87-تفسير سورة البقرة آية ٢٥٦-٢٥٧ الشيخ د.عثمان الخميس

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

تم تفريغ النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، وجارٍ العمل على مراجعتها وتدقيقها.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله الذي جمعنا في هذا المكان المبارك وأسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا فيه أن يجمعنا في جنات النعيم اللهم آمين اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقية ولا محرومة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين نحن في ليلة السبت الموافق ليلة السابع والعشرين من شهر القعدة لسنة ثمانية وثلاثين واربعمائة بعد الألف الموافق لليلة التاسع عشر من شهر الثامن لسنة الفين وسبع عشر من الميلاد ووصلنا إلى الآية ست وخمسين بعد المائتين من سورة البقرة قول الله تبارك وتعالى بعد عوذة بالله من الشيطان الرجيم لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لم فصام لها والله سميع عليم الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون أعاذنا الله وإياكم من النار في الآية الأولى يقول ربنا تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه لا إكراه في الدين والدين هنا الألف واللام للعهد أي الدين الذي جاء به محمد وهو الدين الذي جاء به موسى وعيسى ويحيى وزكريا وداود وسليمان وأيوب ويوسف وإبراهيم ونوح وصالح وهود إن الدين عند الله الإسلام هذا الدين الذي أرسل الله به الرسول الله جل وعلا يقول لا إكراه في الدين أي لا يكره أحد على الدخول في دين الله تبارك وتعالى لا سابقا ولا الآن ولا لاحقا لا يكره أحد على الدين لماذا قال قد تبين الرشد من الغي طريق الرشد واضح وطريق الغي واضح قد تبين الرشد من الغي إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وهديناه النجدين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ويقول ربنا تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما أنت عليهم بجبار ويقول وما أنت عليهم بمسيطر أي لا تجبر أحدا على الدخول في دين الله تبارك وتعالى ولا تضطرهم إلى هذا الدين ولا تسيطر عليهم ولا تملك لهم شيئا إنما أنت منذر والله تبارك وتعالى لا يريد منافقين ولا يريد مرتزقة لهذا الدين بل يريد الله تبارك وتعالى أن يقبل عليه العبد بقلبه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى إجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فالمكره هو الذي لا يختار الشيء وإنما يجبر عليه وقلبه كاره له وهذا لا يريده الله تبارك وتعالى بل عبادة الله تبارك وتعالى لا بد أن تكون حبا وخوفا خوف لا حب وحده لا بل لا بد أن يقترن الحب مع الخوف وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان من الحب والخوف والمكره لا يحب وإنما مجبر ولذا بمجرد أن يجد الفرصة يهرب من الذي أجبره ويكره في قلبه هذا لا يريده الله يريد قلوبنا سبحانه وتعالى قال لا أكره في الدين ولكن انظروا قد أعددت جنة لمن أطاع وأعددت نار لمن عصى ومن يعرض عن ذكي ربه يسلك عذابا صعدا انتبهوا ولكنه دين واضح بيّن ولا أكره فيه لا يجبر أحد على الدخول في دين لا تبارك ليس الجهاد لإجبار الناس على الدخول في الإسلام أبدا وإنما الجهاد ليحكم شرع الله في أرضه سبحانه وتعالى والجهاد ليبلغ الدين من لا يبلغه إذ يمنع الملوك والجبابرة وغيرهم وصول الدين إلى عامة الناس فالجهاد لكي يمنع أولئك ويصل الدين إلى الناس فيختارون ولذا صارت الجزية لو كان الدين إجبارا ورغما ما كانت الجزية الجزية لمن أراد أن يبقى على دينه فإنه لا يجبر أحد على الدخول في دين الله تبارك وتعالى أبدا وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم عجب ربك من أقوام يدخون إلى الجنة بالسلاسل فهلاء الذين يؤسرون في المعارك ثم يعيشون في بلاد الإسلام فيتعرفون على الإسلام فيدخلون في دين الله تبارك وتعالى عجب ربك إلى قوم يدخون إلى الجنة بالسلاسل أي كانوا أخذوا أسرى والآن لما عرفوا هذا الدين وعاشوا مع أهله اختاروه اختيارا ولذا تجدوا أن كثيرا من علماء المسلمين ومن العباد هم في الأصل كانوا أسرى أو آباؤهم كانوا أسرى ثم فتح الله على قلوبهم واختاروا هذا الدين العظيم لما عرفوه على حقيقته كما وقع لكثير من علماء هذه الأمة البخاري جعفي مولى أبو حنيفة مولى أبو داود مولى وغيرهم كثير من علماء المسلمين في اللغة وفي الحديث وفي الشرع أئمة كبار حسن البصري ابن سيرين عبد الله بن المبارك عطاء وناس يشار إليهم بالبنان حتى قال بعض الملوك والأمراء كاد الموالي أن يأكلونه يعني أخذوا كل شيء يقصد مكانة الدين والعلم والفضل فإن عند الله تبارك وتعالى قاعدة إن أكرمكم عند الله أتقاكم بغض النظر من أين كان ومن أين أتى لا إكراه في الدين وهذا خبر أنه الدين لا يكره أحدا ويتضمن الأمراء أو النهية أي لا تكره أحدا هو خبر أن الدين هذا لا يكره عليه أحد ثم هو نهي لا تكره أحدا وفي زمن عمره ابن عبد العزيز ذكروا أن بعض جهال المسلمين أمسك أحد النصارى ثم قال له إما أن تسلم وإما أن أقتلك أجبره فقال أسلم فأسلم ثم لما وجد مكره ثم لما وجد الفرصة ترك الدين فقالوا أنت مرتد تقتل على الردة قال أذهب إلى أمير المؤمنين لعمر ابن العزيز لأنه يسمع عنه كل خير فأخذوه إلى أمير المؤمنين فقال له ما لك تركت الدين قال ما دخلت في الدين وإنما أجبرت قال لي إما أن تسلم وإما أن أقتلك وأنا ما أريد هذا الدين فأنا لست مرتد أنا على ديني قال لك ما أنت عليه ارجع فهذا الدين لا يكره أحدا لأن الحق بين والباطل بين هذا الدين بما فيه من الآيات البينات والبراهين الساطعة وأنه يوافق الروح ويوافق الجسد فقال بعد ذلك فمن شاء فاليوم من شاء لكن يتحمل قراره الذي اختاره يتحمله يوم القيامة لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي هذه الآية لأهل العلم فيها ثلاثة أقوال القول الأول أنها نزلت بسبب مجموعة من الأنصار من الأوس والخزرج قبل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معلوم أن الأوس والخزرج كانوا وثنيين يعبدون الأصنام ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لم تخلوا في دين الله أفواجا قبل هذه الفترة بعض الأنصار هودوا أولادهم رأوا أن دين اليهود الذين يعيشون معهم في المدينة أفضل من دينهم الذي هم عليه الوثنية وعبادة الأصنام فهودوا بعض أولادهم والتحقوا باليهود فلما جاء الله بالخير وجاء الإسلام وطرد بعض اليهود من المدينة لما خانوا وغدروا طلبوا من النبي أن يبقوا أولادهم أن يأخذوا أولادهم حتى يدخلون في الإسلام فنزلت لا اكراه في الدين تركوهم أن تهوتوهم يذهبون مع اليهود لا اكراه في الدين لا يكره أحد على الدخول في دين الله تبارك الله وقال بعض العلم هذه الآية خاصة لمن يدفع الجزية وهم اليهود والنصارى أي لا اكراه في الدين لأهل الكتاب أما غير أهل الكتاب فلا تقبل منهم الجزية والصحيح الذي اختاره الإمام مالك رحمه الله تعالى أن الجزية تأخذ من كل كافر وهذا الذي جرى عليه عمل المسلمين كل كافر تأخذ منه الجزية طالما أنه لا يريد الدخول في دين الله تبارك وتعالى القول الثالث أن هذه الآية منسوخة بآيات القتال المشركين كافة فهنا قالوا هي منسوخة والصحيح أنها ليست منسوخة وأنها على وجهها لا اكراه في الدين لا يكره أحد على الدخول في دين الله تبارك وتعالى قد تبين الرشد من الغي الرشد هو الرشاد وهو اختيار الطريق الصحيح والرأي السديد وعكسه الغي وهو الغواية والضلال والضياع الله تبارك وتعالى يقول قد تبين أي تميزه الرشد من الغي يمين والشمال وضح تميز انفصل الرشد عن الغي قد تبين الرشد من الغي ثم قال فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقة قدم الكفر بالطاغوت قالوا حتى تكون التخلية يعني لو أردت أن تضع شيئا في الكاس نضفه أولا امتداء ثم ضع فيه ما تشاء يكفر بالطاغوت وإذا تقول لا إله إلا الله ثم التحلية فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله والطاغوت من الطغيان وهو تجاوز الحد ومنهم قول الله تبارك وتعالى إن لما طغى الماء أي جاوز حده ومنهم قول الله تبارك وتعالى اذهب إلى فرعون إنه طغى تجاوز حده لما قال أنا ربكم الأعلى تجاوز حده وقال أهل العلم الطاغوت هو الشيطان وبعضهم قال الطاغوت هو الساحر وبعضهم قال الطاغوت هو الكاهن ولذا الصحيح أن الطاغوت اسم جنس لكل ما تجاوز حده أو من تجاوز حده هذا طاغوت كل من تجاوز حده فهو طاغوت وعرفه ابن القيم رحمه الله تبارك فقال كل ما جاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع كل ما جاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع هذا هو الطاغوت طبعا إذا كان به باختياره كفرعون والنمرود من دعوا إلى عبادة أنفسهم ويدخل فيهم معهم غيرهم غيرهما ممن تجاوز حده وتجبر وطغى واستعلى في هذه الأرض أما من عبده بدون إذنه كعيسى أي صلاة والسلام لما قال الله له جل وعلا إذ قال الله يا عيسى بن مرمى أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما كان لي أن أقول ما ليس لي بحق ما قلت فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن يعبد الله ربي وربكم ما قلت هذا أبدا يكذبون فتبرأ منهم صلوات ربي وسلامه عليه ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقة العروة هي المقضب أي تمسك به الكأس الإناء أو الإبريق أو ما شابه ذلك الدلو كل المسكة التي تمسك فيها هذه الأشياء تسمى عروة والوثقة لأن عروة مؤنثة قال وثقة لو كانت مذكرة يقول الأوثق يقول رجل أوثق ومرأة وثقة يقال للذكر أوثق والمرأة وثقة فالأنثى العروة مؤنثة فقال الوثقة العروة الوثقة استمسك بالعروة الوثقة دخل عبد الله بن سلام رضي الله عنه وهو من أحبار اليهود الذين أسلموا رضي الله عنه وأرضاه وكان من علماء اليهود وأسلمه رضي الله عنه دخل يوم من الأيام إلى المسجد فصلى ركعتين وكان هناك أناس جالسين في المسجد فصاروا يتحدثون يقولون هذا رجل من أهل الجنة يقولون عن عبد الله بن سلام هذا رجل من أهل الجنة فأحد الجالسين سمع هذا الكلام فانتظر عبد الله بن سلام قضى صلاته وانطلق وانطلق خلفه فجاءه وسلم عليه قال أريد أن أزورك قال تفضل وقال أريد أن أحدثك لماذا جئتك قال ماذا أحدث قال لما دخلت المسجد صليت ركعتين تحدث الجالسون فقالوا إنك من أهل الجنة فأحببت أن أعرف لماذا فقال سبحان الله لا ينبغي لأحد أن يتكلم بما لا يعلم لا ينبغي لأحد أن يتكلم بما لا يعلم ولكن سأحدثك رأيت رؤيا في يوم من الأيام كأني دخلت إلى روضة خضراء وإذا بها عمود أسفله في الأرض وعلاه في السماء وفي أعلاه عروة فأتاني آت فقال لي أصعد قلت لا أستطيع فأخذني من ثوبي من خلفي وقال أصعد فصعدت حتى أمسكت بالعروة فقال لي استمسك بها فأمسكتها فاستيقظت من النوم وإنها لفي يدي يعني ما زلت أذكرها تماما فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه هذه الرؤية فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم أما الروضة الخضراء فهي روضة الإسلام فأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى ولا تموت إلا على الإسلام يعني أنت تبقى على الإسلام حتى هذا الذي رأيتك ولذلك حكموا أني في الجنة من هذا الباب رضي الله عنه وأرضاه فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسكه ولم يقل أمسكه استمسكه يكون مبالغة في الامسك مبالغة أي قبضها قبضا شديدا بالعروة الوثقى وهي الإسلام ثم قال سبحانه وتعالى لنفصام لها لنفصام أي لنقطع لا تنقطع هذه العروة ويقال فصم ويقال قصم يقول فصم ظهره ويقول قصم ظهره والفرق بين الانفصام والانقصام قالوا الانفصام هو القطع دون إزالة أما القصم فهو القطع مع الإزالة يعني فصمه أي قطعه ولم يزله يعني له تعلق له شيء من التعلق مثل كسرت اليد ويبقى الجلد ماسك أما الانقصام فهو مع الجلد اقطعها وتروح لحالها هذا الفرق بين الانفصام والانقصام أو فصمه وقصمه قال والله سميع عليم سميع للأقوال عليم بالقلوب سبحانه وتعالى فمن يؤمن بالله فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله الله عليم به عليم بقوله عليم بقلبه سبحانه وتعالى ثم قال جل وعلا الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النهر ولي الولي هو القريب وكل شيء والاك أي قرب منك وإذاك في الوضوء الشيء يسمين مولات وشيء بعد شيء على طول وولي الإنسان أقرب الناس إليه الله ولي الذين آمنوا أي الذين يتولاهم يحبهم وينصرهم سبحانه وتعالى الله ولي الذين آمنوا وعندما تستمع اسمع هذه الآية اشعر حاول أن تستشعر القوة والراحة والطمأنينة الله يقول لك أنا وليك اشتبي ماذا تريد أكثر من أنا وليك أنا معك أنت من الذين آمنوا إذن أنا معك أنا أنصرك أنا أدافع عنك أنا بجانبك فتشعر بالراحة والطمأنينة والثقة والقوة سندك الله سبحانه وتعالى الله ولي الذين آمنوا الله جل وعلا يقول الله هو ولي الذين آمنوا ثم بيّن آثار هذه الولاية وهذه المحبة قال يخرجهم من الظلمات إلى النور لأن الظلمات كثيرة جدا والنور واحد الظلمات كثيرة كما قال الله تبارك وتعالى وأن هذا صراطه مستقيما فاتبعوا ولا تتبعوا السبل سبل كثيرة جدا فتفرق بكم عن سبيل أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي بالناس كما مثله في الظلمات فالظلمات متعددة ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة الكفر وظلمة المعاصي وظلمة البدع الظلمات كثيرة جدا أما النور فواحد الحق لا يتعدد الحق واحد أما الباطل فيتعدد كما يقول أشكال وألوان وأرناق أما الحق فثابت واحد يخرجهم من الظلمات إلى النور ثم قال والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ولم يقل أولياؤهم الطواغيت لم يجمع الطاغوت مع أن الطاغوت مفرد لكن هذا جنس اسم جنس يطلق على الفرد ويطلق على الجمع كما قلنا اسم جنس الطاغوت اسم جنس يشمل كل الطواغيت والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت وبالتالي يخرجونهم من النور إلى الظلمات العكس تماما يخرجونهم من النور إلى الظلمات ثم قال أولئك أي الذين يتولون الطواغيت أولئك أصحاب النار أي القريبون منها صاحب الشيء الذي لا يفارقه صاحبه أي لازمه أولئك أصحاب النار أي الملازمون لها ثم قال هم فيها خالدون تأكيد على هذه الصحبة والعياذ بالله هم فيها خالدون أي في النار والعياذ بالله أعاذنا الله وإياكم من النار والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد