تربيةُ الأبناءِ
فضيلة الشَّيخ عثمان الخميس حفظه الله
بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ
الحمدُ لله ربّ العالمينَ، الحمدُ لله وليّ الصَّالحينَ، الحمدُ لله خالق الخَلْقِ أجمعينَ، الحمدُ لله حتَّى يرضى، و الحمدُ لله إذا رَضِي، و الحمدُ لله بعد الرِّضَا، الحمدُ لله مِلْء السَّماواتِ ومِلْء الأرضِ و مِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شاءَ مِنْ شيءٍ بعد، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمينَ نبيِّنا وإمامِنا وحبيبِنا وسيِّدنا وقُرَّةِ عينِنا محمَّد بنِ عبد الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعينَ، أمَّا بعدُ:
فأشكرُ ابتداءً إخواني في هذه الاستراحةِ الطَّيِّبةِ، على اسمها إنْ شاءَ الله تعالى، الذين أكرموني بهذه الدَّعوةِ، وأسألُ الله جلَّ وعلا أنْ يجعلَ أعمالَنا جميعاً خالصةً لوجههِ الكريمِ، وأنْ نلقاها ماثلةً أمامَنا تثقِّلُ موازينَ حسناتِنا عند ربِّنا تباركَ وتعالى.
إنَّ الحديثَ عنْ تربيةِ الأبناءِ لا بدَّ له مِنْ مقدِّمةٍ، يقولُ الله تباركَ وتعالى في كتابهِ العزيزِ: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٤٦) " سورة الكهف، فقدَّم المالَ على البنون، وفي آيةٍ
أخرى يقولُ سبحانه وتعالى "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ... (١٤) " سورة آل عمران، فقدَّم البنين على المالِ.
فيقولُ أهلُ العِلْمِ: في مكانٍ قدَّم المالَ على البنينَ وفي مكانٍ آخرَ قدَّم البنينَ على المالِ، وذلك لاختلاف اهتماماتِ النَّاسِ، فبعضُ النَّاسِ يحبُّ المالَ أكثرَ مِنَ البنينَ، وبعضُ النَّاسِ يحبُّ البنينَ أكثرَ مِنَ المالِ، ولكنْ يشتركُ النَّاسُ جميعاً في حبِّ هذينِ كما قالَ الله تباركَ وتعالى: "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ... (١٥) " سورة التَّغابن، فيشتركُ النَّاسُ جميعاً في حبِّ هذا وهذا، وكلامُنا في هذه اللَّيلةِ عنِ البنينَ وليسَ عنِ المالِ.
وقضيَّةُ تربيةِ البنينَ أو كيف يسعدُ الإنسانُ بأولادهِ في هذه الدُّنيا ويسعدُ بهم أيضاً في الآخرة كما قالَ تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ .... (٢١) " سورة الطُّور.
فيشفعُ الوالدُ للولدِ ويشفعُ الولدُ للوالدِ في رَفْعِ الدَّرجاتِ لا في نزُولِها، فلا ينزلُ الأعلى إلى الأسفلِ ولكنْ يرتفعُ الأسفلُ إلى الأعلى بفضلِ الله تباركَ وتعالى ومَنِّهِ وكَرَمهِ ورحمتهِ جلَّ وعلا.
إنَّ كلامَنا عنِ البنينَ ..
البنونَ فِتنةٌ كما قالَ الله تباركَ وتعالى: "" إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ".
يقولُ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً وهو يخطبُ النَّاسَ، ثم رأى الحسنَ والحسينَ يمشيانِ ويعثرانِ، يعثران يعني يكادان يسقطان لِصِغَرِ سِنِّهما، الله أعلمُ كم عُمْر كلِّ واحدٍ منهم، ولكنْ توفِّيَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وللحسنِ سبعُ سنواتٍ وللحسينِ سِتُّ سنواتٍ، الله أعلمُ يمكنُ عُمْر الواحدِ منهم سنتين أو ثلاث .. المهم يمشيان ويعثران وهو يخطبُ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يحتملْ حتَّى نزلَ عنِ المنبرِ، ثمَّ أخذَهما واحتضنَهما، ثم صعدَ بهما إلى المنبرِ يقبِّل هذا ويقبِّل هذا، ثم قال صدقَ الله" إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ "،" نظرتُ إلى هذين الصَّبيَّينِ يمشيانِ ويعثرانِ فلم أصبرْ حتَّى قطعتُ حديثي ورفعتُهما "، وهو سيِّدُ الخَلْقِ صلَّى الله عليه وسلَّم، يربِّينا ويعلِّمُنا كيف نتعاملُ مع هؤلاء الأولادِ الذين هم فلذاتُ الأكبادِ.
كانَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يصلِّي يوماً فأطالَ السُّجودَ جِدّاً، حتَّى إنَّ بعضَ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: رفعتُ رأسي: خشيتُ أنْ يكونَ أصِيبَ النَّبيُّ بشيءٍ!! لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ مقصوداً، يقولُ: فلمَّا رفعتُ رأسي فإذا
الحسنُ أوِ الحسينُ على ظَهْرِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ساجدٌ، فأطالَ في السُّجودِ صلَّى الله عليه وسلَّم، يقولُ: فسجدتُ مرَّة أخرى، اطمئنَّ قلبي أنه صلَّى الله عليه وسلَّم ليسَ فيه شيءٌ، فلمَّا رفعَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأسَه سألَه أصحابُه الذين لم يرفعوا رؤوسَهم واستغربوا مِنْ إطالتهِ السُّجودَ، فقالوا: يا رسولَ الله أطلتَ السُّجودَ؟؟!!
قالَ: "إنَّ ابني ارتحلَني فكرهتُ أنْ أعجلَه" .
يقولُ: فكرهتُ أنْ أعجلَه!! إلى هذه الدَّرجةِ رحمةُ النَّبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.
هؤلاء الأولاد كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يتمنَّاهم، كما قالَ الله تباركَ وتعالى: "زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" ، وأنتم تعلمونَ اليومَ أنَّ الإنسانَ أحياناً يبذلُ كلَّ ما عنده لأجلِ أنْ ينالَ ولداً، عمليَّات وسفر وكذا لأجلِ أنْ تنجبَ امرأته، ويدعو الله اللَّيلَ والنَّهارَ، والنَّاسُ ينظرونَ إليه نظرةَ الإشفاقِ إذا لم يُرْزَقْ بولدٍ، ويتحرَّجونَ مِنَ المباركةِ لأحدٍ إذا رُزِقَ بمولودٍ لأنَّ فلاناً موجودٌ، وكذا الأمرُ بالنِّسبةِ للمرأةِ، حتَّى إنَّ مِنْ عجيبِ ما بلغَني أنَّ أحدَهم رُزِقَ، لكنَّه رُزِقَ ببناتٍ .. الله أعلمُ سِتّ أو سبع بناتٍ، وكانَ يريدُ ذَكَراً .. ابناً، وكانَ يدعو، كلَّما حملتِ امرأته دعا الله تباركَ وتعالى أنْ
يكونَ ذَكَراً، فتكون أنثى ثم أنثى، أنثى .. حتَّى بلغنَ سِتَّ بناتٍ أو سبعَ بناتٍ تقريباً، فيقولُ البعضُ ممنْ يعرفُه جيِّداً، يقولُ: فدعا الله تباركَ وتعالى فقالَ: اللَّهمَّ ارزقني ولداً ولو مجنون!!! المهم ولد .. يعني لهذه الدَّرجةِ الإنسانُ ينظرُ إلى هذه القضيَّةِ أنها قضيَّة مصيريَّة!!! قالَ اللَّهمَّ ارزقني ولداً ولو مجنوناً .. إلى هذه الدَّرجةِ!! فابتلاهُ الله بولدٍ مجنونٍ، والجنونُ نوعانِ كما تعلمونَ، هناك إنسانٌ مجنونٌ لكنه هادئٌ .. في محلِّه، وهناك مجنونٌ و فيه شيطانة!! يعني لا يبقى في مكانهِ .. مزعج، فرزقَه الله بمجنونٍ مزعجٍ، يقولُ لي صاحبي الذي يعرفُه وهو مِنْ جيرانه، يقولُ: بلغَ به الأذى (الولد) أنه آذى أباهُ أذِيَّةً تامَّةً، وجعلَ له خادمةً تلازمُه أربعاً وعشرين ساعةً!! يقولُ: حتَّى إنه جاءَ في يومٍ مِنَ الأيامِ وهم جالسون في البيتِ فخرجَ مِنَ البيتِ مسرعاً (الولد المجنون) ، فالأمُّ أو إحدى الأخوات خافتْ عليه، فقالتْ للخادمةِ: اتبعيهِ اتبعيه .. نخشى أنْ يحصلَ له شيءٌ، فماذا قالَ: اتركوه اتركوه .. يمكن تدعمه سيَّارةٌ ويموتُ .. انظروا يقولُ: اتركوه يمكن تدعمه سيَّارةٌ ويموتُ!! الآنَ صارَ يتمنَّى موتَه.
ولذلك الإنسانُ دائماً إذا دعا الله أو سألَ الله الولدَ أنْ يسألَ لله الولدَ الصَّالحَ، ما يسأل مجرَّد الولد، الله تباركَ وتعالى يقولُ في
قِصَّةِ موسى والخضر: "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) " سورة الكهف، فليسَ على كلِّ حالٍ يكونُ الولدُ نعمةً، قد يكونُ نقمةً سواء كانَ ذَكَراً أو أنثى، ولذا الإنسانُ يسألُ الله تباركَ وتعالى الولدَ الصَّالحَ وليسَ مجرَّد الولد، فإذا رُزِقَ الإنسانُ بولدٍ فماذا يكونُ بعدَ ذلك؟؟
قبلَ أنْ يُرْزَقَ الولدَ لا بدَّ أنْ يكونَ هناك مقدِّمات، مِنْ أهمِّ هذه المقدِّماتٍ:
* اختيار الأمّ، أنْ يُحْسِنَ اختيارَ الأمِّ ..
ولذلك جاءَ رجلٌ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ يشتكي ولدَه
فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ ابني يعقُّني!!
فعمرُ رضيَ الله عنه مباشرةً استدعى الولدَ ..
فقالَ له: إنَّ أباكَ يشكوك، يقولُ: إنك تعقُّه!!
فقالَ الولدُ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنينَ، ما حقِّي على أبي؟؟
- الآن هو يطالبُ بحقِّه، أريدُ أنْ أعرفَ ما حقوقي -
فقالَ: حقُّك على أبيكَ أنْ يُحْسِنَ اختيارَ أمِّك، وأنْ يُحْسِنَ اختيارَ اسمِكَ، وأنْ يعلِّمَكَ القرآنَ.
فقالَ الولدُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أمَّا القرآنُ فما علَّمني منه حرفاً، وأمَّا أمِّي فأمَةٌ، وأمَّا اسمي فجُعَل.
يعني تزوَّج أمَةً فصارَ الولدُ عبداً، وسمَّاه جُعَل، جعلَه يستحي مِنْ هذا الاسم، فالتفتَ عمرُ إلى الأبِ
فقالَ: عققْتَه في الصِّغَرِ فعقَّكَ في الكِبَر.
يعني أنَّ العقوق بدأ مِنَ الأبِ، وهذا هو الغالبُ، أنَّ كثيراً مِنَ النَّاسِ تفسدُ عليهم أولادُهم لفسادٍ فيهم هم أو لتقصيرٍ منهم، وإلا لو اتَّقى الإنسانُ ربَّه تباركَ وتعالى فإنَّ الله تباركَ وتعالى سيُكْرَمُه بذرِّيةٍ طيِّبةٍ مباركةٍ، وليسَ هذا بضروريّ، فَمَنِ أتقى النَّاسِ لله تباركَ وتعالى نبيُّ الله نوح، ولدُه كما تعلمونَ كانَ كافراً، قالَ: "... يَا بُنَيَّ ارْكَب معنا ... (٤٢) " سورة هود، فرفضَ الولدُ - والمشهورُ أنَّ اسمَه كنعان - رفضَ ذلك، وكفرَ بالله تباركَ وتعالى، وهو ابنُ نبيِّ الله نوح!!
فليسَ بالضَّرورةِ، قد يُبتلى الإنسانُ بولدٍ عاقٍّ، كما يكونُ العكسُ، يكونُ الوالدُ عاقّاً ويخرجُ الولدُ صالحاً، لكنِ في الجملةِ صلاحُ الأبناءِ مرتبطٌ بصلاحِ الآباءِ، وبتقوى الآباء، وبإحسانِ الآباءِ، وغير ذلك مِنَ الأمورِ، المهم أنَّ الدَّرجةَ الأولى والمرحلةَ الأولى التي يريدُ الإنسانُ أنْ يُرْزَقَ مِنْ خلالها بذرِّيةٍ صالحةٍ طيِّبةٍ مباركةٍ أنْ يُحْسِنَ اختيارَ الأمِّ، حتَّى قيلَ:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددتَ جيلاً طيِّبَ الأعراقِ
فلا بدَّ أنْ يتنبَّه ابتداءً إلى إحسانِ اختيارِ الأمِّ، فإذا أحسنَ ذلك، بعد ذلك يُكثرُ مِنْ قضيَّةٍ مهمَّة جِدّاً ألا وهي:
* - قضيَّة الدُّعاء ..
أنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعاءِ .. لا يقصِّر في الدُّعاءِ .. أنْ يدعوَ ربَّه أنْ يرزقَه ذرِّيةً صالحةً طيِّبةً مباركةً .. فإذا رَزَقَه الله جلَّ وعلا يكثرُ لهم مِنَ الدُّعاءِ بالصَّلاح والتَّقوى وحُسْن الخُلُق وغير ذلك مِنَ الأمورِ التي يتمنَّاها لأولادهِ، لكنْ يُكْثِر مِنَ الدَّعاءِ، ولذلك يقولُ سيِّدنا إبراهيمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "... وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) " سورة إبراهيم
"رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي .... (٣٧) " سورة إبراهيم
وأمّ مريم قالتْ: ".... رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ... (٣٥) " سورة آل عمران
وهكذا .. فيُكْثِرُ الإنسانُ مِنَ الدُّعاءِ لأولادهِ، يُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ ولا يملُّ ولا يكلُّ، يدعو لهم دائماً بالصَّلاح والإصلاح، وغير ذلك مِنَ الأمورِ.
حتَّى يُنشئ الله جلَّ وعلا لنا جيلاً صالحاً فلا بدَّ لنا أنْ نبذلَ الأسبابَ، نعلم يقيناً أنَّ الله يهدي مَنْ يشاءُ ويُضِلُّ مَنْ يشاءُ،
بيدهِ الأمرُ سبحانه وتعالى وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ "إنما أَمُرهُ إذَا أرادَ شيئاً أَنْ يقولَ لهُ كُنْ فيكون (٨٢) " سورة يس، و ينتهي الأمرُ.
فإذاً الإنسانُ دائماً لا ينسى الله تباركَ وتعالى .. لا ينسى أنْ يتعلَّق بالله جلَّ وعلا، وأنْ يبذلَ أسباباً معينةً مِنْ خلالها الله تباركَ وتعالى إذا لم يُرِدْ ابتلاءَه فإنه جلَّ وعلا يُعطيهِ الذُّريَّةَ الصَّالحةَ الطَّيِّبةَ المباركةَ.
يعني ثاني هذه القضايا:
* أنْ يبدأ يغرسُ فيه الفضائلَ ..
يغرسُ في ابنهِ الفضائلَ أحياناً بصورةٍ مباشرةٍ كالنُّصح المباشر، وأحياناً بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ وهي التَّعليمُ التِّلقائيّ، بحيثُ إنَّ الابنَ يرى أباهُ فيقتدي به، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ جِدّاً أنَّ الابنَ دائماً يحبُّ أنْ يقتديَ بوالدهِ سواءً ذَكَراً أو أنثى .. ولداً أو بنتاً، دائماً يحبُّ أنْ يقتديَ بوالدهِ أو بوالدتهِ، يرى فيه الصِّدْقَ، يرى فيه الإخلاصَ، يرى فيه العِفَّةَ، يرى فيه النَّزاهةَ عنِ الحرامِ، يرى فيه حُسْنَ التَّعاملِ، حُسْنَ الخُلُقِ، البشاشةَ، وغير ذلك مِنَ الأمورِ الكثيرةِ فيتعلَّم، كما قيلَ:
وينشأ ناشئُ الفِتيانِ فينا *** على ما كانَ عوَّده أبوهُ
فالأبُ يعلِّم ويغرسُ، يغرسُ فيه أحياناً فيبدأ يُعطيهِ: يا بنيَّ كنْ كذا .. كنْ كذا .. كما هو أمْرُ لقمانَ مع ابنهِ، لما صارَ يعظُ ابنَه ويبيِّن له وينصحُ له، وأحياناً الأبُ لا يعلِّمُ ابنَه بالكلامِ وإنما بالفِعَالِ؛ يرى في أبيهِ الكرمَ فيكونُ كريماً، يرى فيه أبيهِ الصِّدْقَ فيكونُ صادقاً لا يكذبُ أبداً، لكنْ حينما يتعوَّد مِنْ أبيهِ البُخْلَ، حينما يتعوَّد مِنْ أبيهِ الكَذِبَ، حينما يتعوَّد مِنْ أبيهِ الغشَّ، حينما يتعوَّد مِنْ أبيهِ الطَّعْنَ في أعراضِ النَّاسِ أوِ الغيبةَ أوِ النَّميمةَ أو غير ذلك مِنَ الأمورِ؛ تُرى كيف سينشأ هذا الغلامُ؟؟
سيكتسبُ هذه الأخلاقَ، كما يقالُ: التَّعليمُ في الصِّغَر كالنقشِ على الحجرِ، سواء كانَ هذا التَّعليمُ سلبيّاً أو ايجابيّاً، إذا كانَ إيجابيّاً سيكونُ نقشا على الحجرِ، وإذا كانَ سلبيّاً سيكونُ كذلك نقشاً على الحجرِ، يعني يتأثَّر الولدُ بأبيهِ أو بأمِّه سلباً وإيجاباً .. خيراً أو شَرّاً .. يكتسبُ هذا مِنْ أبويهِ، و لذلك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: "كلُّ مولودٍ يُوْلَدُ على الفِطْرَةِ، فأبواهُ يهوِّدَانهِ، أو ينصِّرانهِ، أو يمجِّسانهِ"
إذاً الفطرةُ سليمةٌ في كلِّ إنسانٍ .. كلُّ آدميٍّ خلقَه الله تباركَ وتعالى خلقَه على الإسلامِ، ولذلك قالَ: " كلُّ مولودٍ يُولَدُ على
الإسلامِ "في روايةِ مسلم، ولذا نصَّ جماهيرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ الصَّبيَّ الصَّغيرَ إذا ماتَ فإنه مِنْ أهلِ الجنَّةِ.
لماذا؟
لأنه على الفِطْرَةِ .. على الإسلامِ .. لكنْ يأتي الأبوانِ فإنْ كانا خيِّرينِ بقيَ على الإسلامِ، وإنْ كانا غير خيِّرين؛ سيِّئينِ فاسدينِ سواء فساد أخلاق أو فساد عقيدة أو فساد مذهب ودين حرفاهُ (يهوِّدانه ينصِّرانه يمجِّسانه) ، فإذاً على الأب أوَّلاً والأمِّ كذلك أنْ يجلسا معاً وأن يبدأا يغرسان في أولادِهما هذه الأخلاقَ والدِّينَ والعِفَّةَ والشَّرَفَ والصِّدْقَ ومحبَّةَ الآخرينَ ومحبَّةَ مساعدتهم، وعلى كلِّ حالٍ هذا ليسَ مجالُ ذِكْرِ جميع الأخلاقِ الحسنةِ أوِ الأخلاقِ السَّيِّئةِ وكيف يتجنَّبها الإنسانُ؛ لكن القصد أنَّ الإنسانَ يغرسُ في أبنائهِ، هو وزوجته يغرسان في أولادِهما سواء بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ، كما قلنا هذه القضيَّة الثَّانية.
القضيَّة الأولى قلنا اختيار الأمّ
والقضيَّة الثَّانية الغرس في الأبناء
*القضيَّة الثَّالثة أنْ يُحْسِنَ اختيارَ الصُّحبةِ، وكما قالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم:" المرءُ على دِينِ خليلهِ فلينظرْ أحدُكم مَنْ يخاللُ "، يعني يمارس الأب .. تمارس الأمُّ قضيَّة التَّدخُّل في اختيارِ
الصُّحبةِ .. طبعاً بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ هنا، لأنَّ الابنَ إذا كبُرَ والبنتَ إذا كبُرتْ لا يقبلُ أنْ يُفرَضَ عليه فلان يصاحبه أو كذا، لكنْ بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ بحيثُ يخليه يتَّصل فيه دائماً، دائماً يلقاهُ معه، يأخذُه معه، بحيثُ إنه يختارُ له الصُّحبةَ الصَّالحةَ، وكما هو مشهورٌ عند العربِ قولهم: (الصَّاحبُ ساحبٌ) يسحبُ، يجرُّ معه صاحبَه، فيحسنُ اختيارُ صُحْبَتهِ، فإذا كانتْ هذه الصُّحبةُ أهل دين وأهل صلاح وأخلاق و رُقُيّ سيكونُ الولدُ كذلك، والعكس كذلك إذا كانتِ الصُّحبةُ فاسدةً، يعني أنا أعرفُ شخصاً قريباً مني مشى مع أناسٍ صالحينَ، فما شاءَ الله حَسُنَتْ أخلاقُه و بَرَّ بوالديهِ والتزمَ بالصَّلاةِ، ثمَّ فترة بسببٍ ما .. ترك هؤلاء، ثم سيطرتْ عليه صحبة أخرى وما عادَ يصلِّي، وحَلَقَ لحيتَه، ويشربُ سجائر، ويسهرُ طول اللَّيلِ، وآخر شيء مَدَّ يدَه على أبيهِ!! يعني لهذه الدَّرجةِ!!
فقضيَّةُ الصُّحبةِ قضيَّةٌ مهمَّةٌ جِدّاً، وأنْ يحرصَ الإنسانُ عليها قَدْرَ المستطاعِ، أنْ يُحْسِنَ اختيارَ الصُّحبةِ لأولادهِ سواء كانوا مِنَ البناتِ أو البنينَ .. سواء الأمّ أو الأب .. إحسان اختيار الصُّحبة لهؤلاء الأبناءِ.
*الأمر الرَّابع وهو قضيَّة التَّعليم؛ خاصَّةً القرآن، يعني سبحان الله القرآن الكريم غير، إنه يقوِّم اللِّسانَ، وأجر عند الله تباركَ وتعالى، إلا إنه يقوِّي الخُلُقَ عند الإنسانِ، حافظُ القرآنِ الذي يحفظُ القرآنَ أحياناً قد يُقدِمُ على أمورٍ قد يُقدِمُ عليها آخرون، فيمنعُه القرآنُ سبحان الله، أذكرُ كلمةً لأحدِ إخوانِنا حفظَه الله تعالى كانَ يقولُ الشَّهادة الشَّرعيَّة (يعني دراسة شريعة أو أصول دين أو كذا، الدِّراسات الشَّرعيَّة على كلِّ حالٍ)
يقولُ: الدِّراسة الشَّرعيَّة عندما يحملُها الإنسانُ غير أنْ يتعلَّم عِلْماً شرعيّاً ويعلِّم النَّاسَ إلا إنها أيضاً تكونُ حاجزاً بينه وبين المعاصي.
سبحانَ الله ..
يعني يستحي .. كيف أنا أحملُ الشَّهادةَ الشَّرعيَّةَ وأفعلُ كيتَ وكيت؟؟!! لا يليقُ!!
وكذا الأمرُ بالنِّسبةِ لحافظِ القرآنِ، فإذا حملَ القرآنَ الولدُ فإنه لا شكَّ سيكونُ عاصماً له بفضلِ الله تباركَ وتعالى.
* القضيَّةُ الخامسةُ - وأنا أتصوَّرُ أنها قضيَّةٌ مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ - ألا وهي قضيَّةُ أنْ يجعلَ الولدَ يراقبُ الله .. قضيَّة الإحسان أنْ تعبدَ الله كأنك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنه يراكَ .. هذه يغرسُها
غرساً فيه بحيثُ الولدُ لا يتأثَّر بوجودِ الأب أو عَدَمِ وجودهِ، برؤيةِ الأب أو عَدَمِ رؤيتهِ، حضورهِ أو عَدَمِ حضورهِ، هذه الأمورُ يقيمُ لها وزناً ولكنْ ليستْ هي الأصلُ .. الأصلُ مراقبةُ الله، أنْ يراقبَ الله، دائماً يُشعرُه أنَّ الله يُراقبُه .. أنَّ الله مطَّلعٌ .. أنَّ الله يسمعُ .. أنَّ الله يرى .. أنَّ الله سبحانه وتعالى يُعطي .. أنَّ الله يمنعُ .. أنَّ الله عنده الجنَّة .. أنَّ الله عنده النَّار .. يبدأ يجعلُه دائماً يستشعرُ رؤيةَ الله له ومراقبتَه له وحضورَه معه سبحانه وتعالى؛ في صلاتهِ .. في قيامهِ .. في جلوسهِ .. في مَشْيهِ .. في نومهِ .. في كلِّ أحوالهِ .. دائماً يستشعرُ مراقبةَ الله تباركَ وتعالى له، فهذه عندما تغرَسُ في قلبِ وعقلِ الأبناءِ فإنها تؤتي ثماراً عجيبةً سبحانَ الله، بحيثُ إنه إذا كانَ منفرداً .. إذا كانَ يريدُ أنْ يصنعَ شيئاً لا يراهُ أحدٌ يستشعرُ دائماً أنَّ الله سبحانه وتعالى يراقبه.
* القضيَّةُ الأخيرةُ في هذه المسألةِ وهي قضيَّةُ القدوة الحسنة.
وهي مرتبطةٌ بثاني نقطةٍ ذكرناها وهي أنْ يغرس فيه الأخلاق سواء مِنْ فعلهِ أو مِنْ قولهِ، أنا أقولُ قضيَّة القدوة الحسنة بحيثُ يفتخرُ الابنُ، يقولُ: هذا أبي .. كما قيلَ:
وبهم فخرُ كلّ مَنْ نطقَ به.
يعني بحيث إنه يفتخرُ بأبيه لا ينكسرُ .. لا يقولُ هذا أبي وينزلُ رأسَه .. الأب يجعلُ الابنَ يفخرُ به أينما ذهبَ، يقولُ: هذا أبي .. هذا أبي .. بحيثُ إنه يرى في أبيهِ القدوةَ الحسنةَ، وبالتَّالي يفتخرُ به أمامَ النَّاسِ دائماً، هذا أبي أو هذه أمي حسب البنت أو الولد، فالقصدُ أنَّ هذه القضيَّة أنا أتصوَّر أنها مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ
بقي الشّقُّ الثَّاني مِنَ الموضوع .. الآن فيه مؤثِّرات خارجيَّة، مثلاً قضيَّة الموسيقى .. التِّلفاز .. الفساد المنتشر .. الفتن والعياذُ بالله.
أوَّلاً لا بدَّ أنْ نعلمَ أنَّ الجوَّ العامَّ يؤثِّر، يعني أنا أتكلَّم عنْ نفسي، أنا شايب والشياب أيضاً الموجودين معي .. في السَّابقِ نحن في البيتِ نربَّى .. يربِّينا البيتُ، يربِّينا الشَّارعُ، المدرسةُ تربِّينا، الجيران يربُّوننا، فكانَ آباؤنا لا يخافون علينا عندما نخرج إلى الشَّارع، لماذا؟
لأنَّ عمِّي أو جاري إذا شاف غلط يعلِّمني .. في أمان بشكلٍ عامٍّ، المدرسة تربَّى فيها، الشَّارع أتربَّى فيه، بيت الجار لو ذهبتُ أتربَّى فيه، و بيتي في نفس الوقت أتربَّى فيه، الآن العكس .. الآن الفساد نجدُه أحياناً في المدرسةِ، الفساد نجدُه أحياناً في
الشَّارع .. الآن تخاف على ابنك يخرجُ إلى الشَّارع شيئاً فشيئاً مخدِّرات، ثمَّ بعدها بقليل يبدأ يغازل سواء كان بنتاً أم رجلاً، كذلك قضيَّة الجيران؛ حيثُ لم يعد الجيرانُ كالسَّابق، يذهب الواحد ليشتريَ بيتاً عند فلان .. يبني بيتاً عند فلان .. ينتقي جارَه، الآن صارتْ خلطة .. أحياناً الجارُ لا يعرفُ جارَه أو ليسَ له علاقة معه أو مغصوب عليه، فتغيَّرتِ الأمورُ حقيقةً!! الآن صار الواحد يخاف على ولدهِ في المدرسةِ .. يخافُ على ولدهِ في الشَّارع .. يخافُ على ولدهِ عند جيرانهِ .. يخافُ على ولدهِ في النَّادي .. يخافُ على ولدهِ في السُّوق أو غيره .. غير السابق!!
فلذلك الإنسانُ حقيقةً لا بدَّ في بيته أنْ يتعبَ أكثر
النَّاحية الأولى: يقابلُ أولادَه أكثر .. يعني في السَّابق آباءنا وأجدادنا ما كانوا يقابلوننا كثيراً لأنَّ الجوَّ العامَّ يساعدُ، الآن الأمور كلُّها اختلفتْ!! ما أقولُ العكس لكنْ تغيَّرتْ تماماً، فلذلك يحتاجُ الواحدُ مِنَّا يعطي بيتَه وقتاً أكثر، أنا أعرفُ أناس يدخلُ بيتَه السَّاعةَ الواحدةَ ليلاً ويخرجُ السَّاعةَ السَّابعةَ صباحاً!! يرجعُ السَّاعةَ واحدةَ ظهراً أو اثنتين ظهراً ويخرجُ السَّاعةَ الرَّابعة!! حتى هذه الفترات فترات نوم وأكل .. ما في فترات يجلسُ مع أولادهِ ويقابلُهم أو كذا!!
وهذا تقصيرٌ عظيمٌ جِدّاً وإهمالٌ؛ حتَّى إنَّ بعضَ الرِّجالِ للأسفِ صارَ في البيتِ ليسَ له أيُّ دورٍ، يعني وصلتْ لمرحلةٍ أنَّ زوجتَه ترسلُ ملابسَه للمغسلةِ والمصبغةِ وتشتري اللَّحمَ وتحضر التَّموين وتروح الجمعيَّة .. يعني حتَّى عيب يقولُ: أنا ربّ البيت!! هي ربَّةُ البيتِ الآن حقيقةً .. ليس له أيّ دورٍ في البيتِ نهائيّاً!! وهو و هو مستأنسٌ بحكمِ أنه مرتاح .. تحملُ عنه الهمومَ، لا يرسلُ الأولاد إلى المدارس .. لا يدرِّسهم .. لا يحضرُ شيئاً .. فقط مِنَ البيتِ للدَّوام ومِنَ الدَّوام للديوانية!! وهذه الدَّائرةُ المفرغةُ التي يدورُ فيها ولا يعلمُ عنْ أولادهِ ولا يعلمُ عنْ أهلهِ!! وهذا خطأ عظيمٌ جِدّاً.
فنقولُ لا بدَّ أنْ نعطيَ بيوتَنا وقتاً .. نعطي مِنْ أوقاتِنا لبيوتنا ولأولادِنا بالذَّات. هذه القضيَّةُ الأولى.
الأمرُ الثَّاني: الآن القنوات الفضائيَّة غزتْ!! والآن ما تملك أنْ تمنع كلَّ شيءٍ .. مَنْ يستطيعُ أنْ يمنع فهذا طيِّب وهذا شيءٌ جيِّد .. أنا أذكرُ قبلَ سنواتٍ أوَّل ما تزوَّجتُ وبعد الزَّواج وبعدما رُزِقْتُ بأولاد قعدتُ سبعَ سنواتٍ ما عندي تلفاز، فكانَ واحد قريبي يقولُ لي: عثمان في برنامج شفته؟؟ قلتُ له: لا والله ما شفته. قالَ: كيفَ يفوتُكَ؟؟ قلتُ له: ليسَ عندي تلفاز. قالَ
: أنت كيف تعيشُ؟؟!! قلتُ له: أعيشُ .. عادي .. ليس لهذه الدَّرجة.
واذكرُ السُّعوديَّة قبل .. مِنَ الطَّرائفِ يتكلَّمون ويقولون: القنواتُ غصب واحد وغصب اثنين .. يعني قنوات السُّعوديَّة قنوات الأولى والثَّانية لا يظهرُ غيرهما .. الستالايت غزا ..
قبلاً كنا نقولُ في السُّعوديَّة غزا الاستراحات .. المقاهي .. الان البيوت .. ما يكادُ يخلو بيتٌ مِنْ ستلايت!! الآن لا بدَّ الواحد أنْ يضعَ في بالهِ أنَّ أولادَه يرون .. يستمعون .. هم يتلقَّون الآنَ مِنَ الآخر .. وفي ناس تتعب على القنوات .. يعني القنوات مؤثِّرة، يدرسون حتى نفسيَّات المتلقِّي بحيثُ كيف يصلونَ إليه .. كيف يؤثِّرون فيه .. فإذا نحن أهملنا هذا الجانبَ نحن كآباء بحكمِ أننا نميِّز أكثرَ مِنْ أولادِنا بين الحقِّ والباطلِ والخيرِ والشَّرِّ وأهملنا هذا الأمرَ، وتركنا أولادَنا عُرْضَةً وفريسةً سهلةً لهؤلاء سيفترسونهم، لذلك يجبُ أنْ نراقبَ البيتَ .. ما الذي يُعْرَضُ في التِّلفازِ؟؟؟
ما هي القنواتُ التي يشاهدُها أولادنا؟؟؟
هذه مسألةٌ مهمَّة جِدّاً وتبيِّن أنَّ هذه القنوات مسموحةٌ وهذه ممنوعةٌ، ولا بدَّ الآن أيضاً خطاب التَّحاور مع الأبناء، لماذا ممنوعة؟؟
ولماذا مسموحة؟؟
لأنك أنت حينما تقولُ له: ممنوعة فقط ولا تناقشني .. فسينتظر اليوم الذي تسافر فيه أو تغيب عنِ البيتِ فيه يحاولُ أنْ يفتحَ الممنوعةَ .. والآن الأولاد والله يفتحون كلَّ شيءٍ .. سواء القنوات .. و الشّفرات الآن يفكُّونها .. يفكُّون الشّفرت ويفكُّون كلَّ شيءٍ الأطفال الآن .. والله المستعانُ.
فلذلك لا بدَّ أنْ تقولَ له ممنوع، وتقول له لماذا ممنوع .. تحاول أنك تحاوره، وأيضا إنك حينما تقولُ له ممنوع تحاولُ أنْ تعطيَه البديل .. لا بدَّ أنْ توفِّر له البديلَ النَّاجحَ .. البديلَ المقبولَ .. أنا لا أقولُ بديلاً مقبولاً مئة بالمئة ولكنْ على الأقلّ سبعين في المئة .. ثمانين في المئة .. يعني يكونُ مقبولاً، فيه بعض الأشياء التي لا نرضاها ولكنْ يبقى مقبولاً نوعاً ما، ولا أقولُ إنَّ الإنسانَ يتساهلُ في المعاصي أو كذا ولكنْ على الأقلّ أنْ يبحثَ عنْ بديلٍ، لا بدَّ أنْ تُعطيَه بديلاً، لا تقلْ له هذا خطأ إلا و تقول له ما هو الصَّحّ.
الله سبحانه وتعالى لما يقولُ: "حُرِّمَتْ عليكم أمَّهاتكم وبناتكم وإخوانكم وعمَّاتكم وخالاتكم .." سورة، وذكر المحرَّمات مِنَ النّساء، قالَ: "وأحِلَّ لكم ما وراءَ ذلك" سورة،
لما قالَ الله تعالى: "حُرِّمَتْ عليكمُ الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ وما أهِلَّ لغيرِ الله به والمنخنقةُ والموقوذةُ والمتردِّيةُ والنَّطيحةُ" ، قالَ: "قلْ أحِلَّ لكمُ الطَّيِّبات" سورة، فالله تباركَ وتعالى يُعطيكَ البديلَ، لما يقولُ لك هذا حرامٌ يقولُ لك البديل الحلال، يعطيكَ البديلَ، ونحن الآن لما نقول لهم هذا غلط .. هذه حرام .. هذه لا تشوفوها .. هذه لا تسمعها ..
طيِّب ماذا أسمعُ؟ أعطني البديلَ ..
فلا بدَّ أنْ تبحثَ له عنْ بديلٍ .. اتعبْ قليلاً في البحثِ عنِ البديلِ حتى توصله له.
هذه تقريباً بعضُ الأمورِ التي خطرتْ في خاطري وأردتُ أنْ أبثَّها لكم، ولا شكَّ أنَّ الكثيرين منكم عنده مِنَ المعلوماتِ أكثر مني ولكنْ هكذا اختارَ إخوانكم أنْ أكونَ أنا في هذا المكانِ، ولعلَّ غيري إنْ شاءَ الله الآن يُثري الجلسةَ سواء بتجارب مرَّ بها أو سمعَها أو أشياء قرأها أو عَلِمَها ..
والله أعلى وأعلمُ، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ
تم تفريغ الدروس بواسطة الأخوات
فاعلة خير و نازك و عبق
شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:
عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله