مقالات وفتاوى / خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

وضع القراءة

جاري التحميل

-
وقت القراءة التقريبي: 1 دقيقة
صفحة 1خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه
خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

فضيلة الشيخ عثمان الخميس حفظه الله

السَّلامُ عليكم و رحمةُ الله و بركاته

الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مالكِ يومِ الدِّينِ، الحمدُ لله إلهِ الأوَّلينَ و الآخرينَ، الحمدُ لله خالقِ الخَلْقِ أجمعينَ، و الصَّلاةُ و السَّلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمينَ؛ نبيِّنا و إمامِنا و حبيبِنا و قُرَّةِ عينِنا محمَّد بنِ عبدِ الله وعلى آلهِ و صحابتهِ أجمعينَ، أمَّا بعدُ:

فحيَّاكنَّ الله تباركَ و تعالى، و جمعَنا و إياكنَّ في جنَّاتِ النَّعيمِ كما جمعَنا في هذا المكانِ - أعني في البالتوك أو هذه الغُرَفِ - و كما تباعدتِ الأوطانُ و تباعدتِ البيوتاتُ فإنَّ الله تباركَ و تعالى قد يَسَّرَ مِثْلَ هذه الأجهزةِ و هذه التِّقنيَّةِ بحيثُ يمكنُ الحديثُ مِنْ خلالِها و إيصال المعلوماتِ و التَّواصلِ و التَّواصي بالحقِّ.

أقولُ باركَ الله فيكنَّ و نفعكنَّ و سدَّد على الخيرِ خطاكنَّ؛ إنَّ الله تباركَ وتعالى أرسلَ أنبياءَه لغايةٍ عظيمةٍ ألا و هي الدَّعوة إلى الله تباركَ و تعالى، وقد قامَ الأنبياءُ صلواتُ ربِّي و سلامُه عليهم أجمعينَ بما أمرَهمُ الله تباركَ و تعالى بما أمَرَهم به على أكملِ الوجوهِ، و لذلك أمرَ الله نبيَّه محمَّداً صلَّى الله عليه و سلَّم أنْ يسيرَ على خطاهم فقالَ سبحانه و تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ... (٩٠) " سورة الأنعام.

صفحة 2خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

كثيراً ما أطالعُ في سيرةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم، و ذلك أنَّ قراءةَ سيرةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم إضافةً إلى تقويةِ الإيمانِ و إلى معرفةِ أخبارِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه و سلَّم و غير ذلك مِنَ الأمورِ الطَّيِّبةِ المباركةِ التي يحصِّلها الإنسانُ مِنْ خلالِ مطالعةِ سيرةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم، أقولُ: و لكنَّها - أعني هذه السِّيرة - عندما أقرأ فيها فإنني أشعرُ كأنني تزوَّدتُ بالوقودِ، و أعطتني دافعاً أكثر لكي أستمرّ في الدَّعوةِ إلى الله تباركَ و تعالى و السَّير على خُطَى الرَّسولِ صلَّى الله عليه و سلَّم و خطى أصحابهِ و مَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ.

كثيراً ما أقفُ عند رحلةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم إلى الطَّائفِ و حِرْصِه على إيصالِ الخيرِ .. إيصال هذا الدِّينِ العظيمِ، و مَنْ سلكتْ منكنَّ طريقَ الطَّائفِ مِنْ مكَّةَ إلى الطَّائفِ و مِنَ الطَّائفِ إلى مكَّةَ تعرفُ وعورةَ هذا الطَّريقِ، و كيف أنه طريقٌ جبليٌّ، نحن الآن في السَّيَّاراتِ نقطعُ هذا الطَّريقَ و نجدُ شيئاً مِنَ المشقَّةِ؛ فكيف كانَ حالُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم و هو قد خرجَ مِنْ مكَّةَ إلى الطَّائفِ فقط لتبليغِ هذا الدِّينِ صلواتُ ربِّي و سلامُه عليه .. لا يريدُ شيئاً مِنْ أهلِ الطَّائفِ .. لا يريدُ مالاً .. لا يريدُ جاهاً .. لا يريدُ شيئاً .. يريدُ فقط أنْ يبلِّغَهم هذا الدِّين صلوتُ ربِّي و سلامُه عليه، و لا يخفى عليكنَّ جميعاً كيف قُوْبِلَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم بالصَّدِّ و النَّدِّ بل و الإيذاءِ مِنْ قِبَلِ أهلِ الطَّائفِ، فرجعَ مهموماً حزيناً مما وقعَ صلواتُ ربِّي و سلامُه عليه كما قالَ الله تباركَ و تعالى: "قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ (٣٣) " سورة الأنعام، فأكرمَه الله تباركَ و تعالى بأنْ أرسلَ إليه مَلَكَ الجبالِ فقالَ له: يا محمَّد! إنَّ الله قد سمعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لك، و أنا مَلَكُ الجبالِ. و قد بعثني ربُّك إليكَ لتأمرني بأمْرِكَ. فما شئتَ؟ إنْ شئتَ أنْ أطْبِقَ عليهمُ الأخشبينِ، أي جعلتُهم بين الجبلينِ، ثمَّ جمعتُ الجبلينِ أحدهما إلى الآخر

صفحة 3خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

فماتَ الجميعُ، إنْ شئتَ ذلك يا محمَّد، تُرَى ماذا قالَ بأبي هو و أمِّي صلواتُ الله و سلامُه عليه؟! قالَ: "بل أرجو أنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أصلابِهم مَنْ يعبد الله وحدَه، لا يُشْرِكُ به شيئاً" ، ليسوا هم و إنما يُخْرِجُ مِنْ أصلابِهم!! يعني النَّبيّ صلَّى الله عليه و سلَّم يقولُ: بل أتحمَّلهم و أتحمَّل الأذى و أستمرُّ في الدَّعوةِ إلى الله تباركَ و تعالى لعلَّ الله تباركَ و تعالى أنْ يُخْرِجَ مِنْ أصلابِهم حتَّى لو لم يُسْلِمُوا، حتَّى لو لم يستجيبوا "بل أرجو أنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أصلابِهم مَنْ يعبد الله وحدَه، لا يُشْرِكُ به شيئاً" .

إذاً النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم يحملُ هَمّاً .. يريدُ هدايةَ النَّاسِ .. يريدُ أنْ يدخلَ النَّاسُ الجنَّةَ .. يريدُ لهمُ الخيرَ صلواتُ ربِّي و سلامُه عليه.

أنا أقولُ: مَنْ مِنَّا قبلَ أنْ ينامَ يفكِّر بأمْرِ هذا الدِّينِ؟؟ يقلِّب جَنْبَه يميناً و يساراً، تُرَى ماذا قدَّمتُ لهذا الدِّينِ؟؟ ماذا أعطاني الله و ماذا أعطيتُ لهذا الدِّينِ؟؟ ماذا قدَّمتُ؟؟ عندما قالَ الله تباركَ و تعالى: "... إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ... (٧) " سورة محمَّد، تُرَى هل نصرتُ الله؟؟ هل نصرتُ الدِّينَ حتَّى ينصرني الله تباركَ و تعالى؟؟ بماذا أفكِّر؟؟

تصوَّرنَ باركَ الله فيكنَّ الذي همُّهُ الدِّينار و الدِّرهم .. الذي همُّه الدُّنيا قبلَ أنْ ينامَ بماذا يفكِّر؟؟ هل يفكِّر بصلاتهِ؟؟ هل يفكِّر بأصدقائهِ؟؟ هل يفكِّر بعملهِ؟؟ أو يفكِّر كيف يجمع الدِّينارَ و الدِّرْهَمَ؟؟ كيف يجمع الدُّنيا؟؟ لماذا؟؟ لأنَّ الدُّنيا هَمٌّ بالنِّسبةِ له!!

و هذا القلبُ الذي بين جوانحِنا فَطَرَهُ الله تباركَ و تعالى على قضيَّةٍ مهمَّةٍ جِدّاً ألا و هي أنه دائماً ينصرفُ إلى ما الهِمَّةُ منصرفةٌ إليه، هكذا قدَّر الله أنْ يكونَ القلبُ، القلبُ ينصرفُ إلى ما الهِمَّةُ منصرفةٌ إليه، فإذا كانتِ الهِمَّةُ الدُّنيا

صفحة 4خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

فالقلبُ للدُّنيا، إذا كانتِ الهِمَّةُ للآخرةِ فالقلبُ للآخرةِ .. هكذا ينصرفُ القلبُ إلى ما الهِمَّةُ منصرفةٌ إليه.

أهلُ الدُّنيا - كما قلتُ - إذا وَضَعُوا جنوبَهم في فُرُشِهم يفكِّرون في هذه الدُّنيا: كيف تُجْمَعُ؟ مِنْ أينَ؟؟ و إلى أينَ؟؟ أمَّا نحن فيجبُ علينا - و أقولُ يجبُ - أنْ تكونَ الدَّعوةُ هَمَّنا و شُغْلَنا الشَّاغِل .. يجبُ أنْ نحملَ هذا الهمَّ.

كم مِنَ النَّاسِ - باركَ الله فيكنَّ - ماتَ و لم يَبْلُغْه هذا الدِّينُ؟؟

حدَّثني بعضُهم - و لم أحضرْ هذه القِصَّةَ - أنه حَصَلَ في عُنَيْزَةَ، و هي مِنْ مُدُنِ القصيمِ، و هي مدينةُ شيخِنا ابنِ عثيمين رحمَه الله تباركَ و تعالى، و مدينةُ شيخهِ الشَّيخ ابن سعدي رحمَه الله تعالى؛ أنه زارَهم رجلٌ مِنْ أمريكا، وكانَ قد أسلمَ، فطلبوا منه أنْ يتكلَّم عنْ إسلامهِ كيف كانَ؟ فوافقَ، فلمَّا جاءَ إلى مكانِ إلقاءِ الدُّروسِ أو المنصَّةِ أو على الطَّاولةِ قالَ: بِشَرْطٍ. قالوا: وما شَرْطُكَ؟ قالَ: شَرْطِي أنْ تترجموا جميعَ ما أقولُ رضيتموه أو لم ترضَوه.

قالوا: نعم .. و ما المانعُ؟ نترجمُ جميعَ قَوْلِكَ، و كانَ هنالك حضورٌ. فقالَ: أبدأ؟ قالوا: ابدأ. فبدأ فقالَ: السَّلامُ عليكم أيها الظَّالمونَ؟ فسكتَ المترجمُ!! فقالَ: لماذا لا تترجمُ؟؟ فقالَ المترجمُ: هذه أوَّلها؟؟!! السَّلامُ عليكم أيها الظَّالمونَ!!! قالَ: إذاً لا أُكْمِلُ .. ترجمْ .. أنا اشترطتُ و أنتم وافقتم، فصارَ حديثٌ بينه و بين المترجمِ!! فقالَ الحضورُ: ما لكَ لا تترجمُ؟؟!! قالَ: قالَ كلمةً لا تنبغي. قالوا: ترجمْ، لا بأسَ .. نسمعُ. فقالَ: يقولُ: السَّلامُ عليكم أيها الظَّالمونَ!! قالوا: و عليكَ السَّلامُ و رحمةُ الله وبركاتُه .. أكملْ. فبدأ يُكْمِلُ. فقالَ: أنا قد مَنَّ الله عليَّ بأنْ أسلمتُ، وذلك فَضْلُ الله يُؤتيهِ مَنْ يشاءُ، فاللَّهمَّ لكَ الحمْدُ .. و لكنْ أنا أسألُكم سؤالاً: أمِّي و أبي ماتا على الكُفْرِ!! ماتا على النَّصرانيَّةِ!! مَنِ المسؤولُ؟؟

صفحة 5خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

أنتمُ المسؤولونَ .. أنتم تملكونَ هذا الدِّين .. نحن نملكُ هذه التكنولوجيا .. صَنَعْنا السَّيارات أتيانكم بها .. صَنَعْنا المكيِّفاتِ أتياناكم بها .. كلَّما صَنَعْنا شيئاً أتيناكم به .. أنتم تملكونَ هذا الدِّينَ العظيمَ و لم تبلِّغوه لنا!!! أنتم ظَلَمَةٌ .. أمِّي و أبي ماتا على الكُفْرِ، مَنِ المسؤولُ؟؟ أنتم المسؤولون .. أنتم قصَّرتم في دعوةِ أمِّي و أبي .. يقولُ: فصارَ يتكلَّم و يبكي حتَّى أبكى كثيراً مِنَ الحاضرينَ.

نعم .. مَنْ مِنَّا يحملُ هَمَّ إيصالِ هذا الدِّينِ؟؟ أنا الآن لا أتكلَّم عنكنَّ أنتنَّ .. أنتنَّ نساءٌ لا تملكْنَ هذه القضيَّة .. قضيَّة السَّفَر لتبليغِ هذا الدِّينِ، لكنْ هل كلُّ واحدةٍ منكنَّ بلَّغتِ الدِّينَ لأهلِ بيتِها على الأقلّ؟ مَنْ منكنَّ أمُّها لا تُحْسِنُ الفاتحةَ أو جدَّتها؟؟ أو لا تُحْسِنُ التَّشهُّدَ أو لا تُحْسِنُ الصَّلاةَ؟؟ أو قريبتها مِنْ عمَّةٍ أو خالةٍ أو غير ذلك؟؟ أو بنت عمّ و بنت خال، و قامتْ إليها و نصحتها و ذكَّرتها بالله؟؟ مَنْ مِنَّا قامَ بدعوةِ بعضِ العمَّالِ أو الخدَمِ -سواء الخدم في المدارسِ أو الخدَم في العملِ أو الخدَم في البيوتِ - و صارَ يبلِّغهم هذا الدِّين و يدعوهم إليه؟؟ مَنْ مِنَّا يحملُ هَمَّ هذا الدِّينِ؟؟ مَنْ مِنَّا قبلَ أنْ ينامَ يحاسبُ نفسَه .. تُرَى ماذا قدَّم لي الله و ماذا قدَّمتُ لهذا الدِّينِ؟؟ مَنْ مِنَّا يفعلُ شيئاً مِنْ ذلك؟؟.

أناسٌ نَذَرُوا حياتهم لهذا الدِّينِ و على رأسِهمُ الأنبياءُ صلواتُ ربِّي و سلامُه عليهم أجمعينَ .. نَذَرُوا أنفسَهم لهذا الدِّينِ، فماذا قدَّموا لهذا الدِّينِ؟؟ قدَّموا أنفسَهم و أوقاتهم و جهودَهم، و بذلوا الغالي و النَّفيسَ في سبيلِ هذا الدِّينِ العظيمِ، و أكرمَهمُ الله تباركَ و تعالى بحيثُ تقبَّل منهم دعوتهم و سدَّد على الخيرِ خطاهم، ثمَّ بعد ذلك أنالَهم جنَّته سبحانه و تعالى.

صفحة 6خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

ليسَ مِنَ الضَّروريِّ أنْ يهتديَ النَّاسُ بقولي أو قولكِ ولكنه مِنَ الضَّروريِّ أنْ نعتذرَ إلى الله تباركَ و تعالى و لو لم يستجبْ أحدٌ .. ألا نخشى أنْ نأتيَ يومَ القيامةِ ثمَّ يقولُ لنا الله تباركَ و تعالى: هل بلَّغتم؟؟ أ ليسَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم استشهدَ أصحابَه، قالَ: "ألا هل بلَّغت؟" قالوا: اللَّهمَّ نعم.

مَنْ مِنَّا الآن يجرؤ أنْ يجمعَ مَنْ يعرفُ و يقولُ: ألا هل بلَّغت؟ ثمَّ يشهدونَ له جميعاً و يقولونَ: نعم نشهدُ أنك قد بلَّغت. مَنْ مِنَّا يحصِّل مِثْلَ هذه الشَّهادةِ الطَّيِّبةِ المباركةِ؟؟ أنا لا أقولُ لا يوجدُ، لا .. الحمدُ لله هذه الأمَّةُ فيها خيرٌ عظيمٌ جِدّاً، و أنا أقولُها صراحةً لا مجاملةً: حضوركنَّ الآن و حرصكنَّ على تحصيلِ العِلْمِ و حضورِ الدُّروسِ هذا و الله دليلٌ كافٍ على أنكنَّ تحملْنَ هَمّاً، و أبشرْنَ بالخيرِ العميمِ و العظيمِ عند الله تباركَ و تعالى، و لكن الذي أريدُ أنْ أقولَ: هذا لا يكفي، و يجبُ على الإنسانِ دائماً رجلاً كانَ أو امرأةً أنْ يستشعرَ دائماً أنه مقصِّر، و أنه يحتاجُ إلى أنْ يزيدَ في هِمَّتهِ لعلَّ الله تباركَ و تعالى أنْ يرحمَنا إذا لقيناه.

هل تعلمْنَ أنَّ التَّبليغيِّينَ على ما عندهم مِنَ الأخطاءِ بِعَدَمِ اهتمامِهم بالعقيدةِ و كَثْرَة البِدَع و غير ذلك مِنَ الأمورِ قد أخذوا حقّاً مِنْ حقوقِنا نحن؟؟!! نعم .. حقّ لنا ضيَّعناه ثمَّ سلَّمناه لهم!! و نحن أولى بهذا منهم .. الدَّعوة إلى تباركَ و تعالى ..

أنا أتكلَّم عن نفسي و لا أتكلَّم عنكنَّ مع أنكنَّ أيضاً ملزمات بهذا، و لكنْ ليسَ الخروج و لكن الدَّعوة بشكلٍ عامٍّ إلى الله تباركَ و تعالى .. الدَّعوة إلى هذا الدِّينِ العظيمِ، نحن نعيبُ عليهم لا شكَّ ما هم عليه مِنَ الخطأ في العقيدةِ و عَدَمِ الاهتمامِ بأمورِ البِدَعِ، و غير ذلك مِنَ الأمورِ، بل قد يقعُ منهم

صفحة 7خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

كثيرٌ مِنَ الشِّركيَّاتِ و غير ذلك، و لكنْ في الوقتِ ذاته نحن نقصِّر!! نعم نقصِّر في الدَّعوةِ إلى الله تباركَ و تعالى.

لما تركنا نحن أهل ا لتَّوحيد .. نحن أهل السُّنَّةِ .. نحن أهل العِلْمِ .. نحن أهل الاتِّباع؛ لما تركنا ما أوجبَ الله تباركَ و تعالى علينا نالَه غيرُنا و أخذَه غيرُنا، و حَمَلَ الزِّمامَ الذي قصَّرنا نحن و تركناه!! أ لسنا أولى منهم بهذا؟؟ إي والله الذي لا إلهَ إلَّا هو نحن أولى بهذا منهم، ولكن لتقصيرِنا نالَ غيرُنا ذلك المكانَ و أخذَ تلك المنزلةَ.

إنَّ حَمْلَ هَمِّ هذا الدِّينِ لا يكفي أنْ يكونَ مجرَّد دعاوى!! الدَّعاوى سهلةٌ و رخيصةٌ و غيرُ مكلفةٍ و جهدُها قليلٌ .. و لكنَّ هذه الدَّعاوى تحتاجُ إلى بيِّناتٍ .. تحتاجُ إلى أنْ يصدِّقَه العملُ، و أعني بالعملِ العمل الجادّ .. أنْ يكونَ عمل جاد في الدَّعوةِ إلى الله تباركَ و تعالى.

إنَّ الأنبياءَ - كما قلتُ - قاموا بالواجبِ الذي عليهم و لم يقصِّروا جميعاً صلواتُ الله و سلامُه عليهم، ثمَّ جاءَ بعد الأنبياءِ الدُّعاةُ إلى الله تباركَ و تعالى - و أسالُ الله تباركَ و تعالى أنْ يجعلَنا و إياكنَّ و مَنْ يسمعُ مِنْ هؤلاء الدُّعاةِ - هؤلاء الدُّعاة هم الذين يحملونَ هَمَّ هذا الدِّينِ، و يحملُ هذا الدِّين عنْ كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، أسالُ الله أنْ يجعلَنا وإياكنَّ و مَنْ يسمعُ مِنْ عُدُولهِ، ممنْ يحملُ هَمَّ هذا الدِّينِ و هَمَّ تبليغه و إيصاله .. هذا الهمُّ لا يكفي حتَّى يصدِّقه العمل الجادّ، و أوَّل الطَّريقِ خطوةٌ، و هذه الخطوةُ تتمثَّل بِطَلَبِ العِلْمِ الشَّرعيِّ المؤصَّل .. أنْ نطلبَ العِلْمَ الشَّرعيَّ المؤصَّل ثمَّ بعد ذلك أنْ نعملَ بهذا العِلْمِ، وأنْ نبلِّغ هذا العِلْمَ، و أنْ نصبرَ على الأذى و على صَدِّ النَّاسِ و ندِّهم وابتعادِهم؛ بل و استهزائِهم و سخريتِهم و كلّ شيءٍ .. أنْ نصبرَ على هذا كلِّه و نحن نحملُ هَمَّ هذا الدِّينِ.

صفحة 8خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

حَمَلَ هذا الدِّينَ أصحابُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم فنشروه في أصقاعِ الدُّنيا، فجاهدوا في سبيلِ الله و بلَّغوا هذا الدِّينَ، و جاءَ الدُّعاةُ مِنْ بعدهم مِنَ التَّابعينَ و أتباعِ التَّابعينَ مِنَ الذين اتَّبعوهم بإحسانٍ فحملوا هَمَّ هذا الدِّينِ وبلَّغوه ... تُرَى أين نحن؟؟؟ أين نحن مِنْ تبليغِ هذا الدِّينِ؟؟ أين نحن مِنْ حَمْلِ هَمِّ هذا الدِّينِ؟؟

لنعلمَ جميعاً أنَّ الله تباركَ و تعالى غنيٌّ عنَّا .. والله الذي لا إلهَ إلَّا هو إنه غنيٌّ كما قالَ: "يا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا" ، و العكسُ صحيحٌ، لو أنَّ النَّاسَ جميعاً على أتقى قلبِ رجلٍ ما زادَ ذلك في ملكِ الله شيئاً سبحانه و تعالى .. لا تنفعُه طاعةٌ و لا تضرُّه معصيةٌ سبحانه و تعالى، الله هو الغنيُّ و نحن الفقراءُ، و الله حَمْلُ هذا هَمِّ الدِّينِ نحن محتاجون إليه، أمَّا الدِّينُ فغنيٌّ عنَّا، والله الذي لا إلهَ إلَّا هو غنيٌّ عنَّا .. ليسَ بحاجتِنا، نحن بحاجتهِ .. فإذا حملْنا هَمَّ هذا الدِّينِ غَنِمْنا في الدُّنيا براحةِ البالِ و السَّعادةِ و الاطمئنانِ كما قالَ بعضُ السَّلَفِ، قالَ رحمه الله تباركَ و تعالى و هو ابنُ شُبْرُمَة: "والله إننا نحملُ في قلوبِنا لسعادةً لو عَلِمَ بها الملوكُ لجالدونا عليها بالسُّيوفِ" . يجعلُها الله في قلبكِ، و يجعلُها في قلبي سبحانه و تعالى، فنحن نحتاجُ لهذا الدِّينِ لا أنَّ الدِّينَ محتاجٌ إلينا.

فأدعو نفسي و أدعوكنَّ أخواتي إلى أنْ نكونَ مشاعلَ نورٍ و مقباسَ هدايةٍ، نُوْصِلُ هذا الدِّين غَضّاً طَرِيّاً واضحاً بيِّناً سهلاً سمحاً؛ نبلِّغه النَّاسَ، و ننشرُه في أصقاعِ الدُّنيا.

إنْ كنتِ لم يكلِّفكِ الله تباركَ و تعالى بالخروجِ و الدَّعوةِ إلى الله تباركَ و تعالى فإنكِ تستطعينَ ذلك مِنْ خلالِ هذا الجهازِ المباركِ .. تستطيعينَ مِنْ خلالِ بَذْلِ

صفحة 9خاطرة عن من يحمل هم الدين بقلبه

المالِ .. تستطعينَ مِنْ خلالِ الدَّعوةِ إليه في محيطكِ و مجتمعكِ .. تستطعينَ مِنْ خلالِ دعوةٍ في السَّحَرِ .. و الله الذي لا إلهَ إلا هو تستطعينَ و لكنْ يحتاجُ الأمرُ إلى أنْ يكونَ الدِّينُ هَمّاً بالنِّسبةِ لنا، فإنْ كانَ الأمرُ كذلك فأبشِري و قرِّي عيناً فإنَّ الله تباركَ و تعالى لا يُضِيْعُ أجْرَ مَنْ أحسنَ عَمَلاً؛ بل إنَّ الله تباركَ و تعالى يقولُ: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ... (٦٩) " سورة العنكبوت، نعم، يهدينا الله تباركَ و تعالى السُّبُلَ.

فأسألُ الله جلَّ في عُلاهُ أنْ يجعلَنا و مَنْ يسمعُ ممنْ يحملُ هَمَّ هذا الدِّينِ و يدعو إليه و ينشرُه بين النَّاسِ و يعملُ به

و الله أعلى و أعلمُ و صلَّى الله و سلَّم و باركَ على نبيِّنا محمَّدٍ.

تم تفريغ الدرس بواسطة الأخوات

فاعلة خير و نازك و عبق

شبكة المنهج تحت إشراف الشيخ //:

عثمان بن محمَّد الخميس حفظه الله