مقالات وفتاوى / شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

وضع القراءة

جاري التحميل

-
وقت القراءة التقريبي: 1 دقيقة
صفحة 1شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

شمائل السِّبطين رضيَ الله عنهما وعن سائرِ الصَّحابةِ

فضيلة الشَّيخ عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله

الحمدُ للهِ ربِّ لعالمين، مالكِ يومِ الدِّينِ، الحمدُ لله حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا و يرضى، الحمدُ لله مِلْءَ السَّمواتِ و مِلْءَ الأرضِ و مِلْءَ ما بينهما و مِلْءَ ما شاءَ مِنْ شيءٍ بعد، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين؛ نبيِّنا وإمامِنا وحبيبِنا وقُرَّةِ عينِنا وسيِّدنا محمَّد بنِ عبدِ الله وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ الله تباركَ وتعالى قالَ في كتابهِ العزيزِ: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) " سورة الفتح.

صفحة 2شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

ويقولُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الذين يَلُونهم، ثمَّ الذين يَلُونهم"

وهذه الآيةُ وهذا الحديثُ في مَنْ نالَ شَرَفَ الصُّحْبَةِ.

ويقولُ الله تباركَ وتعالى في كتابهِ العزيزِ: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) " سورة الأحزاب.

ويقولُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابهِ: "أذكِّركمُ الله أهلَ بيتي، أذكِّركمُ الله أهلَ بيتي، أذكِّركمُ الله أهلَ بيتي" .

وهذا الحديثُ وهذه الآيةُ جاءتْ فيم َنْ نالَ شَرَفَ القرابةِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فكيف بمَنْ جمعَ الشَّرفينِ؟

جمعَ شَرَفَ الصُّحْبَةِ و شَرَفَ القرابةِ!!

شرَّفه الله تباركَ وتعالى بأنْ صَحِبَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، و شرَّفه الله تباركَ وتعالى بأنْ كانَ مِنْ قرابةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بل مِنْ أخصِّ وأقربِ النَّاسِ بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

إنَّ حديثَنا في هذه اللَّيلةِ التي أسالُ الله تباركَ وتعالى أنْ يجعلَها مباركةً عن أناسٍ قالَ فيهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: " إنَّ الله

صفحة 3شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

اصطفى كنانةَ مِنْ وَلَدِ إسماعيلَ، واصطفى قريشاً مِنْ كنانة، واصطفى بني هاشم مِنْ قريش، واصطفاني مِنْ بني هاشم ".

فالنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم اصطفاه الله مِنْ بني هاشم، واصطفى الله بني هاشم على سائرِ الخَلْقِ.

حديثُنا عن رجلينِ هما مِنْ بني هاشم، وهما مِنْ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بل هما مِنْ ذُرِّيةِ النَّبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

إنَّ حديثَنا عن السِّبطينِ ..

إنَّ حديثَنا عن شخصينِ كانا يقولانِ لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا أبتِ، ويقولُ الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم عنهما:" إنهما ابناي "

إنَّ حديثَنا عن الحسنِ و الحسينِ رضيَ الله عنهما

وإنْ كانَ كلُّ واحدٍ منهما رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما يمكنُ أنْ يُفْرَدَ له موضوعٌ لوحدهِ، وأنْ يكونَ موضوع عن الحسنِ وموضوع عن الحسينِ، لكنْ لما كانتْ أكثرُ شمائلهما مشتركة لذلك ناسبَ أنْ نجعلَهما في موضوعٍ واحدٍ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما وأرضاهما.

صفحة 4شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

ولذلك نبدأ بشمائلِهما معاً، أي فيما وَرَدَ في شأنِ هذين الصَّحابيَّينِ الجليلينِ معاً.

*- جاءَ رجلٌ مِنْ أهلِ العراقِ إلى عبدِ الله بنِ عمرَ يسألُه عن قتلِ المحرمِ الذُّبابَ في المسجدِ هل يجوزُ أو لا يجوزُ؟

فقالَ له عبدُ الله بنُ عمرَ: مِنْ أينَ أنتَ؟

قالَ: أنا مِنْ أهلِ العراقِ.

فقالَ له عبدُ الله بنُ عمرَ: عجبتُ لكم يا أهلَ العراقِ!! تقتلونَ ابنَ بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتسألون عن قتلِ الذُّبابِ في المسجدِ؟؟!!!

ما هذا الأمرُ الغريبُ؟؟!!

تقتلونَ ابنَ بنتِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو الحسين - وتسألون عن قتلِ الذُّبابِ في المسجدِ، وقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ عن الحسن والحسين: "هما ريحانتايَ مِنَ الدُّنيا" وهذا الحديثُ أخرجَه البخاريُّ في صحيحهِ.

*- ولما أرادَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُباهلَ أهلَ نجرانَ؛ وذلك أنَّ أهلَ نجران كانوا على النَّصرانيَّةِ، فجاؤوا وناقشوا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وناظروه في موضوعِ عيسى بنِ مريم

صفحة 5شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

عليه السَّلامُ، و بيَّن لهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عقيدةَ المسلمين في عيسى بنِ مريم، وأنزلَ الله تباركَ وتعالى الآياتِ في قولهِ جلَّ وعلا: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) " سورة آل عمران، و بيَّن مكانةَ مريم ومكانةَ عيسى عند الله جلَّ وعلا و في كتابِ الله جلَّ وعلا سبحانه وتعالى، فرفضوا .. عندها قالَ الله تباركَ وتعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم: "فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) " سورة آل عمران.

فقالَ نصارى نجران: نعم، نبتهلُ.

وأرادوا أنْ يُباهلوا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاءَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه مِنَ الغدِ ليُباهلَ أهلَ نجران اتِّباعاً لقولِ الله تباركَ وتعالى: "فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ" ، فجاءَ بالحسن والحسين وبفاطمةَ وبعليٍّ ليُباهلَ بهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

فلمَّا رأى أهلُ نجران الجِدَّ عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خافوا، ثم امتنعوا عن مباهلتهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

صفحة 6شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

*- الحسن والحسين؛ كانَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً في بيتِ عائشةَ رضيَ الله عنها، فجاءتْ فاطمةُ وعليٌّ، فقرَّبهما النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم غطَّاهما بكساءٍ - عباءة، بشت - ثم جاءَ الحسنُ ودخلَ، ثم جاءَ الحسينُ ودخلَ، فعمَّمهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالكساءِ، عَمَّمَ هؤلاء الأربعة بالكساءِ ثم قرأ قولَ الله تباركَ وتعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" .

ثم قالَ لهم: "هؤلاء أهلُ بيتي، اللَّهمَّ أذهبْ عنهمُ الرِّجْسَ و طهِّرهمْ تطهيراً" .

*- الحسن والحسين يكفيهما شَرَفاً قولُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "مَنْ أحبَّهما أحبَّني، و مَنْ أبغضَهما أبغضني" .

وتصوَّروا إنساناً يحبُّ النَّبيَّ أو إنساناً يبغضُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا أخرجَه أحمدُ في مُسْندهِ.

*- ويقولُ شدَّاد بنُ أوس إنه صلَّى خلفَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً، فلمَّا سجدَ أطالَ السُّجودَ حتى خشيتُ أنْ يكونَ وقعَ شيءٌ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

صفحة 7شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

سجدوا مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم

يقولُ: لكنَّ السُّجودَ طالَ .. فخشيتُ أنْ يكونَ حصلَ شيءٌ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فرفعتُ رأسي لأنظرَ ماذا حدثَ .. فرفعتُ رأسي فإذا النَّبيُّ ساجدٌ والحسنُ أو الحسينُ قد ارتحلَه.

يعني صعدَ على ظهرِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ساجدٌ - مثل هذا الطفل الصَّغير الآن يأتي ويصعدُ على ظهرِ الإمامِ -

يقولُ: فإذا الحسنُ أو الحسينُ قد ارتحلَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فسجدتُ مرَّةً ثانيةً، فلمَّا قضى الصَّلاةَ ..

طبعاً باقي الصَّحابة ما رفعوا رؤوسَهم ولا يعلمون السَّببَ الذي مِنْ أجلهِ أطالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم السُّجودَ.

فقالوا له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الصَّلَاةِ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ!!

قَالَ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ!!"

- يعني بالله عليكم لو فعلَها الإمامُ اليومَ، وسجدَ وأطالَ السُّجودَ ثم بعد ذلك واحد رفعَ رأسه وشاف ولدَه على ظهرهِ ما يقوم يضرب الإمام الآن؟؟ ويقولُ: جايب ولدك المسجد هنا!! نحن جايين نصلِّي وإلا جايين نلعب نحن -.

صفحة 8شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

لكنْ شوفوا الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف يتعاملُ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه

يقولُ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ!!" حتى ما أسقطَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم مِنْ ظهرهِ، والحسن كانَ صغيراً والحسين كانَ صغيراً، يعني توفِّي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم والحسنُ له مِنَ العمرِ سبع سنواتٍ والحسين سِتّ سنواتٍ، يعني في هذه الحادثةِ عمره أربع سنواتٍ، فعندنا الشَّاهدُ مِنْ هذا قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ" .

*- وكذلك جاءَ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قالَ: "الحسنُ والحسينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة" ، وهذا أخرجَه التِّرمذيُّ وأحمدُ و غيرهما.

*- وكانَ صلواتُ ربِّي وسلامُه يعوِّذ الحسنَ والحسينَ، ويقولُ: "أعيذكما بما كانَ يعيذُ به إبراهيمُ إسماعيلَ وإسحاقَ" ، ثم يقولُ: "أعيذُكما بكلماتِ الله التَّامَّةِ مِنْ كلِّ شيطانٍ وهامَّة، ومِنْ كلِّ عينٍ لامَّة" ، فكانَ كلَّ يومٍ ينادي الحسنَ

صفحة 9شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

والحسينَ ويقرأ عليهما هذا الذِّكْر صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

*- ولما سألَ الصَّحابةُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عندما نزلَ قولُ الله جلَّ وعلا: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) " سورة الأحزاب، صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

فجاءَ الصَّحابةُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: قد عَلِمْنا كيفَ نسلِّم عليكَ فكيف نصلِّي عليكَ؟

فقالَ: "قولوا اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم، اللَّهمَّ باركْ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد كما باركتَ على آلِ إبراهيم"

وفي روايةٍ أنه قالَ: "اللَّهم صَلِّ على محمَّدٍ وعلى أزواجهِ وذُرِّيتهِ" ، وأخصُّ هؤلاء لا شكَّ الحسنُ والحسينُ.

*- وكذا عندما قالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابهِ يوماً: "أذكِّركمُ الله أهلَ بيتي، أذكِّركمُ الله أهلَ بيتي، أذكِّركمُ الله أهلَ بيتي" فإنَّ أوَّلَ أهلِ بيتهِ يدخلُ فيهم الحسن والحسين رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما.

صفحة 10شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

ونبدأ مشوارنا هذا وحديثَنا هذا مع

الحسن لأنه الأكبرُ و الأفضلُ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما جميعاً.

الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله عنه أبو محمَّد؛ سِبْطُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم و ريحانتُه و شبيهُه، وكانَ خامسَ الخلفاءِ الرَّاشدين، و رابعَ أهل الكساء.

كانَ خامسَ الخلفاءِ الرَّاشدين؛ حيثُ استلمَ الخلافةَ بعد أبيهِ عليٍّ رضيَ الله عنه، وسنتكلَّم عن هذا.

وُلِدَ الحسنُ بنُ عليٍّ في السَّنةِ الثَّالثةِ مِنَ الهجرةِ، يعني بعد زواج عليٍّ بِسَنَةٍ، لأنَّ عليّاً تزوَّج فاطمةَ في السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهجرةِ، وفي السَّنةِ الثَّالثةِ أنجبتْ فاطمةُ الحسنَ ابنَها، والمشهورُ أنَّ عليّاً رضيَ الله عنه أرادَ أنْ يُسَمِّيَ الحسنَ حَرْباً.

فلمَّا جاءَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ: ما أسميتَه؟

قالَ: أسميتُه حَرْباً

فقالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بل هو حَسَن.

وكذا لما وُلِدَ الحسينُ سمَّاه عليٌّ حَرْباً.

فقالَ له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ما أسميتَه؟

صفحة 11شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

قالَ: حَرْباً.

قالَ: لا، بل هو حسين.

هذ هو المشهورُ.

ولما وُلِدَ الحسنُ سمَّاه النبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم كما قلنا وحنَّكه، و (التَّحنيك) هو أنْ يأخذَ التَّمرةَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ثم يمضغُها و يخرجُ طَعَامتَها ويديرُها في فمهِ، ثم يخرجُها ويجعلُها في فمِ الطِّفلِ أوِ الرَّضيعِ الذي وُلِدَ، ففعلَ النَّبيُّ هذا بالحسنِ وفعلَ هذا بالحسينِ، ثم عَقَّ عنهما .. عَقَّ عن الحسنِ و عَقَّ عن الحسينِ، و عَقَّ عن الحسنِ بكبشٍ، ويجوزُ أنْ يُعَقَّ عن الذَّكَرِ بكبشٍ، ويجوزُ أنْ يُعَقَّ عنه بكبشين، يعني الإنسانُ إذا وُلِدَ له ذَكَرٌ يعقُّ شاتين، وتكفي واحدةٌ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَقَّ عن الحسنِ بشاةٍ واحدةٍ، و إنْ عَقَّ بشاتين فهذا أفضلُ، لكن شاة تكفي كما فعلَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالحسنِ والحسينِ.

*- كانَ الحسنُ رضيَ الله عنه أشبهَ النَّاسِ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لا يوجدُ إنسانٌ يشبهُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم

صفحة 12شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

كما يشبهُ الحسنُ النَّبيَّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه، وكانَ وسيماً .. جميلاً .. ديِّناً .. وَرِعاً .. جواداً .. شجاعاً رضيَ الله عنه وأرضاه.

*- جاءَه عليٌّ يوماً فقالَ له يا بنيّ: إني أحبُّ أنْ أسمعَك وأنتَ تخطبُ.

فقالَ الحسنُ: يا أبتي إني أستحيي أنْ أخطبَ وأنا أراكَ.

فقالَ له عليٌّ: لنْ تراني.

فجاءَ في يومٍ فكانَ بين النَّاسِ حيثُ لا يراه الحسنُ، فقامَ الحسنُ وخطبَ النَّاسَ خطبةً بليغةً فصيحةً، فلمَّا قضى قالَ عليٌّ رضيَ الله عنه بعد أنْ أعجِبَ بما تلفَّظَ به الحسنُ،

قالَ: "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) " سورة آل عمران.

*- الحسنُ رضيَ الله عنه وأرضاه سمعَ رجلاً يوماً يقولُ: اللَّهمَّ إني أسألُك عشرةَ آلافِ درهم.

يطلبُ الله مالاً

قالَ: اللَّهمَّ إني أسألُك عشرةَ آلافِ درهم.

صفحة 13شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

فنادى خادمَه وقالَ: أعطهِ عشرةَ آلافِ درهم.

مجرَّد أنْ سمعَه يدعو الله بذلك.

*- وقاسمَ الله مالَه ثلاثَ مرَّاتٍ في حياتهِ، يعني يأتي يحسبُ كم عنده مِنَ المال؛ مئة ألف مثلاً، خمسون ألفاً يتصدَّق بها.

ثلاث مرَّات صنعَها، يقسمُ مالَه بالنِّصف، نصفٌ له ونصفٌ لله سبحانه وتعالى

ومرَّتان بذلَ مالَه كلَّه لله رضيَ الله عنه وأرضاه، وكانَ مشهوراً بالكرمِ رضيَ الله عنه وأرضاه، وكيف لا و جدُّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأبوه عليٌّ، وأمُّه فاطمةُ، رضيَ الله عنهم.

*- حجَّ الحسنُ بنُ عليٍّ خمساً وعشرين مرَّةً، وقيلَ إنَّ هذه الحجَّات حجَّها كلَّها مشياً على الأقدامِ رضيَ الله عنه، يعني خرجَ مِنَ المدينةِ إلى مكَّةَ مشياً على الأقدامِ رضيَ الله عنه، على كلِّ حالٍ الشَّاهد أنه حَجَّ خمساً وعشرين مرَّةً لله جلَّ وعلا.

صفحة 14شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

*- بعد أنِ استُشهدَ عليٌّ رضيَ الله عنه استُخلِفَ الحسن سنة أربعين مِنَ الهجرةِ في رمضانَ، وظلَّ خليفةً على المسلمين لمدَّةِ سِتَّة أشهر أو سبعة أشهر، وفي ربيع الأوَّلَ تنازلَ لمعاويةَ مِصْدَاقاً لقولِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "الخلافةُ بعدي ثلاثون سنة" .

وفي روايةٍ: "خلافةُ النُّبوَّةِ ثلاثون سنةً، ثم يُؤتي الله مُلْكَهُ مَنْ يشاءُ"

ولو حسبناها مِنْ وفاةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تنازلِ الحسنِ لوجدناها ثلاثين سنةً بالتَّمامِ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم توفِّي في ربيعِ الأوَّل سنة إحدى عشرة مِنَ الهجرةِ، والحسنُ تنازلَ سنةَ إحدى وأربعين في ربيع الأوَّل، فهي ثلاثون سنةً، وهذا دليلٌ على صِدْقِ نبوَّةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حيثُ أخبرَ بهذا الأمرِ.

لما بُوْيِعَ الحسنُ وكانَ كارهاً للقتالِ الذي وقعَ بين عليٍّ رضيَ الله عنه و باقي الصَّحابةِ في الجملِ مع الزُّبير وطلحة؛ أو في صِفِّين مع معاويةَ؛ كانَ الحسنُ كارهاً لهذا القتالِ، ولكنه ما كانَ يملكُ أنْ يتَّخذَ القرارَ لأنَّ القرارَ كانَ مع عليٍّ رضيَ الله عنه.

صفحة 15شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

ولما رأى عليٌّ القتلَ في صِفِّين تضايقَ وحزنَ وندمَ على ما حدثَ فقالَ له الحسنُ: يا أبتي، كنتُ قد نهيتك.

يعني عن القتالِ.

فقالَ عليٌّ رضيَ الله عنه: ما كنتُ أظنُّ أنَّ الأمرَ سيصلُ إلى هذا.

ولذلك بمجرَّد أنِ استُشهدَ عليٌّ رضيَ الله عنه وكانتِ الخلافةُ للحسنِ صالحَ معاويةَ، وتنازلَ عن الخلافةِ، وتركَ الدُّنيا لله سبحانه وتعالى

ولذلك جاءَ في الحديثِ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قالَ عن الحسنِ يوماً: "إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، ولعلَّ الله أنْ يُصْلِحَ به بين طائفتين مِنَ المسلمينَ" ، وفعلاً وقعَ هذا في زمنِ الحسنِ بنِ عليٍّ وعلى يدهِ رضيَ الله عنه وأرضاه.

*- توفِّي الحسنُ صغيراً سنةَ تسعٍ وأربعين مِنَ الهجرةِ و له مِنَ العمرِ ستٌّ وأربعون سنةً، والمشهورُ أنه توفِّي بالسُّمِّ .. أنه شربَ السُّمَّ وتوفِّي

وكانَ لما أصِيبَ بالسُّمِّ قالَ: إني لفظتُ شيئاً مِنْ كَبِدِي، فكانَ الدَّم فلم أتجرَّع سمّاً مثلَ هذا.

صفحة 16شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

ثم توفِّي رضيَ الله عنه وأرضاه، وصلَّى عليه أميرُ المدينةِ سعيدُ بنُ العاصِ، ودُفِنَ رضيَ الله عنه وأرضاه في البقيعِ، و قضى ما كانَ عليه رضيَ الله عنه وأرضاه.

*- أمَّا فضائلُه رضيَ الله عنه وأرضاه

*- فجاءَ عن أنسٍ أنه قالَ: لم يكنْ أحدٌ أشبهَ برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الحسن. وهذا أخرجه البخاريُّ في صحيحهِ.

*- وكانَ أبو بكر رضيَ الله عنه يوماً مع عليّ بنِ أبي طالب فمرُّوا بالحسنِ؛ فأخذَ أبو بكر الحسنَ فقبَّله وقالَ:

بأبي شبيهٌ بالنَّبيّ .. ليسَ شبيهاً بعليّ.

والمشهورُ عند أهلِ السِّيَرِ أنَّ الحسنَ يُشبهُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ سُرَّتِهِ إلى رأسهِ، والحسينَ يُشبهُ النَّبيَّ مِنْ أسفل، يعني الحسن أكثر شبهاً بالنَّبيِّ مِنْ حيثُ الوجهِ، والحسين أكثر شبهاً بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ أسفل، لكنْ على كلِّ حالٍ كلاهما كانَ يُشبهُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكنَّ الحسنَ كانَ أكثرَ شَبَهاً بالنَّبيِّ، بل هو أكثرُ الأسباط شبهاً بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

صفحة 17شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

*- يقولُ أسامةُ: حملني النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً والحسن وقالَ: "اللَّهمَّ إني أحبُّهما فأحبَّهما" ، وهذا أخرجَه البخاريُّ أيضاً في صحيحهِ.

*- وقالَ يوماً عن الحسن: "اللَّهمَّ إني أحبُّه فأحبَّه وأحبَّ مَنْ يحبُّه" ، وهذا أخرجَه البخاريُّ و مسلمُ في صحيحيهما.

*- وكانَ يوماً النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً ودخلَ عليه الأقرعُ بنُ حابس - وهو مِنْ كبارِ مشيخةِ بني تميم - فدخلَ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاءَ الحسنُ فألقى بنفسهِ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخذَه النَّبيُّ يُلاعبُه، ثم قبَّله صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

فقالَ الأقرعُ بنُ حابس مستنكراً، يقولُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أ تقبِّلون أولادَكم؟؟

قالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: نعم، نقبِّل أولادَنا.

فقالَ الأقرعُ بنُ حابس: عندي عشرةٌ مِنَ الولدِ ما قبَّلتُ واحداً منهم.

صفحة 18شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

فقالَ له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "وماذا أصنعُ أنْ نزعَ الله الرَّحمةَ مِنْ قلبِك، مَنْ لا يرحم لا يُرْحَم" ، وهذا أخرجَه البخاريُّ و مسلمُ في صحيحيهما.

*- جاءَ يوماً أبو هريرةَ إلى الحسنِ بنِ عليّ رضيَ الله عنهم

ثم قالَ له: يا أبا محمَّد، أريدُ أنْ أسألكَ شيئاً؟

قالَ: ماذا تريدُ؟

قالَ: اكشفْ لي عن بطنِك.

قالَ: وماذا تريدُ؟

قالَ: اكشفْ لي عن بطنِك.

فكشفَ له عن بطنهِ، فقامَ و قبَّل سُرَّته.

فقالَ له الحسنُ: ما هذا؟

قالَ: رأيتُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقبِّلك في هذا المكانِ فأردتُ أنْ أقبِّلَ مُقَبَّلَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

*- وكذلك رآه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً فقالَ: "هذا مني"

ثم نظرَ إلى الحسين وقالَ: "وحسين مِنْ عليّ" .

صفحة 19شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

يعني هذا أقربُ إليَّ شَبَهاً والحسينُ أقربُ شَبَهاً بعليٍّ

*- ولما توفِّي رضيَ الله عنه وأرضاه كانَ أبو هريرةَ يمرُّ على النَّاسِ في المدينةِ ويقولُ: أيها النَّاسُ اليومَ ماتَ حِبُّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فابكُوا. وهذا أخرجَه أحمدُ في مسنده.

*- الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ الله عنه له ميزةٌ وهي أنَّ الله تباركَ و تعالى جمعَ كلمةَ المسلمين بعد تفرُّقِها على يدِ هذا الرَّجلِ رضيَ الله عنه وأرضاه.

أمَّا أخوه الحسينُ فهو أيضاً سِبْطُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وريحانتُه مِنَ الدُّنيا، وشبيهُه، وهو الشَّهيدُ السَّعيدُ رضيَ الله عنه وأرضاه، وهو خامسُ أهلِ الكساءِ.

جميعُ الشَّمائلِ التي ذكرناها لهما (للحسن والحسين)

*- الحسينُ وُلِدَ في السَّنةِ الرَّابعةِ مِنَ الهجرةِ، والمشهورُ أيضاً أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سمَّاه وحنَّكه و عَقَّ عنه صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

صفحة 20شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

*- وكانَ الحسينُ رضيَ الله عنه شجاعاً مقداماً؛ بل كانَ ليثاً في ثيابِ آدميٍّ رضيَ الله عنه وأرضاه.

*- قالَ له عمرُ يوماً: لماذا لا تأتينا؟! أحبُّ أنْ أراكَ.

لماذا لا تأتينا و تزورنا؟؟

فقالَ: أفعلُ ...

فجاءَ يوماً ليزورَ عمرَ أيَّامَ خلافةِ عمر

فقيلَ له: إنَّ عمرَ الآنَ خالٍ بمعاويةَ.

يعني يكلِّمه، وكانَ معاويةُ مِنَ الولاةِ، و وجدَ عبدَ الله بنَ عمرَ على البابِ ينتظرُ فانتظرَ معه، فلمَّا طالَ الوقتُ ولم يُؤذنْ لعبدِ الله بنِ عمرَ انصرفَ الحسينُ وانصرفَ عبدُ الله بنُ عمرَ.

فرآه عمرُ بعد ذلك فقالَ له: أ لم أقلْ لماذا لا تأتينا و تزورنا؟

قالَ: بلى.

قالَ: فلمَ لم تأتِ؟؟!!

قالَ: أتيتُ و وجدتك خالٍ بمعاويةَ، و وجدتُ ابنَ عمرَ عند البابِ، فلم يُؤذنْ له، فقلتُ وأنا كذلك.

قالَ: لا .. أنتَ أحقُّ مِنِ ابنِ عمرَ أنْ يُؤذنَ لك، وهل أنبتَ هذا الشَّعرَ في رؤوسِنا بعد الله تباركَ وتعالى إلا أنتم.

صفحة 21شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

فهذا موقفُ عمرَ رضيَ الله عنه مِنِ الحسينِ بنِ عليٍّ رضيَ الله عنهما.

*- وكانَ عمرو بنُ العاص يوماً عند الكعبةِ فمرَّ الحسينُ بنُ عليٍّ، فلمَّا رآه عمرو بنُ العاص

قالَ: هذا أحبُّ أهلِ الأرضِ إلى أهلِ السَّماءِ اليومَ.

يقولُ هذا عن الحسينِ بنِ عليٍّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه. وهذا أخرجَه ابنُ سعد في الطَّبقات.

*- جاءَ عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً أنه قالَ عنه: "حسين مني وأنا مِنْ حسين" .

والجمعُ بين هذا وبين قولهِ: "الحسنُ مني وحسين مِنْ عليّ" أنه بمقارنةِ الحسن مع الحسين فالحسنُ أقربُ، ولكنْ في النَّظر إلى الحسين فهو مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى هديهِ وسنَّتهِ وطريقتهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

ثم قالَ: "أحبَّ الله مَنْ أحبَّ حسيناً، حسينُ سِبْطٌ مِنَ الأسباطِ" وهذا أخرجَه التِّرمذيُّ في جامعهِ.

صفحة 22شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

*- عاشَ الحسينُ بنُ عليٍّ بعد أخيهِ مُدَّةً، إذْ توفِّي الحسنُ سنةَ تسعٍ وأربعين بينما الحسينُ توفِّي سنةَ إحدى وستِّين، يعني عاشَ زيادةً على أخيهِ اثنتي عشرة سنةً.

بعد وفاةِ الحسن، واستمرَّتْ خلافةُ معاويةَ رضيَ الله عنه إلى سنةِ ستِّين مِنَ الهجرةِ، ولما ظنَّ معاويةُ أنه قد قَرُبَ يومُه وذلك قد بلغَ الثَّمانين مِنْ عمره جعلَ الخلافةَ لولدهِ يزيد بنِ معاويةَ، وطلبَ مِنَ النَّاسِ البيعةَ، فبايعَ بعضُ النَّاسِ و رفضَ آخرون.

فلما توفِّي معاويةُ رضيَ الله عنه أعلِنتِ البيعةُ ليزيدَ بنِ معاويةَ، فرفضَ اثنان، ما بايعا، وهما عبد الله بن الزُّبير والحسين بن عليّ، لم يبايعا ليزيد، ولكنهما لم يخرجا عليه ولم يصنعا شيئاً .. المهم أنهما رفضا البيعةَ، لأنَّ يزيدَ في ذلك الوقتِ لم يكنْ أكفأ النَّاسِ للخلافةِ، بل هناك الكثير ممَّنْ هم أكفأ مِنْ يزيد بنِ معاويةَ كـ (الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن العبَّاس، وعبد الله بن عمرو بن العاص ... وغيرهم كثير) ، كلُّ هؤلاء أولى بالخلافةِ مِنْ يزيدَ بنِ معاويةَ، لكنْ تمَّتِ البيعةُ ليزيدَ بنِ معاويةَ، فرفضَ الحسينُ أنْ يبايعَ، و رفضَ عبدُ الله بنُ الزُّبير أنْ يبايعَ.

عندها طلبَ يزيدُ مِنْ والي المدينةِ أنْ يجبرَهما على البيعةِ فرفضَا، فلمَّا شدَّد عليهما، شدَّد على عبدِ الله بنِ الزُّبير

صفحة 23شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

قالَ: تبايع؟

قالَ: إذا كانَ الأمرُ كذلك أنظرُ أمري غداً .. غداً أخبركم.

ولما كانَ مِنَ اللَّيلِ هربَ مِنَ المدينةِ إلى مكَّةَ.

فذهبوا إلى الحسينِ، وقالوا: بايع.

قالَ: إني لا أبايعُ سِرّاً.

قالوا: إذاً متى تبايع؟

قالَ: أنظرُ أمري غداً.

قالوا: لعلَّك تفعلُ كما فعلَ عبدُ الله بنُ الزُّبيرِ؟

يعني تهرب إلى مكَّةَ.

قالَ: أنظرُ أمري غداً.

وفعلاً لما كانَ مِنَ اللَّيلِ خرجَ الحسينُ خلفَ عبدِ الله بنِ الزُّبير إلى مكَّةَ

واستقرَّ الحسينُ وعبدُ الله بنُ الزُّبير في مكَّةَ، وكانَ والي مكَّةَ أعقلَ مِنْ والي المدينةِ فلم يجبرهما على البيعةِ وتركهما

سمعَ أهلُ العراقِ بأنَّ الحسينَ لم يبايعْ، وهم قد حدثَ بينهم قتالٌ بينهم وبين أهلِ الشَّامِ في معركةِ صِفِّين لما كانوا مع عليٍّ وأهل الشَّامِ مع معاويةَ.

صفحة 24شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

فأرسلوا إلى الحسين: تعالَ نبايعك، لا نريدُ يزيدَ، نبايعك أنت، فلمَّا تكاثرتِ الكُتُبُ حتى إنها تجاوزتِ الخمس مئة كتابٍ، كلُّها جاءتْ إلى الحسينِ بنِ عليٍّ تقولُ له: بايعناك .. بايعناك.

قرَّر أنْ يذهبَ إلى العراقِ .. إلى الكوفةِ، وحاولَ كثيرٌ مِنَ الصَّحابةِ كعبدِ الله بنِ عمر، وعبدِ الله بنِ العبَّاس، وجابر، وأبي سعيد، وغيرهم، وحتى حاولَ أخوه محمَّد، حاولوا أنْ يمنعوا الحسينَ مِنَ الخروج إلى العراقِ، ولكنه رفضَ و قرَّر أنْ يذهبَ إلى العراقِ.

وقدَّر الله تباركَ وتعالى أنْ يكونَ موتُه هناك في معركةٍ غيرِ متكافئةٍ يقالُ لها معركة الطَّفّ، وذلك في كربلاء، لما وصلَ الحسينُ إلى كربلاء وهو متَّجهٌ مِنْ مكَّةَ إلى الكوفةِ وصلَ إلى هذا المكانِ

فقالَ لهم: ما هذا المكانُ؟؟

قالوا: هذه كربلاء.

فقالَ: كربٌ و بلاء.

وفعلاً وقعَ الكربُ والبلاءُ هناك، وحصلَ القتلُ للحسينِ رضيَ الله عنه وأرضاه مِنَ الذين دَعَوْهُ، الذين قالوا له تعالَ

صفحة 25شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

نبايعك، هم الذين خرجوا عليه وقتلوه شهيداً سعيداً رضيَ الله عنه وأرضاه.

وذهبتْ هذه النّسمةُ الطَّيِّبةُ .. نسمةُ الحسين بنِ عليٍّ رضيَ الله عنهما إلى خالقِها وبارئِها سبحانه وتعالى، حيثُ استشهدَ في العاشرِ مِنْ محرَّم سنةَ إحدى وستِّين مِنَ الهجرةِ.

توفِّي الحسينُ بنُ عليٍّ رضيَ الله عنه، ولا يُعْلَمُ قبرُه لأنه قُتِلَ في هذه المدينةِ التي هي كربٌ و بلاء، ثم حُزَّ رأسُه رضيَ الله عنه، وأخِذَ إلى الكوفةِ، بينما هو جسدُه ظَلَّ في كربٍ و بلاء، ودُفِنَ هناك، ولا يُعْلَمُ قبرُه رضيَ الله عنه.

يقولُ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما: رأيتُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المنامِ وإذا هو بنصفِ النَّهارِ أشعث أغبر.

أي النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، يعني شعره أشعث و مغبرّ فاستغربَ ابنُ عبَّاسٍ مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

قالَ: و معه قارورةٌ يلتقطُ فيها دماً.

فقلتُ: يا رسولَ الله، ما هذا؟؟

يعني الأمر غريب جدّاً!! أنتَ يا رسولَ الله أشعثُ وأغبرُ في وسطِ النَّهارِ، معك قارورة تلتقطُ فيها دماً!!

صفحة 26شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

هذه رؤيا منام، ولكنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: "مَنْ رآني في المنام فقد رآني" .

وابنُ عبَّاسٍ أعلمُ النَّاسِ بصفةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو قد رأى النَّبيَّ حقّاً صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقالَ: ما هذا يا رسولَ الله؟

قالَ: "هذا دمُ الحسين وأصحابه ألتقطُه منذ اليوم" صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

حتى قالتْ أمُّ سلمةَ رضيَ الله عنها: "سمعتُ الجِنَّ تنوحُ على الحسين" .

يعني سمعتُ الجِنَّ تبكي على الحسين رضيَ الله عنه يومَ مقتلهِ.

وتوفِّي الحسينُ رضيَ الله عنه و لحقَ بأخيهِ الحسن و بأبيه عليّ و بجدِّه رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم جمعَهمُ الله تباركَ وتعالى جنَّات النَّعيم، وجمعنا وإيَّاكم معهم في مقعدِ صِدْقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ، ولله أعلى وأعلم، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمَّد.

صفحة 27شمائل السبطين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة

تم تفريغ الدرس بواسطة الأخوات

فاعلة خير و نازك و عبق

شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:

عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله