيبة التي وقعت لأهل مكة بهذه الهزيمة والله إن في العيش بعدهم خير أي ليس في العيش بعدهم خير وإن هنا هي النافية كما في قول الله تبارك وتعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا أي لن يستطيعوا فقال له عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعد لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فقال صفوان دينك علي أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي ولا يسعني شيء ويعجز عنهم فقال عمير وقد ألزم بما قال فاكتم عني شأني وشأنك قال أفعل ثم أخذ عمير سيفا وانطلق حتى قدم المدينة فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب وهو في نفر من المسلمين فقال عمر هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأدخله علي فأقبل عمير فلببه عمر في حمالة سيفه أي ضمه ضما بحيث إنه لا يستطيع أن يمسك سيفه وقال لرجال من الأنصار ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال أرسله يا عمر أدن يا عمير فقال عمير إنعموا صباحا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أكرمن الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم قال جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الأسير الذي بين أيديكم فأحسنوا فيه فقال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا قال أصدقني ما الذي جئت له قال ما جئت إلا لذلك قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت أنت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك فاستغرب عمير كيف عرف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فقال عمير أشهد أنك رسول الله قال يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي هذا الأمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله الحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثم تشهد شهادة الحق فقال أشهد أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيرة أما صفوان في مكة فكان ينتظر خبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول لأهل مكة أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر قال لهم ما حال عمير حتى جاء ركب فقال لهم ما حال عمير فقالوا أسلم فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يديه أناس كثير سبحان الله خرج كي يقتل النبي صلى الله عليه وسلم وكان ممن عقد معهم المعاهدات بنو قينقاع وكانوا شر الطوائف وأشجعهم وكانوا يسكنون داخل المدينة في حي باسمهم حي بني قينقاع وكانوا يسكنون داخل المدينة في حي باسمهم وكانوا صاغة للذهب وحدادين وصناعا للأواني وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة وهم أول من نكث العهد والميثاق مع النبي صلى الله عليه وسلم أخرج أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر وقدم إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال لهم يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تبارك وتعالى مدافعا عن نبيه صلى الله عليه وسلم قل للذين كثروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقطا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين وقد روى ابن هشام في سيرته عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت إلى السوق بجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى صائغ وعطر في ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي لا تعلم فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك عليها اليهود فصاحت فوثب رجل من المسلمين فقتل الصائغ فقام اليهود وقتل المسلم فاستصرخ أهل المسلم على اليهود فوقع بينهم شر داخل السوق عند ذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة وقال لبابة بن عبد المنذر وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب وسار بجنود الله إلى بني قينقاع ولما رأوه تحصنوا في الحصون داخل حيهم فحاصرهم أشد الحصار صلى الله عليه وسلم في شوال في السنة الثانية من الهجرة واستمر الحصار خمس عشرة ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب وقالوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فكتفوا عندها قام الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعفوا عنهم قال يا محمد أحسن إلى موالي فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فكرر مقالته فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أرسلني ثم قال ويحك أرسلني فقال المنافق لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثة وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غدات واحدة إني والله امرؤ أخشى الدوائر فقال النبي صلى الله عليه وسلم هم لك فوهبهم له ولكن أمرهم أن يخرجوا من المدينة وأن لا يجاوروه فيها فخرجوا إلى الشام كنوز السيرة وكان من أشد اليهود أذى وحقدا على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا اليهودي صار يهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويمدح أعداء النبي ويحرضهم عليه حتى سافر إلى قريش فنزل على المطلب ابن أبي وداعة السهمي وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتل المشركين فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن يهيج أهل مكة للانتقام وهناك سأله أهل مكة أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه وأي الفريقين أهدا سبيلا فقال أنتم أهدا سبيلا وقام وسجد لأصنامهم فأنزل الله جل وعلا ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغون ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدا من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا فقام محمد بن مسلمة فقال أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله قال نعم قال فأذلي أن أقول شيئا قال قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال إن هذا الرجل قد سألنا صدقه وإنه قد عنانا قال كعب والله لتملنه قال محمد بن مسلمة قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين قال كعب نعم ارهنوني قال ابن مسلمة أي شيء تريد قال أرهنوني نساءكم قال كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فترهنوني أبناءكم قال كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكننا نرهنك اللأمة أي السلاح فقال كعب أفعل وكذا فعل أبو نائلة مع كعب بن الأشرف فجاءه ومعهما بعض أصحابهما فقال أبو نائلة فنتحدث بقية ليلتنا قال إن شئتم فقال أبو نائلة ما رأيتك الليلة طيبا أعطر قط وزهي كعب بما سمع فقال له أبو نائلة أتأذن لي أن أشم رأسك قال نعم فأدخل يده في شعره ثم أخذ برأسه وقال دونكم عدو الله فقتلوه غزوة أحد سنة ثلاث للهجرة بعد هذه الأحداث وانتهاء هذه السنة ألا وهي السنة الثانية من الهجرة اجتمع أهل مكة وجمعوا ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش وأخذوا معهم النساء وجهزوا هذا الجيش للانتقام وكانت القيادة لأبي سفيان بن حرب بعد مقتل أبي جهل وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وخرج هذا الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام إلى المدينة يريدون الانتقام لقتلاهم في بدر وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فاستنفر الناس فحمل الناس سلاحهم خوف المباغة لا يتركون السلاح حتى في صلاتهم يخشون من دخول أهل مكة عليهم وكان أهل المدينة من الأنصار كسعد بن معاذ وأوسيد بن حضير وسعد بن عبادة يقومون على حراسة النبي صلى الله عليه وسلم وجمع النبي صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه وأخبرهم برؤيا رآها صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت والله خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الثلمة في سيفه في رجل يصاب من أهل بيته وتأول الدرع بالمدينة ثم قال صلى الله عليه وسلم أرى أن نقاتلهم من المدينة نتحصن في المدينة ونقاتلهم وقاموا بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وإن دخلوا المدينة قاتلناهم من الأزقة ومن فوق البيوت ووافقه على هذا كبار الصحابة وممن وافقهم على ذلك عبد الله بن أبي بن سلول وقام جماعة من شباب الصحابة الذين فاتهم القتال في بدر فقالوا يا رسول الله إنا كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله تبعناه ونحشى أن يظن أن ناجبنا عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس ثم دخل إلى بيته ولبس أدراع القتال صلى الله عليه وسلم وهذا من بذل السبب وكان الناس ينتظرونه صلى الله عليه وسلم حتى يخرج إليهم فقال لهم سعد بن معاذ استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج فردوا الأمر إليه فندموا على ما صنعوا فقالوا له يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت إنما هو رأي رأيناه إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعه حتى يحكم الله فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى القتال وبينما هم في الطريق رجع المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش قائلا لا أتوقع أن يكون قتال وأنزل الله تبارك وتعالى في المنافقين قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ونجح هذا المنافق باستدراج ثلاثمائة رجل من منافق وضعيف إيمان ولكن أكثرهم كانوا من المنافقين وهم بنوا حارثة من الأوس وبنوا سلمة من الخزرج أن يرجعوا كذلك مع عبد الله بن أبي بن سلول ولكن الله ثبتهما وأنزل الله جل وعلا إذ هم الطائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون وبعد أن وصل جيش المؤمنين إلى أحد ووصل جيش الكفار كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن القتال حتى يأمرهم ولبس صلى الله عليه وسلم درعين وحرض أصحابه على القتال وحضهم على الصبر في اللقاء وبث فيهم روح الحماسة صلى الله عليه وسلم ثم رفع سيفه وقال فقام إليه رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة خذه فقال يا رسول الله وما حقه قال أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني قال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه فلما أخذ السيف عصب على رأسه عصابه أي خرقه وجعله يأخذ السيف وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن لأنه يغيظ الأعداء وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان وبدأ القتال وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة العبدري وكان من فرسان قريش يسميه الناس كبش الكتيبة من شجاعته وخرج على جمل يدعو إلى المبارزة فتقدم إليه الزبير بن العوام ووثب إليه وثبت الليث حتى صار معه على جمله ثم اقتحم به الأرض وقام وذبحه رضي الله عنه فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وحواري الزبير كنوز السيرة استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه اشتد القتال بين المسلمين وأهل مكة وقتلوا من أهل مكة كثيرا واستشهد في هذه المعركة عم الرسول صلى الله عليه وسلم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه قتله رجل يقال له وحشي بن حرب ويحدثنا وحشي بن حرب عن قتله لحمزة قال كنت غلاما لجبير بن مطعم وكان عم جبير بن مطعم وهو طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قال لما أخطئ بها شيئا فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبعه ببصري حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل يهد الناس هدا ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريده فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزة فلما رآه حمزة قال له هلم إلي يبن مقطعة البذور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه هنا هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في أحشائه حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وقال لها حتى مات ثم أتيت بعد ذلك فأخذت حربتي ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت والعجيب أن وحشي بن حرب بعد ذلك أسلم وتاب فكان أن وفقه الله تبارك وتعالى إلى قتل مسيلمة الكذاب فيقول قتلت ولي الله وقتلت عدو الله كنوز السيرة من وقائع المعركة اشتد القتال في هذه المعركة العظيمة وأنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده سبحانه وتعالى فكشف المسلمون الكافرين عن المعسكر وكانت الهزيمة على المشركين قال الزبير بن العوام وقال الله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات ما دون أخذهن قليل ولا كثير وفي حديث البراء رضي الله عنه فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل يرفعن سوقهن قد بدت خلا خيلهن فتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم ومن هذا يتبين نصر الله للمسلمين في أول هذه المعركة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الرماة أن لا يتركوا مكانهم أبدا ولكنهم لما رأوا الهزيمة ورأوا النساء تفر والرجال يفرون ظنوا أن المعركة قد انتهت فنزلوا عن أماكنهم وكان عبد الله بن جبير الأنصاري قائد الرماة وردوا عليه بأن القتال قد انتهى ونزلوا عن أماكنهم وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل كان قائدي الفرسان ولم يشارك في هذه المعركة لأنه ما كان لهما دور لأن المسلمين كانوا قد أخذوا الأماكن الصحيحة فلما رأى خالد بن الوليد الرماة قد تركوا مكانهم التف خلف الجبل وصاح في كفار قريش يناديهم فرجع كفار مكة وصار المسلمون في الوسط بين فكي الكماشة فوقع فيهم القتل وفر من فر من المسلمين بعد هذه الفوضى التي رأوها وأن الكفار صاروا يقتلون فيهم قتلا ذريعا لا يتركون أحدا إلا قتلوه ممن طالوه بأيديهم أو بسهامهم فمر أنس بن النظر رضي الله عنه بالمسلمين فقال ما تنتظرون قالوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل في من قتل من المسلمين فقال لهم أنس ما تصنعون بالحياة بعده ومات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال أين يا أبا عمر فقال أنس واهل لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد ثم مضى وقاتل القوم حتى قتل فلم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه وذلك أنه وجد به بضع وثمانون طعنة أو ضربة سيف قال أنس بن مالك أفرد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج رأسه فجعل يمسح الدم صلى الله عليه وسلم ويقول كيف يفلح قوم شجر رأسه وشج وجه نبيهم وأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون كنوز السيرة بطولات في أحد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى شلت يمينه وقال قيس بن أبي حازم رأيت يد طلحة شلا وقابها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن طلحة من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال ذاك اليوم كله لطلحة أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وجنته ودخل المغفر في خده فجاء أبو بكر مع طلحة بن عبيد الله فأراد أبو بكر أن ينزع المغفر عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة فأخذ بفيه أي بفمه فجعل ينضضه أي يحركه يسيرا كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استله بفمه فسقطت ثنيته رضي الله عنه ولما سقطت أسنان أبي عبيدة قال النبي صلى الله عليه وسلم دونكم أخاكم فقد أوجب ما فعل للنبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة رضي الله عنه قال أنس لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يديه وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا نزع فكان يمر عليه الرجل ومعه الجعبة فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم أنثرها لأبي طلحة ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة يرمي ثم يصد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول بأبي أنت وأمي ألا تشرف لا يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك أبو دجانة رضي الله عنه حين قصد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وسلم قام أبو دجانة فترس على النبي صلى الله عليه وسلم بظهره أي احتضن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل ظهره للرمي وقد أنزل الله تبارك وتعالى في هذه المعركة آيات في سورة آل عمران كنوز السيرة بطولات النساء وبطولات النساء تكون خارج المعارك بالصبر والثبات والرضا بقضاء الله وقدره نسيبة بنت كعب عن ضمرة بن سعيد عن جدته وكانت قد شهدت أحدا تسقي الماء قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان وكان يراها تقاتل يومئذ أشد القتال وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا امرأة من بني دينار أصيب في أحد زوجها وآخوها وأبوها فلما قالوا لها مات أبوك قالت ولكن ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا قالت وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وقد استشهد زوجك قالت وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر إليه فأشير إليها أي هناك الرسول صلى الله عليه وسلم فلما رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليتذكر مصيبته في فإنها أعظم المصائب فأعظم مصيبة أصيب بها الناس كلهم هي مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الصحابية رضي الله عنها حققته واقعا مات أبوها وأخوها وزوجها وتقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما ونحن بما أننا لم نر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإظهار حبنا له إنما يكون باتباعه والسير على هديه والدفاع عن سيرته ونشرها بيننا فهذا هو الواجب علينا جميعا قتل من المسلمين سبعون وقتل من المشركين ثمانية وثلاثون أو سبعة وثلاثون على خلاف في الروايات ومن أراد أن يعرف ما دار في هذه المعركة بصورة عامة فعليه أن يقرأ سورة آل عمران من الآية الواحدة والعشرين بعد المئة إلى الآية الرابعة والسبعين بعد المئة فإنها تكلمت عن هذه المعركة بشبه تفصيل وذكرت بعض الحوادث كنوز السيرة هل قتل النبي صلى الله عليه وسلم أحدا؟ لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف من كفار مكة وهو يقول أين محمد؟ لا نجوت إن نجا فقالوا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم دعوه فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطاير عنه الشعر من ظهر البعير ثم استقبله فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارا فحمل وأخذ إلى أهل مكة فقالوا له ما لك؟ فقال قتلني والله محمد فقالوا له ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس فقال إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله قتلني فمات في الطريق وفي مكة قال أبي بن خلف للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد عندي فرس أعلفه كل يوم أقتلك عليه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له بل أنا قاتلك فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وقتل عدو الله أبي بن خلف وبعد إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم توقف المشركون عن القتال وتوقف المسلمون كنوز السيرة في أحد أراد النبي صلى الله عليه وسلم القتال من المدينة في البداية ولكن لما أصر شباب الصحابة على الخروج خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد وتم القتال هناك رجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش فصار عدد المسلمين سبعمائة بعد أن كان ألفا وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرماة ألا يتركوا مكانهم عرض النبي صلى الله عليه وسلم سيفه وأخذه أبو دجانة وتبختر به هزم المشركون في أول المعركة ثم كانت مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ودارت الدائرة بعد ذلك على المسلمين استشهاد حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنس بن النظر وعمر بن الجموح وعبد الله بن عمر بن حرام وغيرهم أصيب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة حتى سقطت رباعيته وشج وجهه محاولة أبي بن خلاف قتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتل النبي صلى الله عليه وسلم له وهذا الوحيد الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم أبويه لسعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه وقال له ارمي فداك أبي وأمي إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد القتال ووقع في المسلمين القتل أراد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وسلم فكان ممن دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم امرأة يقال لها أم عمارة نسيبة بنت كعب قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له مخيريق وهو يهودي أسلم وقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول مخيريق خير يهود كنوز السيرة هل يصلى على الشهيد المشهور عند أهل العلم بل شبه متواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد وإنما كفنهم في ثيابهم إلا من لم يوجد له ثوب فكفن بغيره كمصعب بن عمير وحمزة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم يأتون يوم القيامة الجرح يثعب دماء اللون لون الدم والريح ريح المسك وإن غطيت رجلاه بدى رأسه وأنزل رأسه وصار يبكي أي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه والصحيح في الشهداء أن الصلاة عليهم جائزة وهكذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وإلا بعض الشهداء وأحيانا يترك صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة الدروس المستفادة من معركة أحد ذكر ابن القيم رحمه الله الحكم والغايات والفوائد من تلك المعركة منها أولا تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي ثانيا إن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة في النهاية والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما لدخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز المؤمنين وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة أظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول وعاد التلويح تصريحا وعرف المسلمون أن لهم عدوا في دورهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم ثالثا قال تعالى رابعا إن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرها حتى لا يصيب الإنسان الكبر والعجب بنفسه فيهزم أحيانا وينتصر أحيانا حتى يعرف أن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى خامسا إن الله تبارك وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم فقيض لهم أسباب المحن والابتلاء ليصلوا إليها جهاد ما نال المسلمون الفردوس الأعلى عند الله تبارك وتعالى ولا شفع الشهيد لسبعين من أهله ولا غفر له مع أول قطرة دم تخرج ولا عصم من فتنة القبر ولكن الله يريد أن يرفع درجاتهم فكان الجهاد سادسا إن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله سبحانه وتعالى إليهم سوقا سابعا أراد سبحانه وتعالى إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أداء أوليائه فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين ولا شك أن هناك فوائد أخرى ولكن هذه بعض الفوائد التي ذكرها الإمام بن القيم رحمه الله بعث الرجيع في السنة الرابعة من الهجرة قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم قوم من عضل وقارة وذكروا أن فيهم إسلاما وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم عشرة من أصحابه وأمر عليهم عاصم بن ثابت وقيل أمر منهم فلما وصلوا إلى مكان يقال له الرجيع استصرخوا عليهم حيا منه ذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مئة رام من بني لحيان فلحقوهم وأحاطوا بهم ثم لجأوا إلى مكان يصدهم عن الأعداء فقال لهم أعداؤهم لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجيعا فأبى عاصم أن ينزل وقاتلهم مع أصحابه فقتل منهم سبعة وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فنزلوا إليهم لأنهم أكثر من مئة مقابل خمسة وليس معهم سلاح ولكنهم غدروا بهم وربطوا اثنين بأوتار قسيهم فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر صالحتمونا ثم تربطوننا فأبى أن يستسلم لهم وقاتلهم حتى قتل وأخذوا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما بمكة وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر فأما خبيب فمكث عندهم مسجونا ووقعت له حادثتان الحادثة الأولى ولم يعطه أحد شيئا وإنما هي كرامة من الله سبحانه وتعالى الحادثة الثانية أنه طلب الموسى حتى يحلق الشعر الذي في جسده فأرسلت المرأة التي هو في بيتها الموسى مع ولدها فلما أتاه الولد بالموسى تذكرت المرأة كيف ترسل الموسى مع ولدها وهذا الرجل مقتول وقد يقتل ولدها مقابل نفسه لينتقم فجاءت مسرعة فلما رأى خبيب المرأة وهلعها والولد عنده والموسى معه قال لها أخشيت أن أقتله وتركه ولم يؤذه ثم أخذ خبيب رضي الله عنه إلى التنعيم خارج مكة أي إلى الحل لأنهم كانوا يستحرمون القتل داخل الحرم وهنا يستحلون الغدر فتحريمهم وتحليلهم وليس اتباع دين فلما أجمعوا على صلبه قال دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلى هما فلما قضى قال والله لولا أن تقولوا إنما بي جزع لزدت فصلى صلاة قصيرة وهي ركعتان وقال أهل العلم سنة القتل ركعتان سنها خبيب رضي الله عنه ثم قال خبيب اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبقي منهم أحدا ثم قال أبياتا من الشعر لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعي وقد قربوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنعي إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطمعي وقد خيروني الكفر والموت دونه فقد ذرفت عيناي من غير مدمعي ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعي فالتفت إليه أبو سفيان وقال له يا خبيب أيسرك أن محمدا عندنا تضرب عنقه وأنك في أهلك فماذا كان جواب المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا والله ما يسرني أني في أهلي وفيه يصاب بشوكة تؤذيه ثم صلبوه رضي الله عنه ووكلوا به من يحرس جثته فجاء عمر بن أمية الضمري فاحتمله بالليل خديعة دون أن يراه أحد فذهب به ودفنه ويقال إن الذي باشر قتل خبيب بن عدي هو عقبة بن الحارث قال معاوية رضي الله عنه كنت في من حضر قتل خبيب وقد رأيت أبا سفيان يلقيني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فالطجع زلت عنه الدعوة فكانوا يعتقدون أنه مظلوم وأن دعوته حق وكان كذلك وممن حضر قتل خبيب بن عدي سعيد بن عامر وله معه قصة وذلك أن عمر في خلافته فسأل عمر رضي الله عنه الناس في الشام وقال كيف حال واليكم فقالوا لا ننقم عليه إلا ثلاثة أشياء قال عمر وما هي قالوا في يوم من الأسبوع لا يخرج إلينا والثانية أنه لا يخرج إلينا في الليل والثالثة أحيانا وهو جالس معنا تصيبه غشية ويقع فناداه عمر فقال يا سعيد ما هذا الذي يحدث الناس قال وماذاك يا أمير المؤمنين قال يقولون إنك في يوم من الأسبوع لا تخرج إليهم قال يا أمير المؤمنين هذا اليوم أغسل فيه ثوبي وليس عندي ثوب غيره هل أخرج لهم بدون ثوب فإني أبقى حتى يجف الثوب ثم أخرج إليهم قال إنهم يقولون إنك لا تخرج إليهم في الليل قال يا أمير المؤمنين النهار لهم والليل لربي قال وما هذه الغشية التي تصيبك فبكى وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقتله وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقال يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وجوب التثبت وفي الطريق وقعت حادثة لعمر بن أمية رضي الله عنه وذلك أنه نزل في ظل شجرة فجاءه رجلان من بني كلاب فنزلا معه فلما ناما أخذ السيف وقتلهما كان يظن أنهما ممن شارك في قتل أصحابه رضي الله عنه فلما قتلهما وجد معهما كتابا فيه عنه فقدم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع ديتيهما صلى الله عليه وسلم فجمع من أصحابه وطلب من بن النظير وذلك أن في صلب المعاهدة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يشاركون في الديات فكانت بعد ذلك سببا لغزوة بن النظير ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم تألم جدا لهذه المأساة والتي قبلها الرجيع وصار يدعو على أولئك القوم في الصلاة شهرا كاملا يقنط ويدعو عليهم اللهم عليك برعل وذكوان وعصية فإنها عصت ربها وكان يلعنهم صلى الله عليه وسلم في صلاته حتى أنزل الله تبارك وتعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون فترك النبي صلى الله عليه وسلم القنوة عليهم وذكر عن القتلى أنهم قالوا بلغوا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا ورضي لنا وترك الدعاء على المشركين كنوز السيرة غزوة بن النظير اليهود وإن كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم صلح ومعاهدات إلا أنهم كما هو معلوم أهل غدر وكما ذكرنا من غدر بني قينقاع الآن نذكر غدر بن النظير وبعدهم نذكر غدر بني قريضة حتى يعلم أنهم من عادتهم الغدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم في نثر من أصحابه إلى اليهود وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمر بن أمية فقالوا نفعل يا أبا القاسم اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك فجلس صلى الله عليه وسلم إلى جانب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بعض أصحابه منهم أبو بكر وعمر فاجتمع اليهود وقالوا اقتلوه هذه فرصتكم فاتفقوا على أن يصعد أحدهم إلى أعلى البيت القريب من الرسول صلى الله عليه وسلم ويلقي عليه حجرا فيقتله فقام رجل يقال له عمر بن جحاش فقال أنا أفعلها فقال سلام بن مشكم فوالله ليخبرن بما همم وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه فقالوا دعنا عنك فنزل جبريل من عند رب العالمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمه بما هموا به فقام صلى الله عليه وسلم مسرعا من مكانه وذهب إلى المدينة ولحقه أصحابه وقالوا له يا رسول الله نهضت بدون أن تعلمنا السبب فأخبرهم أن اليهود قد عزموا على قتله صلى الله عليه وسلم فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة إلى بن النظير يقول لهم أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرة أي عشرة أيام فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ولم يجد اليهود مناصا من الخروج فأجهزون للرحيل ولكن عبد الله بن أبي بن سلول بعث إليهم وقال لماذا تخرجون أثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريضة وينصركم حلفاؤكم من غطفان فلماذا تخافون من محمد أثبتوا فأعاد إليهم ثقته فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لن نخرج فاصنع ما شئت فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم جواب سيدهم حجي بن أخطب كبر صلى الله عليه وسلم وكبر أصحابه ثم نهض صلوات الله وسلامه عليه لمناجزة القوم وجعل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وجعل اللواء مع علي بن أبي طالب وفرض عليهم الحصار ثم أمر بقطع النخيل فقالوا محمد يفسد في الأرض فقال الله تبارك وتعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله فلما رأوا حصار النبي صلى الله عليه وسلم اعتزلتهم قريضة وقالوا لا شأن لنا بيننا وبين محمد عهد واعتزلهم عبد الله بن أبي بن سلول وخانتهم غطفان وظلوا وحدهم قال الله تبارك وتعالى ولم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين قال عبد الله بن عباس إن سورة الحشر نزلت فيهم ولم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون فامتنعوا عن نصرهم وخذلوهم وخذلتهم غطفان فقال الله تبارك وتعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال إني بريء منك قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ولم يطل الحصار فقط ست ليال وقيل أكثر من ذلك فقذف الله تبارك وتعالى في قلوبهم الرعب فقالوا يا محمد نخرج من المدينة بشرط أن يخرج معنا ذرارينا وما حملت إبلنا من السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا السلاح لكم ما حملت الإبل إلا السلاح فنزلوا على رأي النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يخربون بيوتهم حتى لا يسكنها المسلمون وأخذ بعضهم الشبابيك والأوتاد وغيرها معهم ورحل أكثرهم كحيي وسلام ابن أبي الحقيق إلى خيبر وقبض النبي صلى الله عليه وسلم سلاحهم واستولى على أرضهم فوجد من السلاح خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا كنوز السيرة غزوة الأحزاب سنة أربع للهجرة وكانت في آخر السنة الرابعة وقيل في بداية السنة الخامسة وسبب الغزوة أنه خرج عشرون رجلا من بني قريضة ومعهم آخرون من بني النظير إلى مكة وأخذوا يحرضون أهل مكة على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون نحن معكم ننصركم من الداخل ومن الخارج وذهبوا إلى غطفان وقالوا أنصروا قريضة وذهبوا إلى قبائل العرب يحرضونهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت قريش وكنانة وخرج غطفان واليهود وتجمعوا حول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف واتفقوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا مع غطفان وكنانة واليهود تحالفوا عليه استشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه أن يحفر خندقا وقال هكذا كان يفعل الفرس إذا تضايقوا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة من جهة الشمال لأن الجهات الأخرى كلها محصورة بالجبال فلا يستطيع أحد أن يأتي منها فصاروا يحفرون بجد ونشاط والرسول صلى الله عليه وسلم يشاركهم قال سهل بن سعد رضي الله عنه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على ظهورنا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار وفي رواية فأكرم الأنصار والمهاجرة وعن أنس رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غدات باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال صلى الله عليه وسلم اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين فقالوا له نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ود متبادل بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعن البراء قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهي شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجوع ومن شدة الشكوى رفعنا القمص عن بطوننا نرى النبي صلى الله عليه وسلم أننا نربط الحجر على بطوننا من شدة الجوع فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه وإذا هو قد ربط حجرين وهكذا يطمئن الناس إذا كان قائدهم مثل النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بشعورهم يجوع كما يجوعون ويعتش كما يعتشون ويعمل كما يعملون ويهتم كما يهتمون لا يكون في برج عاجي بعيد عن الناس وإنما يشاركهم ويخالطهم فإذا رأوا ذلك علموا أنهم ليسوا فقط الذين يعملون فهذا قائدهم معهم يشاركهم فهو أكثر منهم صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة آية بينة قال جابر كنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة ما استطعنا تكسيرها فجئنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله هذه كدية عرضت في الخندق ما نستطيع عليها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر وكنا قد مضت علينا ثلاثة أيام لم نذق طعاما فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضربه فعاد كثيبا أهيل أو أهيم وقال البراء لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول فقال بسم الله ثم ضرب ضربه ثم قال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع من الصخرة وقال الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني فاستبشر الصحابة رضي الله عنهم لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق فهذه ليست أول مرة يرون فيها آية على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة حصار المدينة لما جاءت قريش بجيشها وحلفائها وحاصروا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم رآهم المؤمنون فقالوا كما ذكر الله تبارك وتعالى عنهم ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما أما المنافقون داخل المدينة فقالوا بعكس قول المؤمنين ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا فهذان موقفان موقف المؤمنين وصدق الله ورسوله وموقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا في مثل هذه المواقف الجوع شديد حصار عشرة آلاف قلة داخل المدينة ويظهر المعادن ويظهر المؤمن ويظهر المنافق ثم بدأ القتال فصاروا يترامون ووجد المشركون ثغرة فأرادوا أن يدخلوا منها فخرج إليهم جمع من المسلمين بقيادة علي بن أبي طالب وسدوا عليهم الثغرة فطلبوا المبارزة فقام عمر بن ود أو ابن عبد ود على خلاف في اسمه وكان من الشجعان فقال من يبارزني وكان قد جاوز المئة من عمره على المشهور فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له يا عمر إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى أحد خلتين إلا أخذتها منه قال أجل قال علي فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإني أدعوك إلى النزال فقال يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك قال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمر ونزل عن فرسه فتنازلا فقتله علي وكان قد قال عمر ولقد بححت من النداء لجمعهم هل من مبارزين قال علي وقفت إذ جبنا المشجع موقف القرن المناجز ولذاك إني لم ألو متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتاة والجود من خير الغرائز فرد عليه علي لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز في نية وبصيرة والصدق منجى كل فائز فقال علي عليك نائحة الجنائز من ضربة النجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز ثم صارت مرامات بين المسلمين والمشركين لأنهم لا يستطيعون أن يتجاوزوا الخندق ورمي سعد بن معاذ رضي الله عنه وأصيب أكحله فقال بعد المعركة اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه وهنا يظهر بغضه لقريش أكثر من غيرهم لأنهم آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم وطردوه وحاولوا قتله وألبوا الناس عليه فحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وبغضهم مرتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم وبدين الله تبارك وتعالى أن يكون حبه وبغضه لله ثم قال اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها ثم قال ولكن لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريضة وهم خانوا الله وخانوا رسوله صلى الله عليه وسلم وهم القسم الثالث من اليهود كنوز السيرة خيانة يهود بني قريضة جاء رجل من بني النظير إلى كعب بن أسد سيد بني قريضة فقال له حيي بن أخطب على الباب فقال كعب أغلقه دونه لا أريد أن أراه وما زال يكلمه حتى أذن له ففتح له الباب فقال حيي إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طامي جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقم إلى جانب أحد وقالتني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد إهراق ماءه أي قد جئتني بوجه ليس فيه حياة ثم قال ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فقال حيي ويحك فرصتنا وما زال معه حتى قال له نعم آتي محمدا من الداخل ورضي عندئذ بالغدر ودخل في الحرب ضد المسلمين ولما أحس النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر أرسل أحد أصحابه حتى يتثبت لأن التثبت مطلوب فقد يكون الخبر كذبا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير وقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس لأن الناس قد يصيبهم نوع من الإحباط واليأس حصار من الخارج وغدر من الداخل فتفت هذه الأمور في أعضادهم وإن كانوا على العهد فصيحوا بها فقولوا هم على العهد يا رسول الله حتى يطمئن الناس فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا من رسول الله هذا لا عهد بيننا وبين محمد وقالوا بينهم بصوت مرتفع يسمعون الناس فانصرف هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم فلما أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله عضل وقارة ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون غدر الرجيع فاهتم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر وما قال الله تبارك وتعالى ولتعرفنهم في لحن القول فقال بعضهم لبعض إن محمدا يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه حين يذهب إلى الغائط وبعضهم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن بيوتنا عورة أي خارج المدينة ونريد أن نذهب إليها قال الله ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه تقنع بثوبه فترة ثم رفع رأسه وقال الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره ثم قام صلى الله عليه وسلم يثبت الناس كنوز السيرة موقف شجاع وأراد صلى الله عليه وسلم أن يصالح فزارة وغطفان وغيرهما فقال لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وكان سيدي الأوس والخزرج ما تقولان نعطي غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا لأن غطفان تمثل أربعة آلاف من عشرة آلاف وقريش أربعة آلاف وبقية القبائل الذين جاءوا مع قريش يمثلون ألفين فقال يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعا وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك ووالله يا رسول الله لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا ببيع أو قرى فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام أفحين أن أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا لا والله يا رسول الله لا نعطيهم إلا السيف وهذه شجاعة نادرة يحاصرون بعشرة آلاف وهم قلة ويستطيعون خلال هذا الاتفاق أن يصرفوا عنهم أربعة آلاف ولكنهم يأبون فصوب الرسول صلى الله عليه وسلم رأيهما وقال والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة كنوز السيرة الحرب خدعة وقال يا رسول الله إني أسلمت وأريد أن أقاتل معك فقال هل علم أحد بإسلامك قال لا قال فخذل عنا ما استطعت فقال نعم فذهب نعيم بن مسعود لبني قريضة من الداخل فقال لهم يا قوم إن قريشا قوم غدر وإنهم إذا انتصروا على محمد وأخذوا ما يريدون خرجوا وتركوكم ثم ينتقم منكم أهل المدينة قالوا لا سيقفون معنا وعاهدونا عن طريق حيي بن أخطب قال أنا لا أرى إلا أن تأخذوا منهم فدية تضمنون بها حقكم قالوا وما هي قال أطلبوا منهم أن يعطوكم عشرة من أولادهم حتى إذا غدروا قتلتموه ولن يغدروا خوفا على أولادهم قالوا فكرة صائبة ثم ذهب إلى قريش وقال لهم إنكم تعلمون أن اليهود قوم غدر وإنهم سيغدرون بكم قالوا كيف قال سمعتهم يتكلمون يقولون إننا سنأخذ عشرة من قريش ونعطيهم لمحمد لنثبت له حسن نوايانا وأننا صادقون وأننا معه فالتقت قريش مع اليهود فقالت اليهود لقريش أعطونا عشرة من أولادكم حتى نضمن حقنا فقالت قريش في أنفسها نعم يريدون العشرة ليسلموهم لمحمد فقالوا لا لن يكون هذا قالت اليهود في أنفسها نعم قريش تريد أن تغدر بنا ولذلك لا تعلمون ففت الله تبارك وتعالى ما كان بينهم من عهد ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عند ذلك خذلت قريضة قريشا وخذلت قريش قريضة واستمر الحصار ثم أرسل الله تبارك وتعالى جنودا من عنده عبارة عن ريح عظيمة أرسلها الله تبارك وتعالى عليهم فتركوا أماكنهم ورجعوا إلى قريش ورجعوا إلى بلادهم خائبين كنوز السيرة تأخير صلاة العصر شغل صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر كما شغل أخوه سليمان صلى الله عليه وسلم بالخيل حتى غابت الشمس فالنبي صلى الله عليه وسلم شغل بجيش مكة ومن جاء معهم حتى غابت الشمس فقال صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم كنوز السيرة حذيفة رضي الله عنه وليلة الأحزاب قال حذيفة رضي الله عنه رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا ولم يجبه منا أحد ثم قال ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فقال قم يا حذيفة فأتني بخبر القوم قال اذهب وأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ما أشعر بالبرد وهذا تثبيت من الله عز وجل قال حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس وأردت أن أرميه فتذكرت أنه كان يأتي قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته سبحان الله فالله أراد لأبي سفيان أن يسلم ويسلم قال فرجعت وأنا أمشي أيضا في مثل الحمام فلما أتيت أخبرته بخبرهم فلما فرغت قررت أي برت فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نومان كنوز السيرة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على الأحزاب وهنا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزمهم وزلزلهم فبعث الله عليهم جندا من جنده وهي ريح باردة أطفأت نارهم وقلعت خيامهم وقلبت قدورهم برد وجوع وخوف والله على كل شيء قدير وتفرق شملهم وأعلن أبو سفيان الهزيمة على استحياء وأمر قريشا بالرحيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده كنوز السيرة إجلاء بني قريضة جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوضعتم السلاح فقال نعم قال جبريل أما نحن فلم نضع أسلحتنا بعد انهد إلى القوم يأمرك الله بهذا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس وقال لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريضة فخرج المسلمون استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريضة وعجلهم وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب استخلف ابن أم مكتوم على المدينة وجاء حتى نزل عند حصون بني قريضة وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد فقال إما أن تسلموا وتدخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه وإما أن تقتلوا ذراريكم وتخرجوا وتقاتلوا حتى تقتلوا عن آخركم وقال الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم السبت حين يأمن المسلمون شركم فرفضوها كلها فقال لهم والله إنكم حمر ولا شيء تقبلونه فخرج عند ذلك أحدهم وقال يا رسول الله ننزل على حكم سعد بن معاذ وذلك أن عبد الله بن أبي بن سلول كما مر سابقا شفع في بني قينقاع فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم له فهؤلاء أرادوا حكم سعد بن معاذ لأنه كان حليفا لهم في الجاهلية فقالوا لعله يدافع عنا كما دافع عبد الله بن أبي بن سلول عن بني قينقاع وما علم الفرق بين عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وبين سعد بن معاذ من رؤوس المتقين رضي الله عنه وقالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ كما نزل إخواننا على حكم عبد الله بن أبي بن سلول فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد بن معاذ أن يؤتى به وكان قد أصيب في أكحله رضي الله عنه فلما جاء قال النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم أي سعد بن معاذ رضي الله عنه وأنزلوه من على الحمار الذي جاء به فقال النبي صلى الله عليه وسلم أحكم في مواليك فصاروا يصيحون به أحسن أبا عمر في مواليك كما أحسن غيرك فقال سعد بن معاذ آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فقال إن حكمي فيهم أن يقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل رجالهم وسب يذراريهم ونسائهم كنوز السيرة غزوة بن المصطلق سنة ست للهجرة وتسمى غزوة المريسيع وكانت في السنة السادسة وقيل آخر السنة الرابعة من الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن رئيس بن المصطلق الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بريدة بن الحصيب للتحقق من الأمر فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قاصدون لقتاله فلما تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من صحة الخبر ندب الصحابة وأمرهم بالخروج وخرج معه جماعة من المنافقين وذلك أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فلما سمع الحارث بن أبي ضرار بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف خوفا شديدا وتفرق عنه من كان معه من العرب فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع وهو ماء لخزاعة وراية المهاجرين كانت مع أبي بكر الصديق وراية الأنصار كانت مع سعد بن عبادة قال ابن القيم رحمه الله ولم يكن بينهم قتال وإنما أغار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم على الماء ولم يكن بينهم مقاتليهم فسبا ذراريهم وأخذ أموالهم كما جاء في صحيح البخاري أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وكان من جملة السبي في هذه الغزوة جويرية بنت الحارث سيد قومه وكانت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها والمكاتبة هي أن يقول لها أن تعطيني شيئا من المال مثل مئة دينار أو مئتين حسب ما يتفق وإياها عليه فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أدى عنها ثم تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي حرة ولما سمع المسلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج بجويرية أعتقوا من كان معهم من ذراري وسبي بني خزاعة وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقعت حادثتان من رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول في تلك الغزوة كنوز السيرة ليخرجن الأعز منها الأذل كان مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجير يقال له جهجاه الغفاري فازدحم جهجاه مع سنان بن وبرن الغفاري فالجهني على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني قائلا يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه قائلا يا معشر المهاجرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي دعو الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول بذلك قال أو قد فعلوها وكاثرونا في بلادنا والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضره فقال لهم هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم لتحولوا إلى غير دياركم وسمع زيد بن أرقم رضي الله عنه هذا الكلام وكان شابا صغيرا فذهب إلى عمه فأخبره فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عنده عمر رضي الله عنه فقال عمر يا رسول الله مر عباد بن بشر فليقتله فقال الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يا عمر إذا تحدث الناس إن محمدا يقتل أصحابه ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم فلما ارتحل الناس جاء أسيد بن حضير رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم أما بلغك ما قال صاحبكم فقال وما قال فقال الرسول صلى الله عليه وسلم زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال أسيد بن حضير فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت هو والله الذليل وأنت والله العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به والله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكه ثم مشى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أصبح وصدر يومه ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس ووقعوا نياما وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريدهم أن يتكلموا بهذا الأمر فأتعبهم في المشي حتى إذا وصلوا ناموا فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحلف وقال والله يا رسول الله ما قلت وإنما كذب علي زيد وقال من حضر من الأنصار يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل فصدقه قال زيد بن أرقم فأصابني هم لم يصبني مثله قط لأنه يتهم بالكذب أو بعدم الفهم يقول فجلست في بيتي من الحزن فأنزل الله جل وعلا إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز من الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون هنا بيّن الله تبارك وتعالى أن زيدا لم يكذب رضي الله عنه وإنما صدق بما قال وأن عبد الله بن أبي بن سلول كاذب في مدعاه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد فقرأها عليه ثم قال له إن الله قد صدقك وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رجلا صالحا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه أن والده قال هذا الكلام عن رسول الله وأصحابه فوقف في وجه والده عند دخوله المدينة وقال له أأنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة إن الأعز منها الأذل تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالله لرسول الله هو الأعز وأنت الأذل فحمية العقيدة طغت على حمية الولادة ثم قال والله لا تدخل إلى المدينة إلا وأنا قاتلك أو يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركه ودخل إلى المدينة وفي رواية أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أن والدي قال كيت وكيت فإن أردت قتله فدعني أنا أقتله فإني أخشى أن أرى قاتل والدي فلا أصبر كنوز السيرة حادثة الإفك الإفك عظيم الكذب والافتراض قال الإمام الزهري رحمه الله حدثني عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فقمت حين آذنوا بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فلتحاول كل امرأة أن تضع نفسها أو ابنتها مكان عائشة رضي الله عنها فتاة صغيرة في ليل مظلم وحدها وكان مغفر والناس كلهم قد ذهبوا تقول عائشة رضي الله عنها فأممت منزل الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني ويرجعون إلي وهذا من فطنتها وذكائها رضي الله عنها ولو كان غيرها من النساء لصاحت وصارت تركض يمينا ويسارا شرقا وغربا تبحث عن أهلها ولكن عائشة رضي الله عنها فمال عقلها جلست في مكانها لأنها علمت أنها لو خرجت خلفهم ستضيع تقول فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وهذا يدل على أمرين اثنين الأول شجاعة عائشة رضي الله عنها الثاني رعاية الله لها وذلك أن الله تبارك وتعالى ألقى عليها النوم وفيما سيأتي إليها من حيوانات أو أناس أو غير ذلك قالت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي والغريب في هذا الرجل رضي الله عنه أنه كان هو وقبيلته كلهم معروفين بكثرة النوم حتى إنه جاء في حديث فأجتكيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقول يا رسول الله إن صفوان لا يصل الفجر فناداه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قال يا رسول الله إنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس فالقصد أن صفوان بن المعطل كان متأخرا عن الجيش ولعله بسبب النوم وسار على طريقهم فوجد عائشة رضي الله عنها نائمة في مكانها تقول عائشة فرأى سواد إنسان نائم من بعيد فأتاني فعرفني حين رآني لأنها لما كانت نائمة كان وجهها مكشوفا تقول وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطأ على يديها فركبتها فانطلق يقود بالراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فوصلنا إليهم فهلك من هلك تقصد أن الناس تكلموا في عرضها لما رأوها قادمة مع صفوان لوحدها فتكلم فيها من تكلم من المنافقين حتى إنه نقل فيما نقل من كلامهم كلام عبد الله بن أبي بن سلول أنه قال والله ما جاء إلا بعد أن فجر بها وفجرت به والعياذ بالله فلعنة الله عليه قالت فقدمن المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك فأنا أعرف بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ويقول كيفتيكم ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مات ومرضت عائشة يلاطفها ويسليها كما في الحديث المشهور لما قالت عائشة رضي الله عنها وارأساه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أنا وارأساه وما ضرك يا عائشة لو مت لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك وهي أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أحب الناس إليك قال عائشة قال ومن الرجال قال أبوها قالت عائشة حتى خرجت بعدما نقهت معي أم مصطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلة وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول بالتبرز قبل المناصع فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مصطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق فأقبلت أنا وأم مصطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا فعثرت أم مصطح في مرطها فقالت تعسى مصطح فقلت لها بئس ما قلتي أتسبين رجلا شهد بدرا فقالت يا هنتاه أولم تسمعي ما قال قالت عائشة وما قال قالت عائشة فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي لك أخيتي أن تتصوري نفسك وقد اتهمت في عرضك كيف تكون حياتك وكيف تنعمين وأعز ما عند المرأة قد تتهم بكذب أو بسرقة أو بغيبة أو بربى أو بتبرج لكن أن يصل الأمر إلى العرض فهذا أخطر شيء تصاب به المرأة قالت فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم ثم قال كيف تيكم أي لم يتغير من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم شيء ولكن الذي تغير أن عائشة علمت السبب الآن عرفت لماذا تغير حال الرسول صلى الله عليه وسلم معها فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي قال صلى الله عليه وسلم نعم قالت عائشة وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس فقالت يا بني هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأوسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستعمرهما في فراق أهله وهذه الفترة يذكر أنها استمرت أكثر من شهر والناس يتكلمون في عائشة ويخوضون فيها والوحي منقطع والرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري حقيقة الأمر ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب أما علي رضي الله عنه فهو زوج ابنته وابن عمه وأقرب الناس إليه من حيث النسب وأما أسامة فهو قد تربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه فلذلك استشارهما النبي صلى الله عليه وسلم لقربهما من بيته ولمعرفتهما بعائشة رضي الله عنهم أما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك أسامة رضي الله عنه نظر في صالح عائشة ولذلك برأها وأما علي فنظر إلى صالح النبي صلى الله عليه وسلم والهم الذي ركبه من هذه القضية فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة خادمة عائشة فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يا معشر المسلمين إن يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا يريد صفوان بن المعطل ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذن الأنصاري وهو سيد الأوس فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه وربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك أما سعد بن عباده وهو سيد الخزرج فقد احتملته الحمية فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وهو من الأوس فقال لسعد بن عباده كذبت لعمر الله فإنك منافق تجادل عن المنافقين أي إن هذا التصرف منك تصرف المنافقين وهذا يبين لنا أنه يجوز إطلاق كلمة المنافق على من تصرف تصرفات المنافقين أي في هذه الصفة وهذا يسمى النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي تقول عائشة فتساور الحيان وفي رواية أخرى تساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت وترك أمر عبد الله بن أبي بن سلول قالت عائشة فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وقد كنت بكيت ليلتين ويوما يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فجلست تبكي معي وهذا مما يهون على صاحب المصيبة ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكين مثل أخي ولكن أعز النفس عنه بالتسلي قالت عائشة رضي الله عنها فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفر الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قال صدمعي حيث أرسلتني حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم موقف عجيب فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ثم تحولت فاتجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر منه من أن يتكلم الله فيي بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات منه من ثقل القول الذي ينزل عليه قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا قالت فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك فقالت أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل فأنزل الله تبارك وتعالى وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون وليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتمه قلتم إما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمرهم بالبحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم فلما أنزل الله قرآنا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مصطح لقراءته منه وفقره والله لا أنفق على مصطح شيئا أبدا فأنزل الله جل وعلا إن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكر بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى النفقة وهذا يدل على أنهم كانوا وقافين مع كتاب الله الدروس المستفادة من حادثة الإفك في قول الله تبارك وتعالى تتهم عائشة في عرضها والرسول صلى الله عليه وسلم يتهم في عرضه ويحزن صلى الله عليه وسلم ويبقون شهرا كاملا ويتكلم الناس فيها ويفرح المنافقون بهذا فأين الخير هنا ذكر أهل العلم أمورا كثيرة ظهرت فيها الخير وخيرية في هذه القضية منها أولا الابتلاء حيث ابتلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما ابتلى عائشة وابتلى صفوان بن المعطل فخرجوا من البلاء كالذهب الخالص والابتلاء ثمراته طيبة لأن فيه رفع درجات ثانيا تنقية الصفوف فلو لم تحدث هذه الحادثة لما تميز المؤمنون من المنافقين فمثل هذه الحوادث يظهر فيها المنافقون رؤوسهم ويتكلمون ويظهرون تبجحهم وهزأهم وسخريتهم بالمؤمنين ثالثا فضل عائشة رضي الله عنها ومحبة الله لها حيث أنزل فيها قرآنا يتلى رابعا مدافعة الله تبارك وتعالى عن عباده المؤمنين فقال في الحديث القدسي من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب فظهر من هذه القصة أن عائشة رضي الله عنها من أولياء الله تبارك وتعالى فلذلك دافع الله عنها سبحانه وتعالى وهذا يعطي الولي التقي اطمئنانا أن الله سبحانه وتعالى سيدافع عنه ولذلك قالت عائشة فلجأت إلى الله فما خيبها ربها سبحانه وتعالى خامسا إظهار حكم شرعي في قوله جل وعلا لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون وما كان سيظهر هذا الحكم لولا أن وقعت هذه الحادثة فإذا حدثت حوادث أخرى فإننا سنعرف كيف نتعامل معها سادسا وضع القواعد العامة لمثل هذه القضايا مثل أن الأصل في المسلم العدالة والأصل فيه أنه بريء حتى تثبت التهمة فهذه القواعد العامة ما كنا لنعرفها لولا أن وقعت هذه الحادثة سابعا فضح المنافقين وتعريتهم أمام المؤمنين ثامنا فضل صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأن الله تبارك وتعالى دافع عنه كما دافع عن عائشة رضي الله عنها تاسعا بيان حكم القذف وهنا مسائل ذكرها ابن القيم رحمه الله وهي عبارة عن فوائد طيبة جدا ذكرها في كتابه زاد المعاد أولا فإن قيل فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به وهل لا قال سبحانك هذا بهتان عظيم كما قاله فضلاء الصحابة والجواب أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعلت هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاءا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس الوحي عن الرسول صلى الله عليه وسلم شهرا في شأنها ويوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها لما قالت أشكو بثي وحزني إلى الله والافتقار إلى الله والذل إليه وحسن الظن به والرجاء له ولينقطع رجاؤها من المخلوقين وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي وأيضا فكان من حكمة حبس الوحي شهرا أن القضية محصت وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحي الله إلى رسوله فيها وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع فواف الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون فورد الوحي عليه مرود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه فوقع منهم أعظم موقع وألطفه وسروا به أتم السرور وحصل لهم غاية الهناء بهذا الوحي فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الوحي هذه الحكم أضعافها بل أضعاف أضعافها ثانيا إن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه جل وعلا الدفاع والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم وبأمر لا يكون له فيه عمل ثالثا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه فهذا لا يكفي أو ظنه الظن المقاربة للعلم ببراءتها ولا يظن بها سوءا قط وحاشاه وحاشاها ولذلك لما استعدر من أهل الإفك قال من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت في أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فكان عنده صلى الله عليه وسلم من القراء التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه وثقته به وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظمه وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه رابعا من تأمل قول الصديقة لما قال لها أبواها قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله من نظر إلى قولها ذلك وتأمله علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها لربها وإفراده بالحمد في ذلك المقام وتجريدها التوحيد وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له وثقتها بمحبة رسول الله لها قالت ما قالت إدلالا لحبيب على حبيبه ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال فوضعته موضعه والله ما كان أحبها إليه حين قالت لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي ولله ذلك الثبات والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا ثم صادفت منه الرضا والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له وهذا غاية الثبات والقوة كنوز السيرة موقف إيماني بقي أن نعرف أن بعض المؤمنين كأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قالت لهم رأته يا أبا أيوب هل سمعت ما قال الناس في عائشة فالتفت إليها وقال يا أم أيوب ما أفعلينه أنت قالت لا ما أفعله قال والله لعائشة خير منك وفيهما نزل قوله تعالى لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا فهي أم المؤمنين وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه عنه وعنها والطيبات للطيبات اختارها الله للرسول صلى الله عليه وسلم أتفعله لا والله ما تفعله أبدا كنوز السيرة حكم من يتهم عائشة بالزنا وبعد هذا كله من يتكلم في عائشة الآن بعد أن برأها الله تبارك وتعالى واتهمها بالزنا فلا شك أنه كافر خارج من ملة الإسلام لأنه مكذب لله جل وعلا بل على الصحيح من أقوال أهل العلم كل من اتهم أي زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا فإنه كافر لأنه مكذب لقول الله تبارك وتعالى والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات عمرة الحديبية سنة ست للهجرة أري الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام وهو في المدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام وأنهم طافوا واعتمروا وحلق بعضهم وقصر آخرون فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ففرحوا فرحا شديدا إلى بيت الله تبارك وتعالى فأمر الصحابة بالتجهز فتجهزوا ليخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم واستنفر صلى الله عليه وسلم العرب ومن حولهم من البوادي ليخرجوا معه فأبطأ كثير من الأعراب واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وخرج منها كما هو مشهور في يوم الاثنين في أول ذي القعدة وكان قد أخذ من نسائه في تلك السفرة أم سلمة ولم يأخذ معه سلاحا صلى الله عليه وسلم إلا سلاح المسافر إذ لم يكن خروجه صلى الله عليه وسلم لقتال وإنما خرج للعمرة ووصل صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية والحديبية تقع غرب مكة على بعد 22 كيلو مترا على الطريق إلى جدة وقد تغير اسمها اليوم إلى منطقة الشميسي واختلف أهل العلم هل هي من الحل أم من الحرم وذهب بعضهم إلى أنها جمعت بين الحل والحرم وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قال صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين يقول الراوي فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فتفاجأ أهل مكة بالغبار يرونه من بعيد وصار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل وهذه كلمة تقال للناقة إذا أرادوها أن تمشي فألحت فقالوا خلأت القصواء والقصواء هي ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه سنة غابت عن الكثيرين في هذا الزمان وهي أن يسمي الإنسان دابته وبعض حاجياته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل وحابس الفيل هو لما أراد أبرهة أن يهدم الكعبة وكان قد جاء معه بالفيلة ويترأس الفيلة فيل عظيم يقال له محمود فكانوا إذا أرادوه إلى طريق مكة امتنع عليهم وبرك فإذا أرادوه إلى غير ذلك الطريق قام مسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل حبس القصواء حابس الفيل وهي رحمة الله تبارك وتعالى بهذا البيت وأهل هذا المكان قال والذي نفسي بيده ويسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته فوالله ما زال يجيش لهم بري حتى صدروا عنه وهذه آية وعلامة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أنه مبعوث من رب العزة تبارك وتعالى فبينما هم كذلك إذ جاء أبو ديل بن ورقاء الخزاعي في نثر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال أبو ديل بن ورقاء إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافين وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن ناجئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم وما ددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا دماءهم وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره قال أبو ديل سأبلغهم ما تقول وقالوا حتى أتى قريشا قال إنا جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال أي قومي ألستم بالوالد قالوا بلى قال أولست بالولد قالوا بلى قال فهل تتهمونني قالوا لا قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي أي امتنعوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني قالوا بلى قال فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته قالوا اته فآتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر أمصص بذر اللات أنحن نفر عنه وندعه وأبو بكر هنا سب عروة بن مسعود فقال عروة بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم من ذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبو بكر قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وذلك أن عروة بن مسعود كانت عليه دية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فساعده أبو بكر في ديته تلك وفي بعض الروايات أنه قال له ولكن هذه بتلك قال الراوي وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم معه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المغيرة يد عروة بنعل السيف وقال له أخر يدك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعروة كان رجلا معظما في قومه ولما أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يعنون به عروة بن مسعود فرفع عروة رأسه فقال من هذا فقال له المغيرة بن شعبة فقال له عروة أي غدر ألست أسعى في غدرتك وكان المغيرة صاحب قوما في الجاهلية فغدر بهم وقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء فيذكر أن عروة بن مسعود دفع المال بدل المغيرة ودفع الديات عنه لأنه ثقفي والمغيرة ثقفي ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامه إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمره مبتدروا وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وعن عمر بن العاص رضي الله عنه أنه قال قبل أن أسلم كان محمد أبغض خلق الله إلي فلما أسلمت كان والله أحب خلق الله إلي والله ما كنت أشبع منه نظرا إجلالا له صلى الله عليه وسلم حتى لو قيل لي صفه ما استطعت قال المسور فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك والله إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمره مبتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له هذه الأمور التي رآها عروة بن مسعود من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلوا ذلك لأمر ألا وهو أنه قال عروة بن مسعود أول ما جاء هؤلاء أشواب من الناس سينصرفون عنك وليسوا بفرسان وسيتركونك تقتل ولم يكن من عادتهم أنه إذا بصق يأخذون نخامته في المدينة أبدا ما نقل هذا إلا هنا وكذلك اقتتالهم على وضوئه أما بقية الأمور كخفض الصوت وعدم حد النظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وابتدار الأمر فهذا في كل مكان وزمان فقال رجل من بني كنانة يقال له الحليس وهو من الأحابيش قال دعوني آته قال اته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت وهذا يبين لنا أن لكل مقام مقالة وأن الهدية ليس خاصا بالحج بل حتى العمرة فيها هدي وتقليدها هو وضع علامة على الإبل يعرف منها من يراها أنها هدي سيقدم لله جل وعلا وأما الإشعار فهو جرح السنام ليخرج منه الدم ويسيل على جسد البعير وهذا وإن كان في ظاهره إيذاء للحيوان إلا أن له مصالح كثيرة منها أنه عندما يراه الرائي من بعيد يعرف إنه قدم هديا لله جل وعلا وإذا فقد فوجده أحدهم عرف أنه هدي وغير ذلك كنوز السيرة صلح الحديبية سنة ست للهجرة لما رجع الأحابيش قام رجل من قريش اسمه مكرز بن حفص فقال دعوني آته وهذا يبين لنا أن قريشا خائفة من الحرب وقالوا أنه يرسلون رجلا لكي يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل مكرز يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمر فلما جاء سهيل بن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم قد سهل لكم من أمركم وهذا من باب التفاؤل بالأسماء الحسنة فبنى النبي صلى الله عليه وسلم سهالة الأمر على مقدمتين الأولى ما كان يعرفه من سهيل والثانية اسم سهيل من السهولة فجاء سهيل فقال للنبي صلى الله عليه وسلم هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدع النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب وهو علي بن أبي طالب فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فما أدري ما هي ولكن اكتب بسمك اللهم كما كنت تكتب وفي بعض الطرق اكتب كما كان يكتب آباؤك وفي بعض طرق هذا الحديث أن علي كتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال فقال المسلمون والله ما نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب بسمك اللهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله قال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله فقال علي بن أبي طالب لا أمحوها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمحوها فقال لا أمحوها وهذا تعظيما لسم النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الطرق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ضع يدي عليها فمحاها لأنه ما كان يقرأ فقال النبي صلى الله عليه وسلم على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطه ولكن ذلك من العام المقبل وقال وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمر يرسف في قيوده وهو مسلم وقد قيده أبوه في بيته فرآه أبوه حين رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نقضي الكتاب بعد فقال سهيل فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأجزه لي فقال سهيل ما أنا بمجيزه لك قال النبي صلى الله عليه وسلم بلى فافعل قال ما أنا بفاعل فقال مكرز بلى قد أجزه لك قال أبو جندل أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما قال عمر فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقا قال له النبي صلى الله عليه وسلم بلى قال ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال الرسول صلى الله عليه وسلم إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أوليس كنت تحدثنا أن سنأتي البيت فنطوف به قال بلى فأخبرتك أن نأتيه العام قال عمر لا قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنك آتيه ومطوف به قال عمر فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا قال أبو بكر أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يبين لنا رجاحة عقل أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال عمر أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به قال أبو بكر بلى فأخبرك أنك ستأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به قال عمر فعملت لذلك أعمالا فما زلت أصوم وأتصدق وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا وهذا يسمى في الشرع الحصر والإنسان إذا أحصر فإنه يهدي الهدي الذي معه ويتحلل من إحرامه وهذا لمن كان معه الهدي كما قال الله تعالى وأتم الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلة فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام واتقوا الله وعلموا أن الله شديد العقب فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما نرى هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة وما نفذوا هل تعتبر هذه معصية نقول هم ما نفذوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما لم ينفذوا أمره هم تمنوا أن ينزل الله تبارك وتعالى أمره لهم أو أن يغير النبي صلى الله عليه وسلم رأيه ويعزم على الدخول لأنهم كانوا متلهفين لدخول مكة ولكن أم سلمة رضي الله عنها كانت راجحة العقل وفهمت أن الصحابة رضي الله عنهم إنما امتنعوا عن ذلك لأجل هذين الأمرين فأشارت عليه بأن ينحر ويحلق ثم ينظر كيف تكون ردة الفعل فقبل رأيها صلى الله عليه وسلم فنحر وحلق فلما رأى الصحابة ذلك نحروا وحلقوا بدون أمر ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تبارك وتعالى وحلقوا بدون أمر ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تبارك وتعالى